معالجة الفساد في الحكومة

4 أبريل 2019

 (الصورة: J.B Nicholas/Splash News)

(الصورة: J.B Nicholas/Splash News)

ما من بلد محصن من الفساد. وتؤدي إساءة استخدام الوظيفة العامة بغرض تحقيق كسب خاص إلى تقويض ثقة الشعوب في حكوماتها ومؤسساتها، وإضعاف فعالية السياسات العامة والانتقاص من عدالتها، وتحويل أموال دافعي الضرائب بعيدا عن الإنفاق على المدارس والطرق والمستشفيات.   

وفي حين أن الأموال المهدرة مهمة، فإن التكلفة أكبر من ذلك بكثير. فالفساد يُحْدِث تآكلا في قدرة الحكومة على مساعدة الاقتصاد على النمو بصورة تعود بالنفع على كل المواطنين.

لكن الإرادة السياسية لبناء مؤسسات قوية وشفافة يمكن أن تحوِّل مجريات الأمور ضد الفساد. وفي العدد الجديد من تقريرنا الراصد المالي*، نسلط الضوء على مؤسسات وسياسات المالية العامة، مثل الإدارة الضريبية أو ممارسات المشتريات العامة، ونوضح كيف يمكن أن تعمل على مكافحة الفساد.

الفساد يساعد على التهرب الضريبي

ونحلل في التقرير حالات أكثر من 180 بلدا ونخلص إلى أن البلدان كلما زاد فيها الفساد، قَل تحصيلها للضرائب، حيث يدفع الناس الرشاوى لتجنبها بشتى السبل، ومنها استغلال الثغرات الضريبية المصممة للاستفادة من العمولات غير المشروعة. وعلاوة على ذلك، فحين يقتنع دافعو الضرائب بأن حكوماتهم فاسدة، تزداد احتمالات تهربهم من سدادها.

ونوضح في التقرير بشكل عام أن أقل الحكومات فسادا تحصِّل إيرادات ضريبية تزيد بنسبة 4% من إجمالي الناتج المحلي على ما تحصله البلدان المناظرة في مستوى التنمية الاقتصادية التي بلغت أعلى مستويات الفساد.

بل إن بضعة بلدان حققت إيرادات أعلى من خلال الإصلاحات. ففي جورجيا، على سبيل المثال، تم تخفيض الفساد إلى حد كبير فزادت الإيرادات الضريبية بأكثر من الضِعف، أي بنسبة 13 نقطة مئوية من إجمالي الناتج المحلي بين عامي 2003 و 2008. وفي رواندا، أثمرت الإصلاحات الرامية إلى مكافحة الفساد منذ منتصف التسعينات ورفعت الإيرادات الضريبية بنسبة 6 نقاط مئوية من إجمالي الناتج المحلي.

fm-ch2-blog-chart1

ويتسبب الفساد أيضا في الحيلولة دون استفادة المواطنين بشكل كامل من الثروة التي تدرها الموارد الطبيعية في بلدانهم. فالتنقيب عن النفط أو المعادن يولد أرباحا هائلة، ومن ثم يخلق حوافز قوية للفساد. ويوضح بحثنا أن متوسط البلدان الغنية بالموارد لديها مؤسسات ضعيفة ومستوى أعلى من الفساد.

الفساد يهدر أموال دافعي الضرائب 

ويشير تقرير الراصد المالي إلى أن البلدان التي تقل فيها مستويات الفساد المُتَصَوَّر تتسم بمستويات هدر أقل بكثير أيضا في مشروعات الاستثمار العام. وتشير تقديراتنا إلى أن أكثر اقتصادات الأسواق الصاعدة فسادا تهدر أموالا تعادل ضِعف ما تهدره أقل البلدان فسادا.

وتهدر الحكومات أموال دافعي الضرائب حين تنفقها على تجاوزات في التكاليف بسبب العمولات غير المشروعة أو التلاعب بالعطاءات في المشتريات العامة. ومن ثم، فحين يكون البلد أقل فسادا، يقوم باستثمار الأموال على نحو أكثر كفاءة وإنصافا.

