التوسع العالمي يتراجع في سياق من المخاطر المتنامية

20 يناير 2019

(الصورة: Caro Schulz/Newscom)

(الصورة: Caro Schulz/Newscom)

رغم بقاء النمو العالمي في 2018 قريباً من مستوياته المرتفعة التي أعقبت الأزمة، فقد بدأ الاقتصاد العالمي يميل إلى الضعف وبمعدل أسرع إلى حد ما مقارنة بالتوقعات السابقة. ويتوقع هذا العدد من مستجدات آفاق الاقتصاد العالمي أن يبلغ النمو العالمي 3.5% في 2019 و3.6% في 2020، بانخفاض قدره 0.2 و0.1 نقطة مئوية عن توقعات أكتوبر الماضي.

وقد أدخلنا على التوقعات تعديلات خافضة محدودة؛ لكننا نرى احتمالات متزايدة تنبئ بإمكانية إجراء تصحيحات خافضة كبيرة فيما بعد. فبينما كانت الأسواق المالية في الاقتصادات المتقدمة تبدو منفصلة عن تأثير التوترات التجارية في معظم عام 2018، نلاحظ التداخل فيما بينهما مؤخراً، مما يسبب ضيقاً في الأوضاع المالية وتصاعداً في المخاطر التي تواجه النمو العالمي.  

وقد أجرينا تخفيضاً طفيفاً في التنبؤات الموضوعة للاقتصادات المتقدمة، وهو ما يرجع في الأساس إلى تخفيض التوقعات لمنطقة اليورو. وداخل منطقة اليورو، كانت التعديلات الكبيرة هي المتعلقة بألمانيا، حيث سيتأثر النمو في عام 2019 بمصاعب الإنتاج في قطاع السيارات وانخفاض الطلب الخارجي، وإيطاليا حيث ينجد أن المخاطر السيادية والمالية – والروابط فيما بينها – تولِّد تأثيرات معاكسة إضافية على النمو.

ولا يزال التوسع الاقتصادي مستمراً في الولايات المتحدة، لكن التنبؤات لا تزال تشير إلى تباطؤ وتيرته مع انتهاء مرحلة التحفيز المالي. وعبر الاقتصادات المتقدمة، نتنبأ بتباطؤ النمو من 2.3% في 2018 إلى 2% في 2019 و1.7% في 2020. ولم يؤد هذا التراجع في زخم النمو إلا إلى ارتفاع طفيف في معدل التضخم. فبينما يظل التضخم الأساسي قريباً من المستهدف في الولايات المتحدة حيث يتجاوز النمو مستواه الاتجاهي، فإنه يظل أقل بكثير من المستهدف في منطقة اليورو واليابان.  

ومن المتوقع أيضاً أن ينخفض النشاط الاقتصادي إلى 4.5% في الاقتصادات الصاعدة والنامية في 2019، ثم يتعافى إلى 4.9% في 2020. وقد تم تخفيض التوقعات لعام 2019 (0.2 نقطة مئوية) عما كانت عليه في أكتوبر الماضي، وهو ما يرجع في الأساس إلى توقع حدوث انكماش كبير في تركيا، في سياق من تشديد السياسات والتكيف مع أوضاع التمويل الخارجي التي أصبحت أكثر ضيقاً. وهناك تخفيض كبير أيضاً في توقعات النمو للمكسيك في الفترة 2019-2020، تأثراً بانخفاض الاستثمار الخاص. ويرجع التعافي المتوقع في 2020 إلى توقع تعافي الأرجنتين وتركيا. وتعبر الآفاق المتوقعة للأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية عن استمرار التأثيرات المعاكسة الناجمة عن هبوط التدفقات الرأسمالية عقب ارتفاع أسعار الفائدة الأساسية الأمريكية وانخفاض قيم العملات، وإن أصبحت أقل حدة. وفي الاقتصادات الصاعدة، انحسر جزء من الارتفاع في معدلات التضخم قرب نهاية عام 2018.  

