الصندوق ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

30 سبتمبر 2016

يشكل غسل الأموال وتمويل الإرهاب جريمتين ماليتين تترتب عليهما آثار اقتصادية وقد يهددا استقرار القطاع المالي في البلد المتضرر أو استقراره الخارجي بشكل عام. وتعتبر النظم الفعالة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب أمرا ضروريا لحماية نزاهة الأسواق وسلامة الإطار المالي العالمي، إذ تساعد على تخفيف العوامل التي تسهل الاستغلال المالي. ولذلك فإن اتخاذ إجراءات لمنع ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لا يحقق ضرورة أخلاقية فقط، بل يلبي احتياجا اقتصاديا أيضا.

غسل الأموال هو عملية يتم من خلالها إخفاء المصدر غير المشروع للأصول التي يتم الحصول عليها أو تحقيقها من نشاط إجرامي، وذلك لحجب الرابطة بين الأموال والنشاط الإجرامي الأصلي. وينطوي تمويل الإرهاب على جمع ومعالجة الأصول لإمداد الإرهابيين بالموارد اللازمة لممارسة أنشطتهم. وبينما تختلف هاتان الظاهرتين من عدة جوانب، إلا أنهما غالبا ما يستغلان نفس مواطن الضعف في النظم المالية التي تسمح بمستوى غير ملائم من إخفاء الهوية وعدم الشفافية في تنفيذ المعاملات المالية.

وفي عام 2000، استجاب الصندوق لنداءات المجتمع الدولي بتوسيع نطاق عمله في مجال مكافحة غسل الأموال. وبعد الأحداث المأساوية في 11 سبتمبر 2001، كثف الصندوق أنشطته في هذا المجال ووسع نطاقها لتشمل مكافحة تمويل الإرهاب. وفي مارس 2014، راجع المجلس التنفيذي للصندوق استراتيجية مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وأعطى توجيهات استراتيجية للعمل القادم في هذا المجال (راجع أدناه). وفي مايو 2014، بدأ الصندوق مرحلة الخمس سنوات الثانية من عمل الصندوق الاستئماني المدعوم من المانحين والمكمل للحسابات القائمة التي تمول أنشطة تنمية قدرات البلدان الأعضاء في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.   

تهديد للاستقرار الاقتصادي والمالي

وَضَع المجتمع الدولي مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في مصاف الأولويات. ويوجه الصندوق اهتماما خاصا لعواقب غسل الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم ذات الصلة التي يمكن أن تهدد سلامة واستقرار النظام المالي والاقتصاد بشكل عام. ويمكن أن تؤدي هذه الأنشطة إلى التأثير على نزاهة واستقرار المؤسسات والنظم المالية، وتثبيط الاستثمار الأجنبي، وتشويه التدفقات الرأسمالية الدولية. وقد يكون لها عواقب سلبية على الاستقرار المالي والأداء الاقتصادي الكلي في البلد المتضرر، مما يؤثر سلبا على الرخاء ويستنزف الموارد بعيدا عن الأنشطة الاقتصادية الأكثر إنتاجية، بل إنها قد تجلب تداعيات مزعزعة للاستقرار الاقتصادي في البلدان الأخرى. ففي هذا العالم الذي يزداد ترابطا، تنتشر التداعيات السلبية لهذه الأنشطة على مستوى العالم، وتسفر عن عواقب معروفة على النزاهة والاستقرار الماليين في مختلف البلدان. ويستغل ممارسو غسل الأموال وتمويل الإرهاب ما يتسم به النظام المالي العالمي من طابع معقد وما يوجد من فروق بين القوانين والنظم الوطنية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ويتجهون بشكل خاص إلى مناطق الاختصاص ذات الضوابط الضعيفة أو غير الفعالة حيث يمكنهم نقل الأموال بسهولة أكبر دون أن يرصدها أحد. وبالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تنتقل المشكلات سريعا من بلد إلى آخر في نفس المنطقة أو في أنحاء أخرى من العالم.  

