سياسات المالية العامة الكابحة لتغير المناخ

10 أكتوبر 2019

(الصورة:Jeff Malet/Newscom)

(الصورة:Jeff Malet/Newscom)

أصبح الاحترار العالمي تهديدا واضحا وآنيا. ولا تزال الإجراءات والتعهدات دون المستوى اللازم لمواجهته. وكلما انتظرنا، تعاظمت الخسائر في الأرواح والضرر الواقع على الاقتصاد العالمي. ويجب على وزراء المالية القيام بدور محوري في قيادة وتنفيذ سياسات للمالية العامة من شأنها كبح تغير المناخ. ولإنجاز هذه المهمة، ينبغي لهم تغيير شكل النظام الضريبي وسياسات المالية العامة لكبح انبعاثات الكربون الناتجة عن الفحم وغيره من أنواع الوقود الأحفوري الملوِّثة للبيئة.

ويساعد الراصد المالي صناع السياسات على اختيار الإجراءات الممكنة في هذا الصدد وتحديد كيفية تنفيذها بصفة فورية على المستويين العالمي والمحلي.

فمن الممكن تحقيق مستقبل أفضل. ولكن هذا يتطلب من الحكومات زيادة سعر انبعاثات الكربون لتحفيز الأفراد والشركات على تخفيض استهلاك الطاقة والتحول إلى مصادر الطاقة النظيفة. وضرائب الكربون هي أقوى الأدوات وأكثرها كفاءة، ولكن شريطة أن يتم تطبيقها بصورة عادلة ومواتية للنمو. 

ولكي يصبح تطبيق ضرائب الكربون أمرا ممكنا من الناحية السياسية وكفؤا من المنظور الاقتصادي، ينبغي للحكومات اختيار كيفية استخدام الإيرادات الجديدة. وتتضمن الخيارات المتاحة تخفيض أنواع الضرائب الأخرى، أو دعم الأسر والمجتمعات المعرضة للتأثر، أو زيادة الاستثمار في الطاقة النظيفة، أو مجرد إعادة الأموال إلى الناس كأرباح موزعة.

الثمن المقابل

لتقييد الاحترار العالمي في حدود درجتين مئويتين أو أقل – وهو المستوى الذي يعتبر آمنا وفقا للدراسات العلمية – ينبغي اتخاذ إجراءات طموحة في البلدان الأكثر إنتاجا للانبعاثات. فعلى سبيل المثال، ينبغي أن تطبق هذه البلدان ضريبة على الكربون ترتفع سريعا إلى 75 دولارا للطن في عام 2030.

ويعني هذا حدوث ارتفاع تراكمي بمتوسط 45% في فواتير الكهرباء التي تدفعها الأسر على مدار العقد القادم – وتزداد هذه النسبة في البلدان التي لا تزال تعتمد كثيرا على الفحم في توليد الكهرباء، وتقل في غيرها من البلدان. وبهذا تزداد تكلفة البنزين بنسبة 14% في المتوسط.

لكن الإيرادات التي تدرها الضريبة، والتي تتراوح بين 0,5 و4,5% من إجمالي الناتج المحلي (حسب البلد)، يمكن استخدامها في تخفيض ضرائب أخرى تُضعِف حوافز العمل والاستثمار، كالضرائب على الدخل أو الأجور والرواتب.

ويمكن للحكومات أيضا أن تستخدم الأموال في دعم العمالة والمجتمعات الأكثر تضررا، في مجالات التنقيب عن الفحم على سبيل المثال، أو دفع ربح متساوٍ لكل السكان. وبدلا من ذلك، يمكن للحكومات تعويض أفقر 40% من الأسر فقط – وهو منهج يتيح ثلاثة أرباع الإيرادات للقيام باستثمارات إضافية في الطاقة الخضراء أو الابتكار أو تمويل أهداف التنمية المستدامة*.

