حالة الاقتصاد المثالية الراهنة ليست "المعتاد الجديد"

22 يناير 2018

النمو العالمي يواصل التحسن على نطاق واسع. ولكن حالة الاقتصاد المثالية الراهنة هي انعكاس لحشد من العوامل التي لا يرجح أن تدوم طويلا (الصورة: بومباي، الهند، Ingram Publishing-Newscom)

النمو العالمي يواصل التحسن على نطاق واسع. ولكن حالة الاقتصاد المثالية الراهنة هي انعكاس لحشد من العوامل التي لا يرجح أن تدوم طويلا (الصورة: بومباي، الهند، Ingram Publishing-Newscom)

مع بداية عام 2018، نرى الاقتصاد العالمي وهو ينمو بمعدلات متسارعة. وفي العدد الجديد من تقريرنا عن مستجدات آفاق الاقتصاد العالمي رُفِعت تنبؤات النمو الاقتصادي العالمي إلى 3.9% في عامي 2018 و 2019، وهو ما يشكل هذا بنسبة 0.2 نقطة مئوية عن تنبؤات أكتوبر الماضي، و 0.2 نقطة مئوية عن تقديرنا الحالي للنمو العالمي في العام الماضي.  

هي أخبار سارة بالطبع. لكن القادة السياسيين وصناع السياسات يجب أن يتذكروا أن الزخم الاقتصادي الحالي يعكس حشدا من العوامل التي لا يرجح أن تدوم طويلا. وقد يبدو أن الأزمة المالية العالمية قد غادرتنا بالفعل، ولكن دون تحرك عاجل لمعالجة معوقات النمو الهيكلية، وتعزيز احتوائية النمو، وبناء الصلابة وهوامش المناورة التي تتيحها السياسات، فسيحدث الهبوط الاقتصادي التالي في وقت أقرب مما نتصور وستكون مواجهته أكثر صعوبة.

وينبغي لكل حكومة أن تسأل نفسها اليوم ثلاثة أسئلة. أولا، كيف يمكن رفع الكفاءة الاقتصادية ومستويات الناتج على المدى الأطول؟ ثانيا، كيف يمكن أن ندعم الصلابة والاحتوائية مع الحد من احتمالات انتهاء الانتعاش الاقتصادي الحالي بتباطؤ مفاجئ أو حتى أزمة جديدة؟ ثالثا، كيف يمكن أن نضمن وجود أدوات السياسة التي نحتاجها لمواجهة الهبوط الاقتصادي القادم؟

آفاق المدى القصير

لننظر أولا أين نحن الآن، وكيف نرى الاقتصاد العالمي على المدى القصير.

لا تزال أوروبا وآسيا أهم المصادر لتَسارُع إجمالي الناتج المحلي حتى الآن، مع تحسن الأداء أيضا في الولايات المتحدة وكندا وبعض الأسواق الصاعدة الكبرى، ولا سيما البرازيل وروسيا اللتان شهدتا انكماشا في 2016، وتركيا. وسيستمر جانب كبير من هذا الزخم على المدى القصير. وسيساهم التشريع الضريبي الأمريكي الأخير مساهمة ملموسة في نمو الاقتصاد الأمريكي على مدار السنوات القليلة القادمة، وذلك في الأساس بسبب ما ينص عليه من حوافز استثنائية مؤقتة للاستثمار. وسيكون لهذه الدفعة التي يتلقاها النمو على المدى القصير آثار إيجابية، وإن كانت مؤقتة، على الناتج في البلدان الشريكة تجاريا للولايات المتحدة، ولكن من المرجح أيضا أن تؤدي إلى زيادة عجز الحساب الجاري في الولايات المتحدة، ورفع سعر الدولار الأمريكي، والتأثير على التدفقات الاستثمارية الدولية.  

ومرة أخرى نجد أن التجارة بدأت تنمو بمعدلات أسرع من الدخل العالمي، مدفوعة جزئيا بزيادة الاستثمارات العالمية، كما بدأت أسعار السلع الأولية تتحرك في اتجاه صاعد، مما يعود بالنفع على البلدان التي تعتمد على تصدير هذه السلع.

وفي الوقت الذي تعود فيه الاقتصادات إلى مستوى التشغيل الكامل، تظل ضغوط التضخم مكبوحة ونمو الأجور الاسمية ضعيفا. ومن الملاحظ أن الأوضاع المالية ميسرة إلى حد كبير، مع رواج أسواق الأسهم وانخفاض تكاليف الاقتراض الحكومي طويل الأجل وضِيق فروق العائد على سندات الشركات وجاذبية شروط الاقتراض بالنسبة للأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية.