وتؤدي النظم القوية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب إلى تعزيز النزاهة والاستقرار الماليين، مما يسهل بدوره اندماج البلدان في النظام المالي العالمي، كا تؤدي إلى تعزيز الحوكمة وإدارة المالية العامة. وتمثل نزاهة النظم المالية الوطنية مطلبا ضروريا لإرساء الاستقرار في القطاع المالي والاقتصاد الكلي سواء على المستوى الوطني أو الدولي. 

المعايير الدولية مرشد للنظم الفعالة في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

فرقة العمل للإجراءات المالية المعنية بغسل الأموال (FATF) هي كيان حكومي دولي يضم 37 عضوا شُكِّلته قمة مجموعة السبعة عند انعقادها في باريس عام 1989، وهي المسؤول الأول عن وضع معيار عالمي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وتعمل الفرقة بالتعاون الوثيق مع عدد من المنظمات الدولية الأساسية الأخرى، بما فيها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والأمم المتحدة، والأجهزة الإقليمية على غرار فرقة العمل للإجراءات المالية المعنية بغسل الأموال (FSRBs) .

ولمساعدة الحكومات الوطنية على تنفيذ نظم فعالة لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، أصدرت فرقة العمل قائمة توصيات تحدد إطارا أساسيا للتدابير القابلة للتطبيق عالميا والتي تغطي نظام العدالة الجنائية، والقطاع المالي، ومجموعة محددة من المهن ومؤسسات الأعمال غير المالية، وشفافية الأشخاص الاعتبارية والترتيبات القانونية، وآليات التعاون الدولي. وفي فبراير 2012، تمت مراجعة هذه التوصيات وتحديثها (توصيات فرقة العمل للإجراءات المالية المعنية بغسل الأموال). وفي فبراير 2013، اعتمدت فرقة العمل منهجية مشتركة معدلة لتقييم الالتزام الفني بتوصياتها ومدى فعالية نظم مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. وشارك خبراء صندوق النقد الدولي في أول خمس عمليات للتقييم المتبادل أجريت في ظل المعيار والمنهجية المعدلين (لبلجيكا والنرويج وإسبانيا وأستراليا وماليزيا) وقادوا عمليات التقييم المتعلقة بإيطاليا وكندا، ويجرون حاليا تقييما بشأن المكسيك. وقد دعمت مجموعة السبعة ومجموعة العشرين جهود كل من فرقة العمل وصندوق النقد الدولي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو ما تجسد مؤخرا في المبادرة المعنية بمواجهة الفساد والتهرب الضريبي عبر الحدود.

دور الصندوق في جهود مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

ساعدت الجهود التي بذلها الصندوق في هذا المجال خلال الخمسة عشر عاما الماضية على رسم ملامح السياسات المحلية والدولية لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. فقد تضمنت هذه الجهود أكثر من 70 تقييما لإجراءات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والعديد من المساهمات في مشاورات المادة الرابعة، والعديد من برامج تقييم القطاع المالي (FSAPs) ، ومساهمات في تصميم وتنفيذ الإجراءات المتعلقة بالنزاهة المالية في البرامج المدعومة من الصندوق، بالإضافة إلى عدد كبير من أنشطة تنمية القدرات والمشروعات البحثية. وعند تقديم المشورة بشأن النزاهة المالية في سياق العمل الرقابي، وتقييم التزام البلدان بالمعيار الدولي لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ووضع برامج لمساعدتها في معالجة ما يتحدد من مواطن قصور، استفاد الصندوق بشكل خاص من سابق خبرته الواسعة في ممارسة الرقابة على النظم الاقتصادية في البلدان الأعضاء، وإجراء تقييمات القطاع المالي، وجهود تنمية القدرات في البلدان الأعضاء.  ويجري خبراء الصندوق أيضا تحليلات لنظم مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب على المستويين العالمي والوطني وأوجه التماس بين هذه النظم وأهم قضايا الساعة، مثل العملات الافتراضية، والتمويل الإسلامي، وتكاليف الفساد واستراتيجيات الحد منه، وقطع علاقات المراسلة المصرفية. 

