التكنولوجيا ومستقبل العمل

1 مايو 2018

للتكنولوجيا تأثير على طريقة عملنا (الصورة: BSIP/Newscom).

يشعر الكثيرون بالقلق من تأثير التكنولوجيا الجديدة على وظائفهم. وليس هذا بجديد. بل إنه يرجع في التاريخ على الأقل إلى زمن حركة "اللوديين" (Luddites movement) في بداية الثورة الصناعية. وقد عاد للظهور أثناء فترة "الكساد العظيم" ثم في الستينات، عقب فترة من نمو الإنتاجية المرتفع، وفي الثمانينات مع بداية ثورة تكنولوجيا المعلومات.

فكيف يمكن للحكومات المساعدة في هذا الخصوص؟ عن طريق الاستثمار في المهارات البشرية*.

تحول هائل

ساعد التقدم التكنولوجي في الماضي على رفع دخول الأغلبية. لكن يجب ألا ننسى أن التحولات التي تطلبها – بالنسبة للعمال والشركات والقطاعات والاقتصادات كلها – كانت صعبة على الكثيرين.

ويرى كثير من المراقبين أن موجة الابتكار التكنولوجي الأخيرة ستكون أكثر إرباكاً من الموجات السابقة، وخاصة بالنسبة للعمالة. ويشيرون في هذا الصدد إلى النمو الطفيف للأجور الحقيقية وتراجع نصيب العمالة من الدخل القومي* في العقود القليلة الماضية. بل إن مظاهر التقدم التكنولوجي الجديدة – في مجالات الذكاء الاصطناعي والتشغيل الآلي وتكنولوجيا الروبوت – قد تكون أكثر ضخامة من سابقاتها، نظراً لما يفترض من إمكانية إحلال بعض التكنولوجيات بسهولة محل مجموعة واسعة من المهارات البشرية.

تصميم أفضل

وبادئ ذي بدء، نحتاج إلى فهم آخر موجة من موجات التكنولوجيا وما لها من تأثير محتمل. فليست كل العمالة قابلة للإحلال، كما أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يُحْدِث تحولاً في الوظائف أكثر مما يتسبب في انقراضها. ومظاهر التقدم التكنولوجي تعزز الإنتاجية، مما يؤدي مع الوقت إلى خلق وظائف جديدة، والسماح بارتفاع الدخول ومستويات المعيشة. والواقع أن أبحاثنا* تشير إلى ارتباط ديناميكية الأجور البطيئة حالياً بانخفاض نمو الإنتاجية. لكن البلدان تحتاج إلى سياسات للاستفادة من مزايا التغير التكنولوجي، ومعالجة تداعياته الأقل إيجابية على الأجور وعدم المساواة.

فماذا تفعل البلدان إذن؟

أولاً، تحتاج البلدان إلى سياسات تسهل إعادة توزيع العمالة وتقصِّر فترات تعطلها. فعلى سبيل المثال، يمكن أن تكون إعادة توزيع العمالة أسهل في وجود تأمينات بطالة أقوى، وإن كانت مؤقتة. وقد يتطلب الأمر أن تصبح المنافع الاجتماعية قابلة للتحويل. ففي الدنمارك، هناك مؤسسات قوية لسوق العمل تجتمع فيها مرونة قواعد التعيين والتسريح مع سياسات سوق العمل النشطة الشاملة وشبكات الأمان الاجتماعي السخية نسبياً. وهذا النظام ناجح عموماً في التوفيق بين عرض العمالة والطلب عليها، ويُلاحَظ أن البطالة منخفضة في ضوء المقارنة الدولية.

لكن هذا بمفرده قد لا يساعد العمالة الأقل استعداداً للاستفادة من التغيير. فالناس تحتاج إلى سياسات تتيح لهم الفرص. وبناء رأس المال البشري عامل أساسي. وقد يعني هذا زيادة الإنفاق العام على التعليم أو تعزيز فعاليته، مما يجعله أكثر تجاوباً مع طلب السوق ويتيح فرصا للتعلم مدى الحياة. فعلى سبيل المثال، تتيح سنغافورة لكل البالغين منحاً غير مشروطة للتدريب طوال حياتهم العملية.

ويمكن كذلك أن تتم إعادة التوزيع من خلال نظام الضرائب والإعانات الاجتماعية لنشر المكاسب المحققة من التقدم التكنولوجي. وقد استخدمت بعض الاقتصادات ما لديها من حيز مالي للقيام بإعادة التوزيع بغية نشر هذه المكاسب على نحو أكثر إنصافاً. فعلى سبيل المثال، خفضت كندا معدل الضريبة لأصحاب الدخول المتوسطة لدعم الطبقة الوسطى، وقامت مؤخراً بزيادة سخاء مزايا ضريبة الدخل، بما في ذلك توسيع نطاق الأهلية. وبينما تمثل إعادة التوزيع جزءاً من العقد الاجتماعي في كل بلد، تشير أبحاث الصندوق إلى أن معالجة عدم المساواة قد تفيد النمو، مما يُكْسِبها أهمية لاقتصاد كل بلد.

غير أن إعادة التوزيع تأتي على حساب الكفاءة. ومع ذلك، فإذا صممت الحكومات سياساتها بصورة صحيحة، يمكن أن يعود النفع على كل مجموعات الدخل.  
ما هي الخلاصة إذن؟ إن مظاهر التقدم التكنولوجي تتيح فرصاً اقتصادية واجتماعية هائلة. لكنها ينبغي أن ترتكز على السياسات الصحيحة لضمان أن تعود بالنفع على الجميع.

تقوم هذه التدوينة على مذكرة مجموعة العشرين عن "التكنولوجيا ومستقبل العمل" التي أعدها فريق بقيادة هيلغا برغر، ورومين دوفال، وفويتيك ماليتشيفسكي.

*****

أدريان بيرالتا-ألفا يعمل اقتصادياً أول في إدارة شؤون المالية العامة، وسبق له أن شغل مناصب في بنك الاحتياطي الفيدرالي في سانت لويس وفي جامعة ميامي. وتتركز اهتماماته البحثية في الاقتصاد الكلي والاقتصاد الحسابي. والسيد بيرالتا-ألفا حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة منيسوتا.

أغوستين رويتمان يعمل اقتصادياً في إدارة الاستراتيجيات والسياسات والمراجعة، وسبق له العمل على اقتصادات روسيا واليونان وماليزيا وعدة تكليفات أخرى في الصندوق. ويتركز الجانب الأكبر من اهتماماته البحثية ومؤلفاته المنشورة في مجال العلوم المالية الدولية والاقتصاديات الكلية للاقتصاد المفتوح. والسيد رويتمان حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة ميريلاند في كوليدج بارك.

* بالانجليزية