وعلى وجه العموم، ربما تكون العوامل الدورية التي دفعت النمو العالمي واسع النطاق منذ النصف الثاني من 2017 قد بدأت تضعف بسرعة أكبر إلى حد مما كان متوقعاً في أكتوبر الماضي. فقد تباطأت التجارة والاستثمار، كما تباطأ الإنتاج الصناعي خارج الولايات المتحدة، وضعفت مؤشرات مديري المشتريات منذرة بتراجع الزخم. وبينما لا يعني هذا أننا بدأنا مرحلة من الهبوط الاقتصادي الكبير، فمن المهم أن نجري حصراً للمخاطر الكثيرة الآخذة في الارتفاع.  

ويمثل تصاعُد التوترات التجارية وتفاقم الأوضاع المالية مصدرين أساسيين للخطر على الآفاق المتوقعة. فمن شأن زيادة عدم اليقين المحيط بأوضاع التجارة أن يزيد من ضعف الاستثمار ويُربك سلاسل العرض العالمية. وسيكون حدوث تضييق أشد في الأوضاع المالية أمراً باهظ التكلفة بالنظر إلى ما تشهده البلدان من مستويات دين مرتفعة في القطاعين العام والخاص.  

ويمكن أن يتباطأ النمو في الصين بسرعة أكبر من المتوقع، وخاصة إذا استمرت التوترات التجارية، مما يمكن أن يُطلق موجات بيعية مفاجئة في الأسواق المالية وأسواق السلع الأولية مثلما حدث في 2015-2016. وفي أوروبا، لا تزال الأحداث تتكشف في سياق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، كما يستمر خطر التداعيات المكلفة بين المخاطر السيادية والمالية في إيطاليا. وفي الولايات المتحدة، يشكل امتداد فترة إغلاق الحكومة الفيدرالية الأمريكية مصدراً لمخاطر التطورات السلبية. 

أولويات السياسات

وعلى هذه الخلفية، ينبغي أن يتخذ صناع السياسات إجراءات آنية لصد التيارات المعاكسة التي تهدد النمو والاستعداد لنوبة الهبوط الاقتصادي القادمة.  

وأهم أولوية للسياسات هي أن تبادر البلدان بالتوصل إلى حل تعاوني سريع للخلافات التجارية الراهنة وما تسببه من عدم يقين بشأن السياسات، بدلاً من زيادة الحواجز الضارة وزعزعة استقرار الاقتصاد العالمي المتباطئ بالفعل. وفي هذا السياق، يجب تلبية الدعوة التي أطلقها قادة مجموعة العشرين في بوينس آيرس لإصلاح منظمة التجارة العالمية. وحيثما كان الحيز المالي ضيقاً، ينبغي أن تتكيف سياسة المالية العامة بصورة مواتية للنمو حتى تكفل مساراً مستداماً للدين العام، مع حماية الفئات الأضعف في المجتمع. وينبغي أن تستمر السياسة النقدية في الاقتصادات المتقدمة على مسار العودة الحذرة إلى أوضاعها العادية، علماً بأن البنوك المركزية الرئيسية على دراية كاملة بتباطؤ الزخم – ونحن نتوقع أن تضبط خطواتها القادمة بما يتفق مع هذه التطورات. وينبغي استخدام أدوات السلامة الاحترازية الكلية حيثما كان هناك تراكم في مواطن الضعف المالي. وفي كل الاقتصادات، من الضروري اتخاذ إجراءات لإعطاء دفعة للنمو الممكن وجعله أكثر شمولاً للجميع.  

وأخيراً، فنظراً لأن حيز المناورة من خلال السياسات بات أضيق مما كان عليه في 2008، فسوف يكتسب التعاون متعدد الأطراف أهمية أكبر إذا حدث انخفاض أشد في النمو العالمي، ومن الضروري أن تتوافر للمؤسسات متعددة الأطراف مثل صندوق النقد الدولي موارد كافية للتعامل مع المخاطر المتزايدة.   