ومع الإدراك المتزايد لأهمية قضايا النزاهة المالية بالنسبة للصندوق، تطور برنامج مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب على مر السنين. ففي عام 2004، وافق المجلس التنفيذي على جعل تقييمات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وأنشطة تنمية القدرات جزءا ثابتا من عمل الصندوق. وفي الأول من يونيو 2011، ناقش المجلس التنفيذي تقريرا يتضمن استعراضا لتطور برنامج الصندوق المعني بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب على مدار الخمس سنوات السابقة ويقدم إرشادات لكيفية المضي قدما في هذا المسار. ويمكن الاطلاع على أهم نتائج هذه المناقشة في هذا الرابط، ومن أبرزها الموافقة على تناول قضايا النزاهة المالية على أساس إلزامي في سياق الرقابة، وذلك في ظروف محددة. وبناء على مناقشة المجلس التنفيذي، صدرت في 14 ديسمبر 2012 مذكرة توجيهية تتناول دمج مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب في أعمال الرقابة وتقييمات الاستقرار المالي (FSAs) . وتتيح المذكرة إطارا للتعامل مع الحالات التي يصل فيها غسل الأموال وتمويل الإرهاب والجرائم ذات الصلة إلى مستوى خطير يهدد الاستقرار الداخلي أو استقرار ميزان المدفوعات أو كفاءة عمل النظام النقدي الدولي (وهو ما يدخل في نطاق الرقابة وفق المادة الرابعة) أو استقرار النظام المالي المحلي (الذي يدخل في نطاق تقييمات الاستقرار المالي).

وفي 12 مارس 2014، راجع المجلس التنفيذي استراتيجية الصندوق لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. ومن أبرز نتائج المراجعة أنه (1) أقر المعيار ومنهجية التقييم المعدلة ذات الصلة الصادرين عن فرقة العمل للإجراءات المالية المعنية بغسل الأموال، (2) شجع خبراء اصندوق على مواصلة جهودهم لإدراج قضايا النزاهة المالية ضمن أعمالهم الرقابية وفي سياق البرامج التي يدعمها الصندوق، عندما تكون لهذه القضايا أهمية كبيرة في الحصول على تأكيدات التمويل أو تحقيق أهداف البرنامج، (3) قرر ضرورة الاستمرار في معالجة قضايا غسل الأموال وتمويل الإرهاب في كل برامج تقييم القطاع المالي ولكن على أساس أكثر مرونة.  

وفيما يخص تنمية القدرات، دشن صندوق النقد الدولي في إبريل 2009 صندوقا استئمانيا يدعمه المانحون – وهو الأول في سلسلة من الصناديق الاستئمانية المواضيعية (TTF) – لتمويل تنمية القدرات في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وانتهت المرحلة الأولى من عمليات هذا الصندوق في إبريل 2014. وفي ضوء نجاح البرنامج واستمرار الطلب الكبير على تنمية القدرات في هذا المجال، بدأ الصندوق الاستئماني مرحلة جديدة اعتبارا من مايو 2014. وتعهد المانحون مجتمعون (فرنسا واليابان ولكسمبرغ وهولندا والنرويج وقطر والمملكة العربية السعودية وسويسرا والمملكة المتحدة) بتقديم أكثر من 25 مليون دولار أمريكي لدعم هذه المرحلة الجديدة على مدار الخمس سنوات. ويعتبر الصندوق الاستئماني المواضيعي مكملا للحسابات الموجودة بالفعل والتي تستخدم لتمويل أنشطة صندوق النقد الدولي المعنية بتنمية قدرات البلدان الأعضاء في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مما يصل بعدد البلدان المستفيدة إلى أكثر من 30 بلدا سنويا ويصل بالقيمة الكلية للمساعدة الفنية والتدريب المباشرين إلى أكثر من 6.5 مليون دولار أمريكي سنويا.