وستساعد أموال دافعي الضرائب أيضا في إنقاذ أكثر من 700 ألف نسمة سنويا في الاقتصادات المتقدمة والصاعدة يلقون حتفهم حاليا بسبب تلوث الهواء في بيئتهم المحلية. وستساعد الأموال في احتواء الاحترار العالمي في المستقبل، كما اتفق المجتمع الدولي.

مهمة ممكنة

يطبَّق أحد أشكال نظم تسعير الكربون في حوالي 50 بلدا. ولكن متوسط سعر الكربون العالمي يبلغ الآن دولارين للطن فقط، وهو أقل بكثير مما تحتاجه كرتنا الأرضية. والتحدي القائم هو أن يعتمد مزيد من البلدان نظاما لتسعير الكربون وأن تقوم كل البلدان برفع سعره.

وتعتبر السويد نموذجا يحتذى في هذا الخصوص. فضريبة الكربون التي تطبقها تبلغ 127 دولارا لكل طن، كما أنها تمكنت من تخفيض الانبعاثات بنسبة 25% منذ عام 1995، بينما تَوَسَّع الاقتصاد بنسبة 75% منذ ذلك الحين.

وإذا اتخذت البلدان إجراءات فردية، فقد تتردد في التعهد بفرض رسوم أعلى على الكربون، لاستشعارها القلق، مثلاً، من أثر ارتفاع تكلفة الطاقة على تنافسية صناعاتها.

ويمكن للحكومات معالجة هذه المشكلات بالاتفاق على حد أدنى لسعر الكربون للبلدان ذات المستويات العالية من الانبعاثات. ويمكن تحقيق ذلك بصورة منصفة مع فرض حد أدنى سعري أكثر تشددا في الاقتصادات المتقدمة.

فعلى سبيل المثال، إذا فُرِض حد أدنى لسعر الكربون قدره 50 دولارا و25 دولارا للطن في عام 2030 لبلدان مجموعة العشرين المتقدمة والنامية، على الترتيب، يمكن خفض الانبعاثات بأكثر من 100% مقارنة بمستوى التعهدات الحالية للبلدان في إطار اتفاق باريس المعني بتغير المناخ لعام 2015. ويمكن للبلدان التي ترغب في استخدام سياسات مختلفة، على غرار القواعد التنظيمية لتخفيض معدلات الانبعاثات أو الحد من استهلاك الفحم، أن تنضم لاتفاق الحد الأدنى السعري إذا قامت بحساب سعر الكربون المعادل في سياساتها.

المسؤولون عن التلوث يدفعون

نظام الرسوم والتخفيضات (feebates) هو خيار آخر متاح لصناع السياسات. وكما هو ظاهر من الاسم، تقوم الحكومات وفقا لهذا النظام بفرص رسم على المتسببين في التلوث ومنح تخفيض لمن يتبعون ممارسات مواتية للبيئة وكفؤة في استهلاك الطاقة. وتشجع نظم الرسوم والتخفيضات الناس على تخفيض الانبعاثات باختيار مركبات هجينة بدلا من المركبات عالية الاستهلاك للوقود أو استخدام أنواع الطاقة المتجددة مثل الطاقة الشمسية أو طاقة الرياح بدلا من الفحم.

وينبغي أن تذهب السياسات إلى أبعد من مجرد رفع سعر الانبعاثات الناتجة عن توليد الكهرباء أو النقل المحلي. ومن الضروري أيضا تطبيق نظم لتسعير أنواع أخرى من غازات الدفيئة، كالتي تنشأ عن أنشطة الحراجة والزراعة والصناعات الاستخراجية وإنتاج الإسمنت والنقل الدولي.

وتحتاج الحكومات إلى اعتماد إجراءات لدعم الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة. ويشمل هذا تحديث شبكة الكهرباء لتتلاءم مع الطاقة المتجددة، والقيام بأعمال البحوث والتطوير، وإيجاد حوافز للتغلب على الحواجز أمام التكنولوجيات الجديدة، كالوقت الذي تحتاجه الشركات لإنتاج الطاقة النظيفة بكفاءة. 

