التحرك من خلال السياسات لضمان صحة الاقتصاد العالمي

17 مارس 2020

الصورة: (ipopba/iStock by Getty Images)

الصورة: (ipopba/iStock by Getty Images)

هذه التدوينة جزء من سلسلة خاصة عن الاستجابة لفيروس كورونا.

بينما يعتبرالحجر الصحي والمباعدة الاجتماعية هما الوصفة الصحيحة لمكافحة تأثير فيروس كورونا (كوفيد-19) على الصحة العامة، فإن العكس تماما هو المطلوب لتأمين الاقتصاد العالمي.

ذلك أن التواصل المستمر والتنسيق الوثيق هما الدواء الأمثل لضمان عدم استمرار الألم الاقتصادي الناجم عن الفيروس إلا لفترة قصيرة نسبيا.

وبالفعل، بادرت حكومات عديدة باتخاذ خطوات رئيسية في هذا الاتجاه، وهي تعلن يوميا عن اتخاذ إجراءات جذرية – بما فيها التحركات الجريئة والمنسقة التي تمت أمس على صعيد السياسة النقدية.

ولكن الواضح أن الأمر لا يزال يتطلب جهدا أكبر. فمع انتشار الفيروس، ستكون زيادة الإجراءات المنسقة مطلبا أساسيا لتعزيز الثقة وتوفير الاستقرار للاقتصاد العالمي.

واليوم، نشر صندوق النقد الدولي مجموعة من التوصيات بشأن السياسات يمكن أن تساعد على إرشاد البلدان في الأيام العصيبة القادمة.

فما الإجراءات الأخرى التي ينبغي أن نتخذها في هذا الصدد؟

هناك ثلاثة مجالات للتحرك دعماً للاقتصاد العالمي

أولا، المالية العامة: فسيكون من الضروري تقديم دفعة تنشيطية إضافية من المالية العامة للحيلولة دون إصابة الاقتصاد بأضرار طويلة الأمد.  

ويجري حاليا تطبيق إجراءات المالية العامة المعلنة بالفعل من خلال مجموعة من السياسات تعطي أولوية عاجلة للإنفاق على الصحة وذوي الاحتياج. ونحن نعلم أن إجراءات الاحتواء الشامل - المقترنة بالرقابة المبكرة – ستُبطئ معدل الإصابة بالفيروس ودرجة انتشاره.  

وينبغي أن تواصل الحكومات بذل هذه الجهود والتوسع فيها للوصول إلى الأفراد ومؤسسات الأعمال الأكثر تضررا – من خلال سياسات تتضمن زيادة أيام الإجازات المرضية والتخفيف الضريبي الموجَّه.

وفضلا على هذه الإجراءات الإيجابية التي تتخذها البلدان بصورة منفردة، فإن دواعي التنشيط المالي العالمي المنسق والمتزامن تزداد قوة كل ساعة مع انتشار الفيروس.

وأثناء الأزمة المالية العالمية، على سبيل المثال، بلغت الدفعة التنشيطية التي منحتها مجموعة العشرين حوالي 2% من إجمالي الناتج المحلي، أو ما يزيد على 900 مليار دولار بقيمة النقود اليوم، وذلك في عام 2009 وحده. وبالتالي فلا يزال هناك الكثير مما يتعين القيام به.

ثانيا، السياسة النقدية: ينبغي أن تواصل البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة دعم الطلب وتعزيز الثقة عن طريق تيسير الأوضاع المالية وضمان تدفق الائتمان إلى الاقتصاد العيني. فعلى سبيل المثال، أعلن الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي منذ قليل إجراء تخفيضات أخرى في سعر الفائدة، وعمليات شراء للأصول، وإصدار إرشادات استشرافية، وتخفيض نسبة الاحتياطي الإلزامي.

وقد نجحت من قبل خطوات نعرفها على مستوى السياسات – ومنها ما تم اتخاذه أثناء الأزمة المالية العالمية – وهي مطروحة حاليا للنقاش. وبالأمس، اتخذت البنوك المركزية الرئيسية إجراء منسقا وحاسما للتيسير النقدي وفتح خطوط لتبادل العملات من أجل تخفيف الضغوط في الأسواق المالية العالمية. 

وقد تنشأ الحاجة في الفترة المقبلة لفتح خطوط لتبادل العملات مع اقتصادات الأسواق الصاعدة.

وكما ذكر معهد التمويل الدولي(IIF) الأسبوع الماضي، فقد سحب المستثمرون 42 مليار دولار تقريبا من الأسواق الصاعدة منذ بدء الأزمة. وهذه أكبر تدفقات خرجت من الأسواق الصاعدة على الإطلاق. 

