التأهب الاقتصادي وأهمية الحيز المالي

27 يونيو 2018

يجب أن تقيِّم البلدان ما لديها من "حيز مالي" أو مساحة ممكنة لزيادة عجز موازناتها العامة بصفة مؤقتة دون التأثير على نفاذها للأسواق أو احتفاظها بالمديونية في حدود يمكن تحملها. (الصورة: Martin Barraud/iStock by Getty Images)

ما مدى المساحة المتوافرة أمام صناع السياسات الوطنية لإجراء زيادة في الإنفاق أو تخفيض في الضرائب؟ إنه سؤال صعب يكتسب أهمية بالغة في فترات الهبوط الاقتصادي حين يكون مطلوبا من الحكومة تنشيط الاقتصاد. لكنه يكتسب أهمية مماثلة في فترات الصعود الدوري، كالتي نمر بها حاليا، لأن الإجابة عنه تشكل عاملا حاسما لفهم مدى السرعة المطلوبة لإعادة بناء هوامش الأمان في البلدان المعنية.

ومهما كانت الظروف، فحتى تكون الإجابة مفيدة ينبغي أن تأتي في شكل تقدير لمدى "الحيز المالي"، أو المساحة المتوافرة للبلدان كي تزيد من عجز موازناتها العامة بصفة مؤقتة دون التأثير على نفاذها للأسواق أو بقاء مديونيتها في حدود يمكن تحملها.

وقد وضع خبراء الصندوق إطارا جديدا* لقياس الحيز المالي وقاموا بتجربته في الفترة 2017-2018 في عدد من مشاورات المادة الرابعة*، وهي المراجعة السنوية التي يجريها الصندوق على سبيل المتابعة للسياسات الاقتصادية والمالية في البلدان الأعضاء.

قياس الحيز المالي

إذا فكرت أي حكومة في زيادة الإنفاق أو تخفيض الضرائب بصفة مؤقتة، ينبغي أن تقيس ما إذا كان بإمكانها تمويل فجوة الموازنة التي ستترتب على هذا الإجراء دون التعرض لخطر حدوث رد فعل غير موات من الأسواق المالية أو إضعاف سلامة المالية العامة على المدى الأطول. وكلما أمكنها الاطمئنان إلى هذه النتيجة، كان الحيز المالي المتاح لها أكثر اتساعا. وعلى العكس من ذلك، تتقلص قدرة الحكومة على استخدام سياسة المالية العامة بشكل نشط كلما زادت المخاطر التي يتعرض لها البلد المعني من حيث الآفاق المتوقعة للسوق والمالية العامة.

ولا يتحدد الحيز المالي على أساس مستوى الدين العام فقط، ولا هو مفهوم جامد. إنما يمكن أن يتفاوت باختلاف الظروف السوقية والاقتصادية، وهو ما يحدث أحيانا بصورة سريعة وكبيرة. فعلى سبيل المثال، حين يضطلع بلد ما بعملية تنشيط مالي جيدة التنفيذ، يمكن أن تطغى الدفعة الديناميكية التي يتلقاها النشاط الاقتصادي على الحالة المبدئية المتدهورة لماليته العامة. ونتيجة لذلك، يمكن أن تتحسن نسبة الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي بالفعل مع مرور الوقت، مما يخلق حيزا ماليا إضافيا. وعلى ذلك، يتجنب إطارنا أي مقياس وحيد، ويعتمد بدلا من ذلك على منهج متعدد الأوجه باستخدام مؤشرات وأدوات تم بناؤها على مدار سنوات طويلة. ومن بين ما يغطيه الإطار تكوين الدين العام ومساره؛ واحتياجات التمويل وسهولة الاقتراض؛ والأصول التي يمكن الاستعانة بها؛ والتزامات الإنفاق المستقبلية؛ وفعالية سياسة المالية العامة؛ وقوة مؤسسات المالية العامة.