تفسير الانتعاش

ولم يكن الانتعاش الجاري من قبيل الصدفة. فقد بدأ يترسخ في منتصف 2016 ويرجع الفضل في جانب كبير منه إلى السياسات الاقتصادية الكلية التيسيرية التي دعمت مزاج السوق وعجلت بالتعافي الطبيعي.  

فالسياسات النقدية ظلت طويلا، ولا تزال، محتفظة بطابعها التيسيري في البلدان الكبرى، وهو ما ترتكز عليه الأوضاع المالية العالمية الميسرة حاليا. ورغم أن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي يواصل رفع أسعار الفائدة بالتدريج، فقد حافظ على منهجه الحذر وجاءت استجابته حكيمة لاضطرابات أوائل 2016 حين أرجأ زيادات أسعار الفائدة التي كانت متوقعة آنذاك. وبدأ البنك المركزي الأوروبي يوقف بالتدريج عمليات شراء الأصول واسعة النطاق، والتي ساهمت بدور حيوي في إنعاش النمو في منطقة اليورو، ولكنه أشار أيضا إلى أن زيادات أسعار الفائدة احتمال بعيد.  

وبالإضافة إلى ذلك، تحولت سياسة المالية العامة في الاقتصادات المتقدمة على وجه الإجمال من سياسة انكماشية إلى سياسة تكاد تكون محايدة على مدار السنوات القليلة الماضية، بينما قدمت الصين دعما كبيرا من المالية العامة منذ تباطأ النمو فيها في منتصف العقد، مما أحْدَث تداعيات إيجابية لدى شركائها التجاريين. وفي الولايات المتحدة بالطبع، توشك سياسة المالية العامة على اعتماد وجهة توسعية إلى حد كبير، وهو ما يستتبع آثارا معقدة على الاقتصاد العالمي.

ليس "المعتاد الجديد"

أما رأينا في هذا الصدد فهو أن الانتعاش الجاري، رغم كونه جديرا بالترحيب، لا يرجح أن يصبح "المعتاد الجديد" وأنه يواجه مخاطر متوسطة الأجل من المرجح أن تزداد بمرور الوقت. وهناك عدة أسباب – تظهر إلى حد ما في توقعاتنا للنمو متوسط الأجل – نرى أنها تشكك في ديمومة الزخم الحالي:

