بعد عِقد من انهيار ليمان براذرز، أصبح النظام المالي أكثر أماناً. ويتعين الآن أن نتجنب الإرهاق من كثرة الإصلاح

3 أكتوبر 2018

شريط أخبار في ميدان تايمز سكوير في نيويورك يومض بأخبار انهيار بنك ليمان براذرز في 15 سبتمبر 2008. وفي العقد الذي أعقب ذلك، قوي القطاع المالي إلى حد كبير، لكن جدول أعمال الإصلاح لم يكتمل تنفيذه بعد (الصورة: Joshua Lott/Reuters/Newscom)

شريط أخبار في ميدان تايمز سكوير في نيويورك يومض بأخبار انهيار بنك ليمان براذرز في 15 سبتمبر 2008. وفي العقد الذي أعقب ذلك، قوي القطاع المالي إلى حد كبير، لكن جدول أعمال الإصلاح لم يكتمل تنفيذه بعد (الصورة: Joshua Lott/Reuters/Newscom)

تمت تقوية القطاع المالي بدرجة كبيرة في العشر سنوات التي أعقبت انهيار بنك ليمان براذرز وما أسفر عنه من اشتعال أزمة اقتصادية هي الأكثر حدة منذ الكساد الكبير. وأدى ذلك إلى تخفيض مخاطر وقوع أزمات أخرى، مع كل ما يصاحبها من مشكلات – البطالة واسعة النطاق، وغلق الرهونات، وحالات الإفلاس. لكن مخاطر جديدة ظهرت، وهي مخاطر الإرهاق من كثرة الإصلاح.

وبينما تتوارى ذكريات الأزمة، يزداد شعور الأطراف المشاركة في الأسواق المالية وصناع السياسات والناخبين بالضجر من الدعوات المطالبة بقواعد تنظيمية جديدة، بل إن بعضهم يطالب بالتراجع عن الموجود منها. وهناك سبب وجيه يدعو لمقاومة هذه الضغوط. فجدول أعمال الإصلاح الذي يهدف إلى منع وقوع أزمة مالية أخرى لم يُنفذ بالكامل بعد، وهناك مخاطر جديدة تواصل الظهور لتشكل خطراً على الاستقرار المالي العالمي. وسيكون التعاون الدولي ضرورياً لاستكمال جدول الأعمال المقرر ومواجهة التحديات الجديدةـ، طبقاً للفصل الثاني في آخر عدد من تقرير الاستقرار المالي العالمي.  

نظام مالي أكثر أماناً

ولا شك أن النظام المالي أكثر أماناً. فالبنوك تتمتع برؤوس أموال وقائية أكبر وأفضل لاستيعاب الخسائر، كما أصبحت أقدر على تحويل الأصول إلى سيولة في فترات الضغوط. وتستخدم البلدان اختبارات تحمل الضغوط للكشف على صحة البنوك الكبرى، كما أنشأت هيئات للإشراف مهمتها مراقبة المخاطر المحيطة بالنظام المالي. ولا يزال المزيد من العمل مطلوباً في هذا الصدد. وعلى وجه التحديد، ينبغي الانتهاء من تنفيذ ما يسمى "نسبة الرفع المالي" التي تقيد قدرة البنوك على التوسع المفرط في فترات الانتعاش، ويجب على الأجهزة الرقابية أن تتجنب إضعاف الإشراف على البنوك الكبرى التي يمكن أن يشكل فشلها خطراً على النظام المالي.   

 

GFSR Arabic

وما المجالات الأخرى التي ينبغي أن تركز السلطات اهتمامها عليها في الفترة المقبلة؟

  • السيولة: قام الكثير من الشركات المالية قبل الأزمة باقتراض أموال لآجال قصيرة من أسواق الجملة لتمويل أصول أطول أجلاً. وحين وقعت الأزمة، عجزت عن تمديد القروض قصيرة الأجل، مما اضطرها إلى بيع الأصول بأسعار بخسة. وعلى أثر ذلك، قامت لجنة بازل للرقابة المصرفية، وهي جهة عالمية مختصة بوضع المعايير، باستحداث ما يطلق عليه اسم "نسبة تغطية السيولة" (LCR) و"نسبة صافي التمويل المستقر" (NSFR). والغرض من ذلك هو تشجيع البنوك على حيازة مزيد من الأصول السائلة على سبيل الوقاية من أي هبوط مفاجئ في التمويل، وتحقيق درجة أفضل من الاتساق بين آجال استحقاق أصولها وخصومها. وقد اعتمد معظم البلدان نسبة تغطية السيولة، لكن نسبة صافي التمويل المستقر لا تزال عملاً قيد الإنجاز.
  • التنظيم الاحترازي الكلي: أنشأت بلدان كالهند والولايات المتحدة هيئات مكلفة بمراقبة المخاطر النظامية واحتوائها. ولكن هذه الهيئات تفتقر في معظم البلدان إلى الصلاحيات والأدوات الكافية لكبح التراكم المفرط للرفع المالي وأوجه عدم الاتساق في الشركات غير المالية والأسر. وينبغي أيضاً تحسين التعاون عبر الحدود في تبادل البيانات والمخاطر النظامية.