وينظر إطارنا أيضا في وجود القواعد المالية التي تستخدمها بعض البلدان لكبح سياسة المالية العامة الاستنسابية. فمن شأنها المساهمة بدور مهم أيضا في تعزيز المصداقية، والنفاذ إلى الأسواق، بل وفي توسيع الحيز المالي في نهاية المطاف. ومن المهم أن يتم تصميم هذه القواعد بشكل جيد ومراجعتها بانتظام لضمان تحقيقها الأهداف المرجوة. والقواعد الجيدة تساعد على بناء الحيز المالي والمحافظة عليه عن طريق تشجيع بناء هوامش الأمان في أوقات اليسر مع السماح باستخدامها على نحو رشيد إذا اقتضت الضرورة.

وعلى وجه العموم، يسمح لنا الإطار بالتوصل إلى تقييم لدرجة الحيز المالي الذي يمتلكه أي بلد في وقت ما، وذلك بناء على أربع مراحل نوضحها في الفيديو أدناه.

من يملك ومن لا يملك

حسب النتائج التي خرجنا بها من تطبيق الإطار في تقارير الصندوق الأخيرة، تأتي أستراليا وألمانيا وهولندا والسويد بين البلدان ذات الحيز المالي الكبير. ويعكس هذا عدة أمور، منها قدرة هذه البلدان على الحصول من الأسواق المالية على تمويل مستقر بأسعار منخفضة، وسلامة مالياتها العامة، وقوة مؤسساتها.

وعلى الطرف النقيض، نجد أن الحيز المالي محدود للغاية في البرازيل وإيطاليا وباكستان، على سبيل المثال. ويعكس هذا الحيز المالي المحدود، بدرجات متفاوتة، ارتفاع المخاطر المتعلقة بالتمويل من الأسواق المالية ومستويات الدين المرتفعة نسبيا، واحتياجات التمويل أو خدمة الدين. واعتمادا على درجة الضغوط، يمكن أن تواجه البلدان ذات الحيز المحدود مخاطر مثل فقدان القدرة على النفاذ إلى الأسواق تهدد استخدامها لسياسة المالية العامة بصورة نشطة.

وبين هذين الطرفين، هناك بلدان تمتلك حيزا ماليا ولكنه غير كبير، ومنها الصين والفلبين وتايلند وروسيا والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة. ويأتي الحيز المالي المتاح لهذه البلدان من كونها لا تواجه مخاطر حادة في الحصول على التمويل أو في إبقاء الدين ضمن حدود يمكن تحملها.

استخدام الحيز المالي

أما البت فيما إذا كان ينبغي استخدام الحيز المالي فهو مسألة مختلفة تماما. ذلك أن امتلاك البلد حيزا ماليا يعادل امتلاك أموال في البنك، يمكن سحبها وقت الحاجة ولكن يتعين ألا تستخدم دون تعقل ودون مراعاة للفرص الأخرى. والحكومة هي المسؤولة عن بناء حيز مالي كافٍ واستخدامه بحكمة، دون الإضرار بسلامة الاقتصاد على المدى الطويل. وفي كثير من الحالات، يمكن أن تكون هناك أسباب وجيهة تماما تبرر للبلد أن يحتفظ بحيزه المالي تحسبا للأزمات أو حتى التوسع فيه.

ولا يتطرق إطارنا لمسألة الاستخدام. فهو قرار يجب أن يقوم على تحليل مستقل للتكلفة والعائد، بما في ذلك مدى وجود احتياج مشروع تكون سياسة المالية العامة هي السبيل الأمثل لتغطيته بدلا من أي إجراءات أخرى، ومدى كفاية الحيز القائم في ضوء المخاطر التي تواجه الاقتصاد.

وتعكس مشورة الصندوق بشأن السياسات هذا التمييز بين امتلاك الحيز المالي واستخدامه. فقد أوصى الصندوق بالضبط المالي ليس فقط لكل البلدان ذات الحيز المالي المحدود، نظرا لغياب أي بديل آخر يحقق التكيف المطلوب، إنما أيضا لعدة بلدان تمتلك بعض الحيز المالي أو كثير منه. ويرجع ذلك بوجه عام إما لأن الاقتصاد كان في مركز قوي نسبيا أو لأنه كان بحاجة لإعادة بناء هوامشه الوقائية بما يتناسب مع المخاطر التي يواجهها.