  • الاقتصادات المتقدمة تقود الانتعاش، لكنها ستعود، بمجرد سد فجوات الناتج لديها، إلى معدلات النمو الأطول أجلا التي لا نزال نتوقع أن تكون أدنى بكثير من معدلات ما قبل الأزمة. فبينما نتوقع أن يبلغ النمو في الاقتصادات المتقدمة 2.3% في 2018، يفيد تقييمنا للنمو الممكن في هذه المجموعة بأنه لن يتجاوز ثلثي هذا المعدل على المدى الأطول. ويشكل التغير الديمغرافي وانخفاض نمو الإنتاجية تحديين واضحين يدعوان إلى استثمارات كبيرة في الموارد البشرية والجهود البحثية. وتواجه البلدان المصدرة للوقود آفاقا غائمة إلى حد كبير وعليها استكشاف السبل الممكنة لتنويع نشاطها الاقتصادي.
  • تشير التنبؤات إلى أن النمو يتجه إلى التباطؤ في أكبر اقتصادين وطنيين يدفعان النمو حاليا وفي المستقبل القريب. فالصين ستخفض التنشيط المالي الذي اعتمدته في العامين الأخيرين، كما أعلنت السلطات أنها تنوي كبح النمو الائتماني لتقوية نظامها المالي المثقل بالأعباء. وتمشيا مع هذه الخطط، يُتوقع انخفاض النمو المستقبلي مع استمرار الصين في جهودها الضرورية لاستعادة توازن الاقتصاد. أما في الولايات المتحدة، فأي تأثير يحدثه التخفيض الضريبي على الناتج في اقتصاد يكاد يصل إلى مستوى التشغيل الكامل سيأتي جانب منه على حساب انخفاض النمو لاحقا عندما ينتهي العمل بحوافز الإنفاق المؤقتة (وخاصة للاستثمار) ويظهر تأثير زيادة الدين الفيدرالي مع الوقت.
  • ومع أهمية الأوضاع المالية الميسرة والدعم المقدم من المالية العامة لتحقيق التعافي المنشود، فقد أدى ذلك إلى تكوين تركة من الديون – لدى الحكومة، وفي بعض الحالات لدى الشركات والأسر – في الاقتصادات المتقدمة والصاعدة على السواء. ولا تزال معدلات التضخم وأسعار الفائدة منخفضة حتى الآن، ولكن حدوث ارتفاع مفاجئ عن المستويات الحالية، ربما بسبب تطورات السياسة المسايرة للتقلبات الدورية، من شأنه تشديد الأوضاع المالية عالمياً وتحفيز الأسواق على إعادة تقييم مدى استدامة الدين في بعض الحالات. وستكون أسعار الأسهم المرتفعة معرضة للخطر أيضا، مما يزيد من مخاطر التعديلات السعرية المربكة.  
  • ورغم تصاعد النمو في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية، فهناك أخبار أقل إيجابية عن كل من الشرق الأوسط وإفريقيا جنوب الصحراء التي يشكل ضعف اقتصاداتها الكبرى عبئا معوقا للنمو فيها. وهناك حركة هجرة خارجية كبيرة تسبب فيها النمو المنخفض، الناشئ جزئيا عن الظواهر الجوية المعاكسة المصحوبة بصراعات أهلية في بعض الحالات. وهناك مظاهر تحسن بارزة في بعض اقتصادات أمريكا اللاتينية الكبرى ولكن استمرار الانهيار الاقتصادي في فنزويلا سيظل عبئا على النمو الكلي في المنطقة هذا العام.
  • ورغم ما حققه التعافي الاقتصادي من زيادة في توظيف العمالة وفي الدخل الكلي مقارنة بالمستويات المنخفضة التي شهدتها فترة الأزمة، فإن الناخبين في كثير من الاقتصادات المتقدمة بدأوا يشعرون بالاستياء من المؤسسات السياسية، ويشككون في قدرتها على تحقيق نمو واسع النطاق في سياق يتسم بضعف الزيادات في الأجور الحقيقية وانخفاض نصيب العمالة من الدخل القومي وتصاعد ظاهرة استقطاب الوظائف. لكن التحول إلى نماذج حوكمة استبدادية أو قومية متطرفة يمكن أن يتسبب في تعطيل الإصلاحات الهيكلية داخليا والانسحاب من مسار الاندماج الاقتصادي على المستوى الدولي. وكلا التطورين يمكن أن يضر بآفاق النمو على المدى الأطول، مما يلحق الضرر بالفئات التي تُرِكَت وراء الركب في العقود القليلة الماضية. وقد وصل عدم المساواة إلى مستويات مرتفعة في الأسواق الصاعدة والاقتصادات منخفضة الدخل، وهي ظاهرة تحمل بذور الاضطرابات في المستقبل ما لم تستطع البلدان تحقيق نمو أكثر احتواءً لمختلف شرائح السكان.   

صناع السياسات ينبغي أن يواجهوا التحديات

ولعل أكبر المخاطر الراهنة هي احتمال التراخي. فقد تبدو هذه الآونة لحظة مثالية في الاقتصاد العالمي، لكن صناع السياسات الحكماء عليهم النظر إلى أبعد من الأجل القصير.  

ومهما كانت جاذبية الاسترخاء والاستمتاع بالشمس المشرقة، فإن بمقدور السياسة، بل ينبغي لها، أن تتحرك لتعزيز التعافي الراهن. هذا هو الوقت المناسب لبناء هوامش للمناورة من خلال السياسات، وتدعيم دفاعات الاقتصاد لمواجهة عدم الاستقرار المالي، والاستثمار في الإصلاحات الهيكلية والبنية التحتية المنتجة والموارد البشرية. فالركود القادم قد يكون أقرب مما نتصور، والذخيرة المتوافرة لمحاربته قلت كثيرا عما كانت عليه في العقد الماضي، ولا سيما بسبب الدين العام الذي ارتفع بشدة.

كذلك فإن انتعاشا بهذا الاتساع هو لحظة التحرك المثالية لمواجهة مجموعة من التحديات متعددة الأبعاد. ويشمل ذلك مواجهة المخاطر التي تهدد الاستقرار المالي العالمي، ومنها التهديدات الإلكترونية؛ وتعزيز النظام التجاري متعدد الأطراف؛ والتعاون في مجال السياسات الضريبية الدولية، بما في ذلك مكافحة غسل الأموال؛ وتشجيع النمو القابل للاستمرار في البلدان منخفضة الدخل. أما ما يشكل ضرورة ملحة للغاية فهو مكافحة الضرر البيئي الذي يتعذر تداركه فيما بعد، وخاصة ضرر التغير المناخي.


