المطلوب: سياسات لتشجيع العمل وتمكينه في الاقتصادات المتقدمة

9 أبريل 2018

الشيخوخة قد تبطئ النمو الاقتصادي في الاقتصادات المتقدمة (الصورة: Zero Creatives Cultura/Newscom).

تشهد الاقتصادات المتقدمة تباطؤا في النمو السكاني، وارتفاعا في متوسط العمر المتوقع، وطفرة كبيرة في عدد كبار السن. ولأن العمالة الأكبر سنا تشارك بدرجة أقل في سوق العمل، فمن الممكن أن تؤدي شيخوخة السكان إلى إبطاء معدل النمو، وقد تفضي في كثير من الحالات إلى تهديد استمرارية نظم الضمان الاجتماعي. لكن البحث الذي أجريناه ضمن الفصل الثاني من عدد إبريل 2018 في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي* يوضح أن المجال واسع أمام السياسات لتخفيف أثر عوامل الشيخوخة بإتاحة العمل للراغبين فيه.  

فروق شاسعة

في العقد الماضي، حدث تسارع كبير في معدلات شيخوخة السكان في كل الاقتصادات المتقدمة تقريبا حينما اقترب سن التقاعد للعدد الضخم في المجموعة العمرية لمواليد سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية. وزادت نسبة الإعالة (التي تقاس على أساس عدد البالغين 65 سنة فأكثر كنسبة ممن تتراوح أعمارهم بين 20 و 64 سنة) من 27% في 2008 إلى 34% حاليا في متوسط البلدان، ومن المتوقع أن تسجل ارتفاعا حادا إلى 55% بحلول عام 2050 مع تسارُع الاتجاهات الديمغرافية السائدة.

ولكن رغم الضغوط التي تفرضها الشيخوخة على عرض العمالة، نلاحظ فروقا كبيرة في الاقتصادات المتقدمة من حيث تطور المعدلات الكلية للمشاركة في سوق العمل والعناصر التي تتألف منها – حيث تُعرَّف هذه المعدلات بأنها نسبة السكان البالغين 15 سنة فأكثر ممن يعملون حاليا أو يبحثون عن فرصة عمل. 

 
فعلى سبيل المثال، حدثت زيادة هائلة في مشاركة النساء منذ منتصف ثمانينات القرن الماضي. وفي تاريخ أقرب، حدث تحسن كبير في مشاركة العمالة الأكبر سنا، بينما تراجعت المشاركة بين الشباب. وفي كل الاقتصادات المتقدمة تقريبا، أصبح الرجال في مقتبل العمر، وخاصة الأقل في التحصيل التعليمي، منفصلين بصورة متزايدة عن سوق العمل. وتعتبر الولايات المتحدة مثالا بارزا بين الاقتصادات المتقدمة على انخفاض المشاركة في سوق العمل من جانب النساء والرجال في مقتبل العمر.

عوامل مؤثرة مختلفة

نلقي الضوء في بحثنا على العوامل المختلفة وراء الاتجاهات المتنوعة عبر البلدان وبين مختلف أنواع العمالة. ومن خلال تحليل الأنماط التاريخية للمشاركة الكلية والفردية في سوق العمل عبر الاقتصادات المتقدمة، نجري قياسا كميا للأهمية النسبية التي تشكلها الشيخوخة والدورات الاقتصادية، وسياسات سوق العمل ومؤسساته، والعوامل الهيكلية مثل صعود قطاع الخدمات، والتعرض للعوامل العالمية مثل التطورات التكنولوجية والتجارة ومدى التماسك في مواجهتها، في التأثير على قرارات الأفراد بالانضمام إلى سوق العمل أو البقاء فيه أو العودة إليه. ويوضح الرسم البياني أدناه مساهمة هذه العوامل في التغيرات المتعلقة بمشاركة مختلف مجموعات العمالة على مدار الفترة 1995-2011 في متوسط الاقتصادات المتقدمة.

وتشير استنتاجاتنا إلى أن الشيخوخة وآثار الأزمة المالية العالمية يمكن أن يفسرا نسبة كبيرة من التراجع في معدل مشاركة الرجال أثناء العقد الماضي. غير أن تصاعد معدلات مشاركة النساء عبر نفس الفترة يبرهن على أن السياسات يمكن أن تقوم بدور كبير في تشكيل قرارات عرض العمالة، ويمكن أن تساعد في الحد من تأثير عوامل الشيخوخة.  

ونخلص في البحث إلى أن سياسات سوق العمل ومؤسساته، مثل نظام الضرائب والإعانات الاجتماعية، والإنفاق العام على برامج سوق العمل النشطة (كالتدريب)، والسياسات التي تستهدف تشجيع مجموعات معينة من العمالة على المشاركة، إلى جانب تحسين التحصيل التعليمي والتغييرات الهيكلية، كلها تفسر الجانب الأكبر من الزيادة الهائلة في مشاركة النساء في مقتبل العمر والعمالة الأكبر سنا خلال الثلاثة عقود الماضية. ومن الممكن أيضا أن يكون إجراء تعديلات أكثر دعما في سياسات البلدان الأوروبية وتحقيق تحسن أكبر في التحصيل التعليمي بين النساء الأوروبيات في مقتبل العمر عاملا آخر يفسر الفرق الشاسع بين اتجاهات المشاركة في أوروبا والاتجاهات المقابلة في الولايات المتحدة.