وفي نفس الوقت، حيثما توافر بعض الحيز المالي وكان المبرر قويا لاستخدامه، أوصى خبراء الصندوق باستخدامه. فعلى سبيل المثال، أوصينا باستخدام الحيز المالي دعما للنمو الأطول أجلا في ألمانيا وهولندا والفلبين وتايلند، لتعويض بعض التكاليف التي قد تنشأ عن مرحلة الإصلاحات الهيكلية القوية المطلوبة في الصين، وللسماح بإبطاء وتيرة التصحيح المالي في بعض البلدان المنتجة للنفط.

وبالنظر إلى المستقبل، يُنتظر أن تكون خارطة الطريق التي وضعناها لكيفية تقييم الحيز المالي عاملا مساعدا لكل البلدان الأعضاء في التعرف على حيز المناورة المتاح لها بصفة منتظمة وأن تعاون كل بلد في اختيار السياسات الصحيحة المناسبة لظروفه.

*****


فيكرام هاسكار يعمل رئيسا لقسم قضايا الاقتصادات المتقدمة والرقابة متعددة الأطراف في إدارة الاستراتيجيات والسياسات والمراجعة، وسبق له العمل رئيسا لبعثة الصندوق إلى البرازيل والمكسيك، حيث قاد الفريق الذي أعد اتفاقية خط الائتمان المرن مع المكسيك بقيمة 70 مليار دولار أمريكي في عام 2009. وقد عمل في وقت سابق أيضا على قضايا الاقتصادات الصاعدة في آسيا وأوروبا الشرقية وتقلد منصب الممثل المقيم للصندوق في الفلبين. والسيد هاسكار حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة كورنيل.

ماريالوز مورينو باديا تعمل نائب رئيس قسم في إدارة شؤون المالية العامة، حيث تضطلع بتنسيق العمل في إعداد تقرير "الراصد المالي". ولديها خبرة عملية في القضايا القُطْرية تغطي مجموعة واسعة من البلدان المتقدمة والصاعدة كالبرازيل واليونان وآيرلندا وإسبانيا. وتتركز اهتماماتها البحثية في مؤسسات المالية العامة واستمرارية القدرة على تحمل الديون والروابط بين المالية العامة والقطاع المالي. والسيدة مورينو باديا تحمل درجة الدكتوراه من جامعة بوسطن.


كاثرين باتيللو تعمل مديرا مساعدا في إدارة شؤون المالية العامة ورئيسا لقسم سياسة المالية العامة والرقابة المسؤول عن إعداد تقرير "الراصد المالي". وتعمل السيدة باتيللو على قضايا الاقتصاد الكلي/المالية العامة. ومنذ انضمامها للصندوق بعد أن كانت تشغل منصبا في جامعة أوكسفورد، عملت في إدارة البحوث وركزت على بلدان إفريقيا والكاريبي، وفي إدارة الاستراتيجيات والسياسات والمراجعة حيث عملت على قضايا البلدان منخفضة الدخل، والقضايا المستجدة كالتي تتعلق بالجنسين، وعدم المساواة، وتغير المناخ. وللسيدة باتللو العديد من المؤلفات المنشورة في هذه المجالات.

مرتضى سيد يعمل نائب رئيس قسم في إدارة الاستراتيجيات والسياسات والمراجعة. وقد انضم إلى الصندوق في عام 2004 وسبق له العمل في إدارة شؤون المالية العامة وإدارة آسيا والمحيط الهادئ. وقبل أن يشغل منصبه الحالي، كان نائبا لممثل الصندوق المقيم في الصين. وقد شارك في برامج الصندوق وأعماله الرقابية المتعلقة بمختلف الأسواق الصاعدة والاقتصادات المتقدمة، بما فيها كولومبيا وقبرص ومنطقة اليورو وكوريا واليابان. وتغطي أعماله التحليلية الروابط الاقتصادية الكلية/المالية، وسياسة المالية العامة والسياسة النقدية، والأزمات المالية، والاستثمار، والقضايا الديمغرافية، وعدم المساواة. وقبل انضمامه إلى الصندوق، كان يعمل في معهد دراسات المالية العامة بلندن ومركز التنمية البشرية في إسلام آباد. والسيد سيد يحمل درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة أوكسفورد.

*بالانجليزية