ويؤدي الفساد أيضا إلى تشويه أولويات الحكومة. ففي البلدان منخفضة الدخل، على سبيل المثال، تقل النسبة المخصصة للتعليم والصحة في الموازنة العامة بمقدار الثلث في البلدان الأكثر فسادا. كذلك يؤثر الفساد على فعالية الإنفاق الاجتماعي. ففي البلدان الأكثر فسادا، يحصل طلاب المدارس على درجات أقل في الاختبارات المدرسية.

fm-ch2-blog-chart2 

ويشكل الفساد مشكلة أيضا في المؤسسات المملوكة للدولة، مثل شركات النفط في بعض البلدان، والمرافق العامة كشركات الكهرباء والمياه. ويشير تحليلنا إلى أن هذه المؤسسات أقل كفاءة في البلدان التي ترتفع فيها مستويات الفساد.

حيثما وُجدت الإرادة السياسية، وُجد المخرج

وتتطلب مكافحة الفساد إرادة سياسية لخلق مؤسسات مالية قوية تشجع النزاهة والمساءلة في كل أجزاء القطاع العام.

وبناء على البحث الوارد في التقرير، هذه بعض الدروس التي تساعد البلدان على بناء مؤسسات فعالة تقلص مواطن التعرض للفساد:

الاستثمار في رفع مستويات الشفافية والفحص الخارجي المستقل: يسمح هذا بتحقيق إشراف فعال من أجهزة التدقيق والجمهور العام. فعلى سبيل المثال، تستخدم كل من كولومبيا وكوستاريكا وباراغواي منصة إلكترونية تسمح للمواطنين بمراقبة التقدم المادي والمالي للمشروعات الاستثمارية. وفي النرويج، وُضِع معيار عالٍ للشفافية في إدارة الموارد الطبيعية. ويشير تحليلنا أيضا إلى أن الصحافة الحرة تعزز المنافع المحققة من شفافية المالية العامة. ففي البرازيل، أثرت نتائج عمليات التدقيق على احتمالات إعادة انتخاب المسؤولين المشكوك في سوء استخدامهم للأموال العامة، لكن التأثير كان أكبر في المناطق التي تتوافر فيها محطات إذاعية محلية.

إصلاح المؤسسات: تزداد فرص النجاح حين تصمم البلدان إصلاحات لمعالجة الفساد من جميع الزوايا. فعلى سبيل المثال، تؤتي إصلاحات الإدارة الضريبية ثمارا أكبر إذا كانت القوانين الضريبية أبسط، وكانت تضيِّق مساحة التقدير الاستنسابي المتاحة للموظفين. ولمساعدة البلدان في هذا الخصوص، قام الصندوق ببناء أدوات تشخيصية شاملة تقيس جودة المؤسسات المالية، بما في ذلك إدارة الاستثمار العام*، وإدارة الإيرادات، وشفافية المالية العامة*.

بناء خدمة مدنية مهنية: تقل فرص الفساد في وجود ممارسات شفافة وقائمة على الجدارة للتعيينات والأجور. فيجب أن يعمل رؤساء الهيئات والوزارات والمؤسسات العامة على تشجيع السلوك الأخلاقي بتقديم قدوة واضحة على قمة الهرم الوظيفي.

مواكبة التحديات الجديدة مع تطور التكنولوجيا وفرص التجاوز: يتعين التركيز على المجالات عالية المخاطر – مثل المشتريات وإدارة الإيرادات وإدارة الموارد الطبيعية – بالإضافة إلى الضوابط الداخلية الفعالة. ففي شيلي وكوريا، على سبيل المثال، كانت نظم الشراء الإلكتروني أدوات قوية للحد من الفساد عن طريق تعزيز الشفافية وتحسين المنافسة.