GFSR Chart 2

  • صيرفة الظل: حققت البلدان تقدماً في الإشراف على ما يطلق عليه اسم "بنوك الظل"، مثل شركات إدارة الأصول، وتقدماً أقل في إخضاعها للتنظيم الاحترازي. لكن الأمر يتطلب مزيداً من الجهود، كما أن النمو السريع لصيرفة الظل في كثير من البلدان، ومنها الصين والأسواق الصاعدة، يمكن أن يفرض مخاطر على أجزاء أخرى من النظام المصرفي.
  • تسوية أوضاع البنوك المتعثرة: تسببت العمليات المكلفة لإنقاذ البنوك الكبيرة بأموال دافعي الضرائب أثناء الأزمة في إحداث ردة فعل مناهضة على المستوى الشعبي، رغم أنها ساعدت في تحجيم الأضرار على النظام المالي. وبعد الأزمة، اعتمدت البلدان إجراءات تسهل إغلاق البنوك الكبيرة أو تسوية أوضاعها المتعثرة بصورة تفرض تكاليف أكبر على المساهمين وتحد من استخدام الأموال العامة. لكن تقدماً أقل قد تحقق في وضع أنظمة لتسوية أوضاع شركات التأمين المتعثرة، وهناك صعوبة خاصة ينطوي عليها التعاون عبر الحدود لمعالجة فشل أكبر البنوك في العالم.

تلك هي بعض الثغرات المتبقية في جدول الأعمال التنظيمي في فترة ما بعد الأزمة. لكن مخاطر جديدة بدأت تظهر أيضاً، ومنها خطر الهجمات الإلكترونية المزعزعة للاستقرار على الشركات والبورصات المالية. وهناك تحديات تفرضها أيضاً التكنولوجيات المالية الجديدة، رغم أنها تتيح منافع مثل المدفوعات الإلكترونية الأسرع والأقل تكلفة. ويجب على الأجهزة التنظيمية أن تسعى لتشجيع الابتكارات المفيدة مع الوقاية من المخاطر التي يمكن أن تضَخِّم الصدمات على النظام المالي. وهنا أيضاً، سيكون التعاون الدولي ضرورياً، نظراً لسرعة انتشار التكنولوجيات المبتكرة عبر الحدود.  

وفوق ذلك كله، يجب على الأجهزة التنظيمية أن تتجنب التراخي. وليس في الإمكان تقليص احتمالات الأزمة إلى الصفر، ولا ينبغي لنا السعي لذلك. ولكن بعد خبرة 10 سنوات في تنفيذ الإصلاحات الجديدة، حان الوقت لتقييم آثارها على الاقتصاد الأوسع، حتى تستطيع الأجهزة التنظيمية تقدير ما إذا كانت هناك موازنات بين التكاليف والأعباء التي تفرضها القواعد الجديدة من ناحية والمنافع المترتبة على زيادة الأمان من ناحية أخرى. ويجب عليها الانتباه إلى أن المخاطر غالباً ما تنشأ أثناء فترات الازدهار، وأنها تنتقل إلى أركان جديدة غير متوقعة في النظام المالي. ومن ثم يجب ألا تنزلق إلى خوض حرب لا تختلف عن حربها السابقة.

*****

أدولفو باراهاس هو اقتصادي أول في قسم تحليل الاستقرار المالي العالمي التابع لإدارة الأسواق النقدية والرأسمالية بالصندوق، حيث يتولى المسؤولية الأولى عن العمل المعني بالفصول التحليلية في "تقرير الاستقرار المالي العالمي" الذي يصدره الصندوق على أساس نصف سنوي. ومنذ انضمامه إلى الصندوق، عمل السيد باراهاس في معهد تنمية القدرات، حيث قدم دورات عن القضايا الاقتصادية الكلية والمالية؛ وفي إدارتي نصف الكرة الغربي والشرق الأوسط وآسيا الوسطى، حيث شارك في بعثات الصندوق البرامجية والرقابية، بالإضافة إلى مساهمته في الرقابة والتحليل متعددي الأطراف باعتباره مؤلفاً لفصول في تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي لمنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. والسيد باراهاس حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة ستانفورد وله مؤلفات منشورة عن موضوعات مثل التطور المالي والشمول المالي، وآثار تحويلات العاملين على الاقتصاد الكلي، وسياسة سعر الصرف، ومواطن ضعف الميزانيات العمومية في الشركات.

كلاوديو راداتس كيفر يعمل رئيسا لقسم تحليل الاستقرار المالي العالمي في إدارة الأسواق النقدية والرأسمالية. وسبق له العمل مديرا للسياسة المالية (2014-2017) ورئيسا للبحوث الاقتصادية)(2011-2014) في بنك شيلي المركزي، واقتصادياً أول في مجموعة بحوث اقتصاديات التنمية لدى البنك الدولي (2008-2011)، واقتصادياً في نفس المؤسسة. والسيد راداتس له العديد من المؤلفات الأكاديمية المنشورة بشأن القضايا الاقتصادية الكلية/المالية. وهو حاصل على درجتي البكالوريوس والماجستير من جامعة شيلي، والدكتوراه في الاقتصاد من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (2003).

جيمس والش هو نائب رئيس قسم في إدارة الأسواق النقدية والرأسمالية في صندوق النقد الدولي، حيث يركز على القضايا المتعلقة بالسياسة النقدية والاستقرار المالي، وخاصة في آسيا والأمريكتين. وهو أيضاً نائب رئيس البعثة المشتركة من الصندوق والبنك الدولي المعنية بتقييم القطاع المالي في الصين. وقد تولى تكليفات أخرى في الصندوق وأعمال رقابية تتعلق بمجموعة مختلفة من اقتصادات الأسواق الصاعدة في كل مناطق العالم، بما فيها الصين والهند. وشملت تغطية عمله التحليلي الروابط الاقتصادية الكلية/المالية، والتضخم، وتمويل الاستثمار في البنية التحتية، والمخاطر المالية النظامية، كما شارك في تحرير كتاب عن النظم المالية الآسيوية. وسبق للسيد والش العمل في إدارة تصميم السياسات بالصندوق، حيث تولى تقييم رقابة الصندوق على الاقتصادات النامية. وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة شيكاغو وعلى بكالوريوس الاقتصاد من جامعة بنسلفانيا.