الاقتصاد العالمي: تباطؤ متزامن وآفاق محفوفة بالمخاطر

15 أكتوبر 2019

(الصورة:MCCAIG /iStock by Getty Images )

(الصورة:MCCAIG /iStock by Getty Images )

يمر الاقتصاد العالمي بفترة من التباطؤ المتزامن، وها نحن، مرة أخرى، نخفض توقعاتنا للنمو في 2019 إلى 3%، وهي أبطأ وتيرة له منذ الأزمة المالية العالمية. فلا يزال النمو يعاني من الضعف الناتج عن ارتفاع الحواجز التجارية وتزايد التوترات الاجتماعية-السياسية. وتشير تقديراتنا إلى أن التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين ستُحْدِثُ انخفاضا تراكميا قدره 0,8% في مستوى إجمالي الناتج المحلي العالمي بحلول عام 2020. ولا يزال النمو يعاني كذلك من وطأة العوامل القُطْرية في العديد من اقتصادات الأسواق الصاعدة، والعوامل الهيكلية - كانخفاض نمو الإنتاجية وشيخوخة التركيبة الديمغرافية في الاقتصادات المتقدمة. 

وفي عدد أكتوبر من تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي"، نتوقع تحسن النمو العالمي تحسنا طفيفا ليبلغ 3,4% في 2020، وهو ما يمثل تعديلا آخَر بالخفض بمقدار 0,2% مقابل توقعاتنا في إبريل. غير أن هذا التعافي، خلافا للتباطؤ المتزامن، ليس واسع النطاق كما أنه لا يزال محفوفا بالمخاطر.

وهذا الضعف في النمو مدفوع بتدهور حاد في أنشطة الصناعة التحويلية والتجارة العالمية، مع ارتفاع التعريفات الجمركية وطول أمد فترات عدم اليقين بشأن السياسات والتي أضرت بالاستثمار والطلب على السلع الرأسمالية. علاوة على ذلك، لا تزال صناعة السيارات تشهد انكماشا يرجع هو الآخر لمجموعة مختلفة من العوامل، كمظاهر الارتباك الناجمة عن المعايير الجديدة لانبعاثات السيارات في منطقة اليورو والصين والتي لا تزال آثارها مستمرة. وبوجه عام، انخفض معدل نمو حجم التجارة إلى 1% خلال النصف الأول من 2019، وهو الأضعف منذ 2012.

وعلى العكس من الضعف الشديد في الصناعة التحويلية والتجارة، لا يزال قطاع الخدمات متماسكا في معظم أنحاء العالم. وأدى هذا الأمر إلى الحفاظ على قوة أسواق العمل وسلامة نمو الأجور والإنفاق على الاستهلاك في الاقتصادات المتقدمة. ومع ذلك، هناك بعض الإشارات المبدئية على تراجع قطاع الخدمات في الولايات المتحدة ومنطقة اليورو.

وقد قامت السياسة النقدية بدور كبير في دعم النمو. ففي غياب الضغوط التضخمية ومواجهة ضعف النشاط، اتخذت كبرى البنوك المركزية إجراءات تيسيرية مناسبة للحد من المخاطر المعاكسة التي تهدد النمو، ومنع انفلات ركيزة التوقعات التضخمية. ونشير في تقييمنا إلى أنه بدون هذا التنشيط النقدي سيشهد النمو العالمي انخفاضا بنسبة قدرها 0,5 نقطة مئوية في عامي 2019 و2020. 

ولا تزال الاقتصادات المتقدمة تتحرك ببطء نحو بلوغ مستويات النمو الممكن على المدى الطويل. وخُفِّضَت توقعات النمو إلى 1,7% في 2019 (مقابل 2,3% في 2018) ومن المتوقع أن يظل عند هذا المستوى في 2020. أما الأوضاع القوية في سوق العمل والدفعة التنشيطية من السياسات فتساعد على موازنة التأثير السلبي من ضعف الطلب الخارجي من هذه الاقتصادات.

وخُفِّضَت توقعات النمو في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية إلى 3,9% في 2019 (مقابل 4,5% في 2018) ويرجع ذلك جزئيا إلى أوجه عدم اليقين المحيطة بالتجارة والسياسات المحلية، وإلى التباطؤ الهيكلي في الصين.

ويجيء ارتفاع النمو في 2020 مدفوعا باقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية التي يُتوقع لها أن تشهد انتعاشا في النمو ليصل إلى 4,6%. ويُعزى حوالي نصف هذا الانتعاش إلى حالات التعافي أو فترات الركود الأخف وطأة في الأسواق الصاعدة الواقعة تحت الضغوط، مثل الأرجنتين وإيران وتركيا، والباقي مدفوع بحالات التعافي في بلدان تباطأ فيها النمو بدرجة ملحوظة في 2019 مقارنة بعام 2018، مثل البرازيل والهند والمكسيك وروسيا والمملكة العربية السعودية. ومع ذلك، هناك أجواء كثيفة من عدم اليقين تحيط هذا التعافي، ولا سيما في ظل التوقعات باستمرار التباطؤ في اقتصادات رئيسية مثل الولايات المتحدة واليابان والصين في 2020. 

مخاطر متصاعدة

إضافة إلى ذلك، هناك العديد من مخاطر التطورات السلبية على النمو. فتصاعد التوترات التجارية والجغرافية-السياسة، بما في ذلك المخاطر المرتبطة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، يمكن أن تؤدي إلى زيادة إرباك النشاط الاقتصادي، وانحراف التعافي الهش بالفعل عن مساره في اقتصادات الأسواق الصاعدة ومنطقة اليورو. وقد يؤدي هذا الأمر إلى حدوث تحول مفاجئ في اتجاهات الإقدام على المخاطر، واضطرابات مالية، وانعكاس في مسار التدفقات الرأسمالية المتجهة إلى اقتصادات الأسواق الصاعدة. وقد يترسخ التضخم المنخفض في الاقتصادات المتقدمة ويزيد من تقييد الحيز المتاح من السياسة النقدية في المستقبل، مما يحد من فعاليتها.