ويبحث العالم الآن عن سبل لتعزيز الاستثمار والنمو المؤديين إلى خلق وظائف جديدة. ولا توجد وسيلة للقيام بذلك أفضل من الاستثمار في الطاقة النظيفة لإبطاء وتيرة تغير المناخ والتكيف* مع آثاره. وقد يبدو التحول إلى الطاقة النظيفة مهمة صعبة، ولكن صناع السياسات يمكنهم العمل على إحداث تَحَوُّل في المسار الحالي لتغير المناخ. وكما قال نيلسون مانديلا ذات مرة: "دائما ما يبدو الأمر مستحيلا إلى أن يتم."

Climate Change

* بالانجليزية

******

فيتور غاسبار من مواطني البرتغال ويعمل مديرا لإدارة شؤون المالية العامة بصندوق النقد الدولي. وقبل انضمامه إلى الصندوق، تقلد العديد من المناصب الرفيعة المتعلقة بالسياسات الاقتصادية في البنك المركزي البرتغالي، بما في ذلك منصبه الأخير كمستشار خاص. وسبق للسيد غاسبار أن شغل منصب وزير دولة ووزيرا للشؤون المالية في البرتغال في الفترة 2011-2013، وكان رئيسا لمكتب مستشاري السياسات الأوروبية التابع للمفوضية الأوروبية في الفترة 2007-2010 ومديرا عاما للبحوث في البنك المركزي الأوروبي من 1998 إلى 2004. والسيد غاسبار حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد بالإضافة إلى دبلوما لاحقة للدكتوراه من جامعةUniversidade Nova de Lisboa ؛ كما دَرَس في جامعة Universidade Católica Portuguesa البرتغالية أيضاً.

باولو ماورو يعمل نائبا لمدير إدارة شؤون المالية العامة بالصندوق. وقد شغل من قبل عدة مناصب إدارية عليا في الإدارة الإفريقية وإدارة شؤون المالية العامة وإدارة البحوث بالصندوق، كما سبق له العمل كزميل أول في معهد بيترسن للاقتصاد الدولي وأستاذ زائر بكلية كاري لإدارة الأعمال بجامعة جونز هوبكنز خلال الفترة من 2014-2016. وقد نُشرت له عدة مقالات في الدوريات الأكاديمية ومنها "المجلة الفصلية للاقتصاد " (Quarterly Journal of Economics)، و"مجلة الاقتصاد النقدي" (“Journal of Monetary Economics”)، و"مجلة الاقتصاد العام" (“Journal of Public Economics”)، كما تم الاستشهاد به على نطاق واسع في الدوائر الأكاديمية ووسائل الإعلام الرائدة. وقد شارك في تأليف ثلاثة كتب تشمل “World on the Move: Consumption Patterns in a More Equal Global Economy”، و“Emerging Markets and Financial Globalization”، و “Chipping Away at Public Debt”.

كاثرين باتييو تعمل مديرا مساعدا في إدارة شؤون المالية العامة ورئيسا لقسم سياسة المالية العامة والرقابة المسؤول عن إعداد تقرير "الراصد المالي". وتعمل السيدة باتييو على قضايا الاقتصاد الكلي/المالية العامة. ومنذ انضمامها للصندوق بعد أن كانت تشغل منصبا في جامعة أوكسفورد، عملت في إدارة البحوث وركزت على بلدان إفريقيا والكاريبي، وفي إدارة الاستراتيجيات والسياسات والمراجعة حيث عملت على قضايا البلدان منخفضة الدخل، والقضايا المستجدة كالتي تتعلق بالجنسين، وعدم المساواة، وتغير المناخ. وللسيدة باتييو العديد من المؤلفات المنشورة في هذه المجالات.

إيان باري يعمل خبيرا رئيسيا في شؤون سياسة المالية العامة البيئية بإدارة شؤون المالية العامة، متخصصا في تحليل قضايا تغير المناخ والبيئة والطاقة من منظور المالية العامة. وقبل انضمامه إلى الصندوق في عام 2010، كان أستاذ كرسي Allen V. Kneese في الاقتصاد البيئي لدى مؤسسة Resources for the Future البحثية.