وبالتالي، سيتعين على البنوك المركزية في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية أن تراعي في إجراءات السياسة النقدية تحقيق التوازن بين مواجهة التحدي الجسيم المتمثل في انعكاس مسار التدفقات الرأسمالية والتعامل مع صدمات السلع الأولية. ففي أوقات الأزمات كالتي نعيشها الآن، يمكن الاستفادة من استخدام عمليات التدخل في أسواق النقد الأجنبي وإجراءات إدارة التدفقات الرأسمالية كعنصر مكمل لأدوات مثل سعر الفائدة وغيرها من إجراءات السياسة النقدية.     

ثالثا، الاستجابة التنظيمية: ينبغي أن تهدف أجهزة الرقابة على النظام المالي إلى استمرار التوازن بين حماية الاستقرار المالي، والحفاظ على سلامة الجهاز المصرفي مع الحفاظ على استمرارية النشاط الاقتصادي. 

وستكون هذه الأزمة بمثابة اختبار لتحمل الضغوط يقيس ما إذا كانت التغييرات التي أُجريت عقب الأزمة المالية ستحقق الغرض منها.

وينبغي تشجيع البنوك على ممارسة المرونة التي تتيحها القواعد التنظيمية القائمة، وذلك على سبيل المثال باستخدام الهوامش الوقائية من رأس المال والسيولة، وإعادة التفاوض على شروط القروض الممنوحة للمقترضين الواقعين تحت ضغوط. ولكي تعمل الأسواق بصورة سليمة في الفترة القادمة، سيكون من الضروري الإفصاح عن المخاطر وتوخي الوضوح في الإفصاح عن توقعات الأجهزة الرقابية.

وكل هذا العمل بداء من السياسة النقدية إلى سياسة المالية العامة ثم النواحي التنظيميةيحقق أقصى درجات الفعالية عند تنفيذه بصورة تعاونية. 

وتشير أبحاث الصندوق بالفعل إلى أن التغييرات التي تحدث في الإنفاق، على سبيل المثال، يكون تأثيرها مضاعفا عندما تُجريها البلدان معا. 

ما الذي يستطيع الصندوق القيام به؟ 

يقف الصندوق على استعداد لتعبئة طاقته الإقراضية البالغة تريليون دولار من أجل مساعدة بلداننا الأعضاء. وكخط دفاع أول، يستطيع الصندوق استخدام أدواته المرنة التي تتيح الصرف العاجل لتمويل الاستجابة للطوارئ ومساعدة البلدان التي تواجه احتياجات ملحة في موازين مدفوعاتها. 

ومن خلال هذه الأدوات، يمكن تقديم دعم في حدود 50 مليار دولار لاقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. ويمكن أيضا توفير ما يصل إلى عشرة مليارات دولار لبلداننا الأعضاء منخفضة الدخل من خلال تسهيلات التمويل الميسر التي نقدمها بأسعار فائدة صفرية.

والصندوق لديه أربعون اتفاقا جاريا بالفعل – إما لصرف الموارد أو على أساس وقائي– تصل الالتزامات في ظلها مجتمعة إلى حوالي 200 مليار دولار. وفي كثير من الحالات، يمكن أن توفر هذه الاتفاقات وسيلة أخرى لصرف الموارد على أساس عاجل بغرض تمويل الاستجابة للأزمة. وهناك 20 بلدا أخرى أبدت أعربت عن اهتمامها بالاستفادة من هذه الاتفاقات وسوف نتابع معها الأمر خلال الأيام المقبلة.

وعلاوة على ذلك، فإن "الصندوق الاستئماني لاحتواء الكوارث وتخفيف أعباء الديون" (CCRT) يمكن أن يقدم تخفيفا عاجلا لديون لأفقر البلدان، مما يحرر موارد ضرورية للإنفاق على الصحة واحتواء الجائحة وتخفيف حدتها. وفي هذا الصدد، أود الإشادة بالمملكة المتحدة لتعهدها مؤخرا بتقديم 195 مليون دولار أمريكي، مما يعني أن موارد "الصندوق الاستئماني لاحتواء الكوارث" تبلغ الآن 400 مليون دولار تقريبا وهي متاحة لتمويل أي تخفيف محتمل لأعباء الديون. ونهدف إلى زيادة هذه الموارد، بمساعدة مانحين آخرين، إلى مليار دولار أمريكي.

وبهذه الطريقة، يستطيع الصندوق خدمة أعضائه البالغ عددهم 189 بلدا والتدليل على قيمة التعاون الدولي، وذلك لأن حلولنا لهذه الأزمة لن تأتي في النهاية بطريقة واحدة، ولا من منطقة واحدة، ولا من بلد واحد دون غيره. 

ولن نتمكن من تحقيق استقرار الاقتصاد العالمي واستعادة صحته الكاملة إلا من خلال المشاركة والتنسيق والتعاون.