سياسات تحفيز النمو من جديد

من أجل إنعاش النمو، يجب على صناع السياسات إزالة الحواجز التجارية التي وُضِعت باتفاقيات دائمة، وكبح التوترات الجغرافية-السياسية، وتخفيف أجواء عدم اليقين المحيطة بالسياسات الداخلية. ومن شأن هذه الإجراءات إعطاء دفعة كبيرة للثقة، وتنشيط الاستثمار والصناعة التحويلية والتجارة. وفي هذا الصدد، نحن نتطلع إلى مزيد من التفاصيل عن الاتفاق المؤقت الذي توصلت إليه الصين والولايات المتحدة مؤخرا. ونرحب بأي خطوة تُتخذ لتهدئة التوترات والتراجع عن التدابير التجارية الأخيرة، ولا سيما إذا كانت يمكن أن تفتح الطريق أمام الوصول إلى اتفاق شامل ودائم.

ولتفادي المخاطر الأخرى التي تهدد النمو وزيادة الناتج الممكن، ينبغي للسياسة الاقتصادية أن تدعم النشاط على نحو أكثر توازنا. فلا يمكن أن تكون السياسة النقدية هي الحل الأوحد، وينبغي أن تقترن بدعم من المالية العامة حيثما يكون الحيز المالي متاحا وتكون سياسة المالية العامة ليست مفرطة في التوسع بالفعل. ففي بلدان مثل ألمانيا وهولندا، ينبغي الاستفادة من انخفاض أسعار الفائدة على القروض للاستثمار في رأس المال الاجتماعي ورأس مال البنية التحتية حتى من منظور التكاليف والمنافع الصرف. وإذا قُدِّر لأوضاع النمو أن تشهد مزيدا من التدهور، فقد تصبح استجابة المالية العامة المنسقة على المستوى الدولي ضرورةً، مع مراعاة ظروف كل بلد على حدة.

وفي الوقت الذي يقوم فيه التيسير النقدي بدعم النمو، من الضروري تطبيق نظم فعالة للسلامة الاحترازية الكلية اليوم لمنع سوء تسعير المخاطر والتراكم المفرط لمواطن الضعف المالي.

ومن أجل تحقيق النمو المستدام، من المهم أن تبادر البلدان بإجراء إصلاحات هيكلية لزيادة الإنتاجية وتعزيز الصلابة والحد من عدم المساواة. وتزداد فعالية الإصلاحات في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية كذلك عندما تكون نظم الحوكمة السليمة مطبقة بالفعل.

وخلاصة القول، لا تزال الآفاق العالمية محفوفة بالمخاطر في ظل حالة التباطؤ المتزامن وعدم اليقين بشأن التعافي. فمع بلوغ النمو معدلا قدره 3% ليس هناك مجال لأي أخطاء على مستوى السياسات، والحاجة ماسة لتقديم صناع السياسات الدعم للنمو. ويتعين تحسين نظام التجارة العالمية، لا التخلي عنه. ويتعين أن تعمل البلدان معا لأن العمل متعدد الأطراف لا يزال هو الحل الوحيد لمعالجة القضايا الرئيسية، كالمخاطر المتأتية من تغير المناخ، ومخاطر الأمن الإلكتروني، والتحايل الضريبي، والتهرب الضريبي، والفرص والتحديات المتعلقة بالتكنولوجيا المالية الناشئة.

 

النمو الاقتصادي العالمي آخذ في التباطؤ

 

 

آخر توقعات النمو في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي

(التغير %)

 

 

توقعات

 

2018

2019

2020

الناتج العالمي

3,6

3,0

3,4

  الاقتصادات المتقدمة

2,3

1,7

1,7

  الولايات المتحدة

2,9

2,4

2,1

  منطقة اليورو

1,9

1,2

1,4

    ألمانيا

1,5

0,5

1,2

    فرنسا

1,7

1,2

1,3

    إيطاليا

0,9

0,0

0,5

    إسبانيا

2,6

2,2

1,8

  اليابان

0,8

0,9

0,5

  المملكة المتحدة

1,4

1,2

1,4

  كندا

1,9

1,5

1,8

  اقتصادات متقدمة أخرى

2,6

1,6

2,0

  اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية

4,5

3,9

4,6

  آسيا الصاعدة والنامية

6,4

5,9

6,0

    الصين

6,6

6,1

5,8

    الهند

6,8

6,1

7,0

    مجموعة آسيان - 5

5,2

4,8

4,9

  أوروبا الصاعدة والنامية

3,1

1,8

2,5

    روسيا

2,3

1,1

1,9

  أمريكا اللاتينية والكاريبي

1,0

0,2

1,8

    البرازيل

1,1

0,9

2,0

    المكسيك

2,0

0,4

1,3

  الشرق الأوسط وآسيا الوسطى

1,9

0,9

2,9

    المملكة العربية السعودية

2,4

0,2

2,2

  إفريقيا جنوب الصحراء

3,2

3,2

3,6

    نيجيريا

1,9

2,3

2,5

    جنوب إفريقيا

0,8

0,7

1,1

  البلدان النامية منخفضة الدخل

5,0

5,0

5,1

المصدر: صندوق النقد الدولي، عدد أكتوبر 2019 من تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي".