آثار طويلة الأمد: التعافي الاقتصادي العالمي بعد 10 سنوات من الأزمة

3 أكتوبر 2018

سيدة تقوم بأعمال النظافة في برلين، ألمانيا: الأزمة المالية العالمية في 2008 لا تزال آثارها طويلة الأمد قائمة على النمو الاقتصادي (الصورة: Caro/Olaf Jandke/Newscom)

سيدة تقوم بأعمال النظافة في برلين، ألمانيا: الأزمة المالية العالمية في 2008 لا تزال آثارها طويلة الأمد قائمة على النمو الاقتصادي (الصورة: Caro/Olaf Jandke/Newscom)

في غضون السنة التي أعقبت الأزمة المالية في 2008، تراجع النشاط الاقتصادي في نصف بلدان العالم بالكامل. وتشير تحليلاتنا الواردة فيالفصل الثاني من عدد أكتوبر من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي* إلى بقاء الناتج في كثير من البلدان حتى الآن دون المستويات التي كانت لتسود فيما لو ظل على اتجاهه العام في فترة ما قبل الأزمة.    

وبالإضافة إلى ذلك، توجد دلائل على أن الأزمة ربما كان لها آثار طويلة الأمد على النمو الممكن من خلال تأثيرها على معدلات الخصوبة والهجرة، إلى جانب عدم المساواة في توزيع الدخل.

ورغم هذه الآثار، فقد كان لبعض السياسات المحددة أثر مؤكد على كيفية أداء فرادى البلدان بعد الأزمة. فالبلدان الأفضل حالا من حيث أوضاع ماليتها العامة، والتي تتمتع بنوكها بمستويات أفضل من التنظيم والرقابة، وتطبق نظم أسعار صرف مرنة كانت أقل تضررا بوجه عام.   

تكلفة الأزمة

استعرضت دراستنا عينة ضمت 180 بلدا – شملت اقتصادات متقدمة وأسواق صاعدة واقتصادات نامية منخفضة الدخل – لقياس درجة التراجع في النشاط الاقتصادي خلال العقد الذي أعقب انهيار بنك ليمان براذرز.    

وبينما شهد العديد من اقتصادات العالم خسائر في الناتج مقارنة بالاتجاهات العامة السائدة قبل الأزمة، فقد تفاوتت تجارب ما بعد الأزمة بين مختلف البلدان. وكانت الاقتصادات المتقدمة والبلدان النامية منخفضة الدخل المصدرة للسلع الأولية أكثر تضررا من سواها.

ويرجع هذا التباين إلى حد ما للفروق في طبيعة الصدمة التي أصابت فرادى البلدان. فقد تعرض بعض البلدان لأزمات مصرفية حادة في سياق الذعر المالي العالمي، بينما تعرضت بلدان أخرى لتردد أصداء ضعف النشاط في الاقتصادات المتقدمة على المستوى العالمي من خلال التجارة والقنوات المالية. 

85% تقريبا من الاقتصادات التي تعرضت لأزمة مصرفية في 2007-2008 لا تزال تعمل بمستويات ناتج دون الاتجاهات العامة السائدة قبل الأزمة. وتقل هذه النسبة (60% تقريبا) في مجموعة البلدان التي لم تتعرض لأزمة مصرفية في نفس الفترة. 

وبالنسبة لبعض البلدان، تمثل خسائر الناتج تصحيحا لمسارات ما قبل الأزمة لم تكن قابلة للاستمرار. لكن النمط السائد بوجه عام، والذي شمل اقتصادات متقدمة وأسواق صاعدة واقتصادات نامية منخفضة الدخل، يشير إلى أن الخسائر تجاوزت حدود مثل تلك التصحيحات. 

عواقب محتملة على المدى الطويل

تشير تحليلاتنا إلى أن الأزمة ربما تكون قد خلّفت ندوبا تتعدى الآثار الموثقة على اتجاهات النمو العامة. فعلى سبيل المثال، استمر التراجع الحاد في معدلات الخصوبة في كثير من الاقتصادات- وهو تطور سيشكل عبئا في المستقبل على حجم القوة العاملة في هذه البلدان. وهناك أثر آخر يتمثل في تراجع صافي معدلات الهجرة (الهجرة الداخلة ناقصا الهجرة الخارجة) بعد الأزمة في الاقتصادات المتقدمة.

وبالإضافة إلى ذلك، يبدو أن مستوى عدم المساواة في توزيع الدخل قد ارتفع، وخاصة في الاقتصادات التي مُنيت بخسائر كبيرة على مستوى الناتج والتوظيف بعد الأزمة. وفي بعض الحالات، أدت زيادة عدم المساواة في توزيع الدخل التي أعقبت الأزمة إلى ترسيخ الاتجاهات العامة التي كانت قائمة بالفعل قبل الأزمة ومن المرجح أنها ساهمت في الشعور بالإحباط إزاء الأحزاب السياسية المؤيدة لنظم الحكم وانتشار التوجهات الحمائية.

سياسات حققت نجاحا

ساهمت سياسات البلدان قبل الأزمة وفي أعقابها مباشرة في صياغة فروق أداء الناتج. وقد أثرت هذه الإجراءات على مدى تعرض البلدان لقوى الاضطراب التي أطلقها الانهيار المالي، وحجم الضرر الذي وقع عليها، وقدرتها على التعافي.

ويمكن تقسيم هذه السياسات إلى ثلاث فئات، هي:

احتواء جوانب الضعف المالي: اكتشفت البلدان ذات النمو الائتماني السريع وعجز الحساب الجاري المفرط في السنوات التي سبقت وقوع الأزمة أن هذين القيدين ازدادا وطأة عندما تم تشديد الأوضاع المالية بعد الأزمة. وبالإضافة إلى ذلك، انخفضت احتمالات وقوع أزمة مصرفية في الفترة من 2007-2008 نتيجة فرض قيود أكثر صرامة على جوانب معينة من أنشطة البنوك في السنوات السابقة للأزمة المالية (مثل القيود على قدرة البنوك على ضمان القروض والتعامل في الأوراق المالية).        

الاحتياطيات الوقائية والأطر: هناك أدلة تشير إلى أن البلدان التي كانت مراكز ماليتها العامة أقوى قبل الأزمة شهدت خسائر أقل على جانب الناتج بعد الأزمة. وتخلُص تحليلاتنا كذلك إلى أن زيادة مرونة سعر الصرف ساعدت في خفض الأضرار التي لحقت بالناتج.

السياسات بعد الأزمة: اتخذت بلدان كثيرة إجراءات غير مسبوقة واستثنائية على مستوى السياسات لدعم اقتصاداتها بعد الانهيار المالي في عام 2008. وكانت هذه الإجراءات – وبالتحديد التدابير شبه المالية العامة لدعم القطاع المالي، بما فيها الضمانات المصرفية وضخ رؤوس الأموال – قد ساعدت على الحد من خسائر الناتج بعد الأزمة.     

الآثار الجانبية

أدت الجهود المبذولة على صعيد السياسات في العقد الماضي إلى رفع مستوى الطلب والحيلولة دون تحقيق نتائج أسوأ تتعمق فيها خسائر الناتج والتوظيف. كذلك ساهمت الإصلاحات التنظيمية المالية في جعل القطاع المصرفي أكثر أمانا.

غير أن بعض هذه السياسات كانت لها آثار جانبية كبيرة. فقد ساهمت الفترة المطولة من الانخفاض الشديد في أسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة في تراكم مواطن الضعف المالية، لا سيما خارج القطاع المصرفي الخاضع للتنظيم. وبالإضافة إلى ذلك، فإن التراكم الكبير في الدين العام وتآكل هوامش الأمان في المالية العامة في كثير من الاقتصادات يشيران إلى الحاجة الملحة لإعادة بناء هذه الدفاعات للتأهب لمواجهة الهبوط الاقتصادي القادم.

وتعتمد قدرة الاقتصادات على التحرك لمواجهة الأزمة القادمة بشكل أساسي على معالجة هذه الآثار الجانبية للجهود الاستثنائية المبذولة على مستوى السياسات في الأعوام العشرة الماضية.

 

*****

وينجي شن تعمل اقتصادية في الإدارة الإفريقية بصندوق النقد الدولي، حيث تساهم في إعداد تقرير "آفاق الاقتصاد الإقليمي". وقبل انضمامها إلى الصندوق، كانت أستاذا مساعدا في جامعة جورج واشنطن حيث قامت بتدريس التمويل الدولي والاقتصاد الكلي. وتدور اهتماماتها البحثية حول الاستثمار الأجنبي المباشر، والشؤون الصينية-الإفريقية، وسلاسل القيمة العالمية، وأساليب الاقتصاد القياسي التطبيقية. وهي حاصلة على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة ميشيغان.

ميتشو مركايتش يعمل اقتصاديا أول في إدارة البحوث بصندوق النقد الدولي، وعمل قبلها في الإدارة الأوروبية وإدارة نصف الكرة الغربي وإدارة الإحصاءات. وتركز أبحاثه الحالية على الآثار الاقتصادية لتغير المناخ، وتقدير إجمالي الناتج المحلي المحتمل أثناء الدورات المالية، وإنتاجية المشروعات الصغيرة والمتوسطة. والسيد مركايتش حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد والماجستير في الفيزياء من جامعة كارنيغي ميلون.

مالهار نابر يعمل نائبا لرئيس قسم دراسات الاقتصاد العالمي بإدارة البحوث في صندوق النقد الدولي، وسبق له العمل في إدارة آسيا والمحيط الهادئ، حيث كان يغطي الصين واليابان، كما كان رئيسا لبعثة الصندوق المعنية بمنطقة هونغ كونغ الصينية الإدارية الخاصة. وتشمل اهتماماته البحثية التطور المالي والاستثمار ونمو الإنتاجية. والسيد نابر حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة براون.