زيادة التعاون لمكافحة الفساد: من الممكن أيضا أن تبذل البلدان جهودا متضافرة تجعل من الأصعب على الفساد أن يعبر حدودها الوطنية. فعلى سبيل المثال، قام أكثر من 40 بلدا حتى الآن بتجريم الرشاوى التي تدفعها الشركات لكسب صفقات تجارية في الخارج بمقتضى اتفاقية "منظمة التعاون والتنمية للميدان الاقتصادي" المعنية بمكافحة الفساد*. وتستطيع البلدان الانخراط بقوة أيضا في أنشطة مكافحة غسل الأموال والحد من فرص الفساد العابرة للحدود الوطنية التي تتيح إخفاء حصيلة الفساد في مراكز مالية غير شفافة.

إن كبح الفساد تحدٍ يتطلب المثابرة على عدة أصعدة، لكنه يحقق كسبا وفيرا في نهاية المطاف. وهو يبدأ بالإرادة السياسية، ومواصلة تقوية المؤسسات لتعزيز النزاهة والمساءلة، والتعاون الدولي.

* بالانجليزية

*****

فيتور غاسبار من البرتغال ويعمل مديرا لإدارة شؤون المالية العامة بصندوق النقد الدولي. وقبل انضمامه إلى الصندوق، تقلد العديد من المناصب الرفيعة المتعلقة بالسياسات الاقتصادية في البنك المركزي البرتغالي، بما في ذلك منصبه الأخير كمستشار خاص. وسبق للسيد غاسبار أن شغل منصب وزير دولة ووزيرا للشؤون المالية في البرتغال في الفترة 2011-2013، وكان رئيسا لمكتب مستشاري السياسات الأوروبية التابع للمفوضية الأوروبية في الفترة 2007-2010 ومديرا عاما للبحوث في البنك المركزي الأوروبي من 1998 إلى 2004. والسيد غاسبار حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد بالإضافة إلى دبلوما لاحقة للدكتوراه من جامعةUniversidade Nova de Lisboa ؛ كما دَرَس في جامعة Universidade Católica Portuguesa البرتغالية أيضاً.

باولو ماورو يعمل مديرا مساعدا في إدارة شؤون المالية العامة بالصندوق. وقد شغل من قبل عدة مناصب إدارية عليا في الإدارة الإفريقية وإدارة شؤون المالية العامة وإدارة البحوث بالصندوق، كما سبق له العمل كزميل أول في معهد بيترسن للاقتصاد الدولي وأستاذ زائر بكلية كاري لإدارة الأعمال بجامعة جونز هوبكنز خلال الفترة من 2014-2016. وقد نُشرت له عدة مقالات في الدوريات الأكاديمية ومنها "المجلة الفصلية للاقتصاد " (Quarterly Journal of Economics)، و"مجلة الاقتصاد النقدي" (“Journal of Monetary Economics”)، و"مجلة الاقتصاد العام" (“Journal of Public Economics”)، كما تم الاستشهاد به على نطاق واسع في الدوائر الأكاديمية ووسائل الإعلام الرائدة. وقد شارك في تأليف ثلاثة كتب تشمل “World on the Move: Consumption Patterns in a More Equal Global Economy”، و“Emerging Markets and Financial Globalization”، و “Chipping Away at Public Debt”.

باولو ميداس هو نائب رئيس قسم في إدارة شؤون المالية العامة بالصندوق. وقد تقلد من قبل مناصب متعددة بالصندوق في كل من الإدارة الأوروبية ودارة نصف الكرة الغربي. وكان ممثلا مقيما للصندوق في البرازيل في الفترة 2008-2011، كما قاد بعثات لبناء القدرات في عدة بلدان. وتتضمن مجالات أبحاثه الحوكمة والفساد، وأزمات المالية العامة، وإدارة الموارد الطبيعية. وشارك السيد ميداس في تأليف الكتاب الذي صدر مؤخرا بعنوان "البرازيل: رواج وركود وطريق إلى التعافي.