آخر توقعات آفاق الاقتصاد العالمي
التوسع العالمي يتراجع
(التغير %)

 

تقديرات 

 

توقعات

 

2018

 

2019

2020

الناتج العالمي

3.7

3.5

3.6

الاقتصادات المتقدمة

2.3

2.0

1.7

الولايات المتحدة

2.9

2.5

1.8

منطقة اليورو

1.8

1.6

1.7

ألمانيا

1.5

1.3

1.6

فرنسا

1.5

1.5

1.6

إيطاليا

1.0

0.6

0.9

إسبانيا

2.5

2.2

1.9

اليابان

0.9

1.1

0.5

المملكة المتحدة

1.4

1.5

1.6

كندا

2.1

1.9

1.9

اقتصادات متقدمة أخرى

2.8

2.5

2.5

اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية

4.6

4.5

4.9

كومنولث الدول المستقلة

2.4

2.2

2.3

روسيا

1.7

1.6

1.7

ما عدا روسيا

3.9

3.7

3.7

آسيا الصاعدة والنامية

6.5

6.3

6.4

الصين

6.6

6.2

6.2

الهند

7.3

7.5

7.7

مجموعة آسيان-5

5.2

5.1

5.2

أوروبا الصاعدة والنامية

3.8

0.7

2.4

أمريكا اللاتينية والكاريبي

1.1

2.0

2.5

البرازيل

1.3

2.5

2.2

المكسيك

2.1

2.1

2.2

الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان

2.4

2.4

3.0

المملكة العربية السعودية

2.3

1.8

2.1

إفريقيا جنوب الصحراء

2.9

3.5

3.6

نيجيريا

1.9

2.0

2.2

جنوب إفريقيا

0.8

1.4

1.7

البلدان النامية منخفضة الدخل

4.6

5.1

5.1

المصدر: صندوق النقد الدولي، عدد يناير 2019 من تقرير مستجدات آفاق الاقتصاد العالمي.

 *****************

غيتا غوبيناث

المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث

غيتا غوبيناث تشغل منصب المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث بصندوق النقد الدولي. وهي في إجازة للخدمة العامة من إدارة الاقتصاد في جامعة هارفارد حيث تشغل كرسي أستاذية "جون زوانسترا" في الدراسات الدولية والاقتصاد.  

وللسيدة غوبيناث أبحاث تركز على التمويل الدولي والاقتصاد الكلي نُشرت في كثير من الدوريات الاقتصادية البارزة، والعديد من المقالات البحثية عن أسعار الصرف، والتجارة والاستثمار، والأزمات المالية الدولية، والسياسة النقدية، والدين، وأزمات الأسواق الصاعدة.

والسيدة غوبيناث هي المحرر المشارك للطبعة الحالية من “دليل الاقتصاد الدولي” (Handbook of International Economics) وكانت من قبل المحرر المشارك لدورية “American Economic Review” ومدير تحرير دورية “Review of Economic Studies”. وقد سبق لها العمل مديراً مشاركاً لبرنامج التمويل الدولي والاقتصاد الكلي في المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية (NBER)، وباحثاً زائراً لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في بوسطن، وعضواً في الفريق الاستشاري الاقتصادي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وفي الفترة 2016-2018، تولت منصب المستشار الاقتصادي للوزير الأول بولاية كيرالا الهندية. كذلك كانت عضواً في "مجموعة الشخصيات البارزة الاستشارية" المعنية بشؤون مجموعة العشرين لدى وزارة المالية الهندية.  

والسيدة غوبيناث زميل منتخب لأكاديمية الآداب والعلوم الأمريكية وجمعية الاقتصاد القياسي، وحاصلة على "جائزة الخريج المتميز" من جامعة واشنطن. وفي عام 2014، سماها صندوق النقد الدولي ضمن أفضل 25 اقتصادياً تحت سن الخامسة والأربعين، كما اختارها المنتدى الاقتصادي العالمي في 2011 باعتبارها "قائدة عالمية شابة" (YGL). وقبل الانضمام إلى هيئة التدريس بجامعة هارفارد في 2005، كانت أستاذاً مساعداً للاقتصاد في كلية بوث لإدارة الأعمال التابعة لجامعة شيكاغو.  

ولدت السيدة غوبيناث في الهند عام 1971، وهي تحمل الجنسية الأمريكية وشهادة مواطنة خارجية تُمنحها الهند لأصحاب الأصول الهندية. وهي حاصلة على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة برينستون عام 2001 بعد حصولها على درجة البكالوريوس من جامعة دلهي والماجستير من كل من كلية دلهي للاقتصاد وجامعة واشنطن.