آخر توقعات النمو
آفاق اقتصادية أكثر إشراقا
(التغير %)

 

تقديرات 

 

توقعات

 

2017

 

2018

2019

الناتج العالمي

3.7

3.9

3.9

الاقتصادات المتقدمة

2.3

2.3

2.2

الولايات المتحدة

2.3

2.7

2.5

منطقة اليورو

2.4

2.2

2.0

ألمانيا

2.5

2.3

2.0

فرنسا

1.8

1.9

1.9

إيطاليا

1.6

1.4

1.1

إسبانيا

3.1

2.4

2.1

اليابان

1.8

1.2

0.9

المملكة المتحدة

1.7

1.5

1.5

كندا

3.0

2.3

2.0

اقتصادات متقدمة أخرى

2.7

2.6

2.6

اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية

4.7

4.9

5.0

كومنولث الدول المستقلة

2.2

2.2

2.1

روسيا

1.8

1.7

1.5

ما عدا روسيا

3.1

3.4

3.5

آسيا الصاعدة والنامية

6.5

6.5

6.6

الصين

6.8

6.6

6.4

الهند

6.7

7.4

7.8

مجموعة آسيان-5

5.3

5.3

5.3

أوروبا الصاعدة والنامية

5.2

4.0

3.8

أمريكا اللاتينية والكاريبي

1.3

1.9

2.6

البرازيل

1.1

1.9

2.1

المكسيك

2.0

2.3

3.0

الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان

2.5

3.6

3.5

المملكة العربية السعودية

-0.7

1.6

2.2

إفريقيا جنوب الصحراء

2.7

3.3

3.5

نيجيريا

0.8

2.1

1.9

جنوب إفريقيا

0.9

0.9

0.9

البلدان النامية منخفضة الدخل

4.7

5.2

5.3

المصدر: صندوق النقد الدولي، عدد يناير 2018 من تقرير مستجدات آفاق الاقتصاد العالمي.


موريس أوبستفلد يشغل منصب المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي، وهو في إجازة من جامعة كاليفورنيا، بيركلي. والسيد أوبستفلد حاصل على "أستاذية دفعة 1958" في الاقتصاد في بيركلي، وكان رئيسا لقسم الاقتصاد هناك (1998-2001). وقد بدأ العمل أستاذا في بيركلي عام 1991، بعد أن تولى مناصب دائمة في جامعة كولومبيا (1979-1986) وجامعة بنسلفانيا (1986-1989)، ومنصبا زائرا في جامعة هارفارد (1989-1990). والسيد أوبستفلد حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا عام 1979 بعد أن درس في جامعة بنسلفانيا (درجة البكالوريوس، 1973) وكينغز كوليدج بجامعة كامبريدج (درجة الماجستير، 1975).

وفي الفترة من يوليو 2014 وحتى أغسطس 2015، كان السيد أوبستفلد عضوا في مجلس المستشارين الاقتصاديين للرئيس أوباما. وقبل ذلك (2002-2014) كان مستشارا شرفيا لمعهد الدراسات الاقتصادية والنقدية التابع لبنك اليابان المركزي. وهو زميل لجمعية الاقتصاد القياسي والأكاديمية الأمريكية للفنون والعلوم. ومن بين الجوائز التي حصل عليها جائزة  Tjalling Koopmans Asset Award من جامعة تيلبرغ، وجائزة John von Neumann Award of the Rajk Laszlo من كلية الدراسات المتقدمة (بودابست)، وجائزة  Bernhard Harms Prizeمن معهد كيل. وقد ألقى عددا من المحاضرات المتميزة، منها محاضرة Richard T. Ely Lecture السنوية في الجمعية الاقتصادية الأمريكية، ومحاضرةL. K. Jha Memorial Lecture في بنك الاحتياطي الهندي، ومحاضرة Frank Graham Memorial Lecture في جامعة برينستون. وكان السيد أوبستفلد عضوا في اللجنة التنفيذية ونائبا للرئيس في الجمعية الاقتصادية الأمريكية، كما عمل خبيرا استشاريا ومارس التدريس في صندوق النقد الدولي والعديد من البنوك المركزية حول العالم.

كذلك شارك السيد أوبستفلد في تأليف اثنين من أهم الكتب المرجعية عن الاقتصاد الدولي، وهما "الاقتصاد الدولي" (International Economics, 10th edition, 2014, with Paul Krugman and Marc Melitz ) و"أسس الاقتصاد الكلي الدولي (Foundations of International Macroeconomics, 1996, with Kenneth Rogoff )، كما كتب أكثر من 100 مقال بحثي عن أسعار الصرف، والأزمات المالية الدولية، وأسواق رأس المال العالمية، والسياسة النقدية.