وعلى العكس من ذلك، نجد أن التحول إلى التشغيل الآلي – رغم فائدته للاقتصاد ككل – كان كابحا لمعدلات المشاركة بالنسبة لمعظم مجموعات العمالة، وكانت له آثار سلبية أكثر استمرارية في الولايات المتحدة عنها في أوروبا. ونجد أن الأفراد الذين يعملون أو كانوا يعملون في مهن أكثر عرضة للتشغيل الآلي هم الفئة الأرجح أن تتسرب من القوى العاملة بفارق كبير عن الفئات الأخرى. لكن المشجع أن السياسات الرامية إلى تحسين عملية التوفيق بين العمالة المتوافرة والوظائف المعروضة يمكن أن تعوض جانبا من هذا الأثر. فغالبا ما تؤدي زيادة الإنفاق على التعليم وبرامج سوق العمل النشطة، وكذلك النفاذ إلى أسواق عمل أكثر تنوعا، إلى تخفيف العلاقة السلبية بين التشغيل الآلي والارتباط بسوق العمل. غير أن على صناع السياسات الانتباه إلى التعديلات الصعبة التي تفرضها التطورات التكنولوجية على بعض القطاعات والمهن والمناطق الجغرافية.

تشجيع المشاركة في سوق العمل

يمكن توسيع نطاق المكاسب التي تحققها المشاركة في سوق العمل من خلال السياسات التي تشجع العمالة على الانضمام إلى القوى العاملة أو البقاء فيها، والسياسات التي تساعد العمالة على الجمع بين الحياة الأسرية والعملية. ويمكن جذب النساء إلى سوق العمل من خلال الإنفاق العام على التعليم والرعاية في الطفولة المبكرة، وترتيبات العمل المرنة، والإجازة الوالدية. وبالنسبة للعمالة الأكبر سنا، يمكن إطالة الحياة العملية من خلال تقليل حوافز التقاعد المبكر، أو رفع سن التقاعد، أو جعل نظم التقاعد أكثر إنصافا من الناحية الإكتوارية، وإن كان ينبغي ألا تؤدي هذه الإصلاحات إلى التأثير على الأهداف الأخرى، مثل إقامة شبكة أمان اجتماعي أساسية للأفراد الأقل دخلا.  

ولكن التحولات الشديدة في الهياكل الديمغرافية المتوقعة في الاقتصادات المتقدمة يمكن أن تطغى في نهاية المطاف على قدرة السياسات على تعويض الأثر الكامل لعوامل الشيخوخة. وتشير عمليات المحاكاة التوضيحية الواردة في الرسم البياني إلى أن المشاركة الكلية ستنخفض في نهاية المطاف – حتى إذا تم سد الفجوات بين الجنسين بشكل كامل – وأن مشاركة العمالة الأكبر سنا يتعين أن تحقق ارتفاعا كبيرا حتى يتلاشى الانخفاض في المشاركة الكلية بشكل كامل. ومن شأن الوصول بالسياسات إلى ما يمكن اعتباره "ممارسة مُثلى" (من منظور المشاركة في سوق العمل) أن يخفف بعض العبء المعوق الذي تفرضه الشيخوخة.

    وما لم يحقق التقدم التكنولوجي مكاسب تعويضية على صعيد الإنتاجية، قد يتعين على كثير من الاقتصادات المتقدمة أن تعيد النظر في سياسات الهجرة لتعزيز عرض العمالة، مع انتهاج سياسات تشجع العمالة الأكبر سنا على تأجيل التقاعد. وبالرغم من أن استقبال المهاجرين يفرض تحديات على البلدان المضيفة، فإن أي جهود لكبح الهجرة الدولية من شأنها أن تجعل الضغوط الديمغرافية أكثر سوءا.

    *****

فرانسيسكو غريغولي هو اقتصادي في قسم دراسات الاقتصاد العالمي بإدارة البحوث، وسبق له العمل في إدارة شؤون المالية العامة وإدارة نصف الكرة الغربي كما كان باحثا زائرا في جامعة كولومبيا. وتركز أبحاثه على سياسة الاقتصاد الكلي الآنية ومدى فعاليتها، وديناميكية الاستهلاك والادخار، والتوقعات المحققة لذاتها، وعدم اليقين، وعدم المساواة في توزيع الدخل، وكفاءة الإنفاق.

تشوكا كوتسان تعمل اقتصادية في قسم دراسات الاقتصاد العالمي بإدارة البحوث، وسبق لها العمل في الإدارة الأوروبية. وقبل انضمامها إلى الصندوق في عام 2013، عملت في البنك الأوروبي للتعمير والتنمية. وتشمل اهتماماتها البحثية الاقتصاد الجزئي التطبيقي، وعدم المساواة والهجرة. والسيدة كوتسان حاصلة على درجة الدكتوراه من جامعة كامبريدج.  

بيتيا توبالوفا تعمل نائب رئيس قسم في إدارة البحوث في صندوق النقد الدولي. وقبل شغل هذا المنصب، عملت في الإدارة الأوروبية وإدارة آسيا والمحيط الهادئ، كما عملت محاضرا مساعدا في كلية هارفارد كينيدي للحكم. والسيدة توبالوفا تحمل درجة الدكتوراه في الاقتصاد من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وتتركز اهتماماتها البحثية في مجالي التنمية الاقتصادية والتجارة الدولية.