جائحة فيروس كورونا وأمريكا اللاتينية: حان الوقت لإجراءات قوية على صعيد السياسات

19 مارس 2020

(الصورة: RODRIGO GARRIDO-REUTERS-Newscom

(الصورة: RODRIGO GARRIDO-REUTERS-Newscom

هذه التدوينة جزء من سلسلة خاصة عن الاستجابة لفيروس كورونا.

يواصل فيروس كورونا انتشاره بمعدل بالغ السرعة. ولم تعد هذه قضية إقليمية – بل تحدٍ يستدعي استجابة عالمية. وقد ضربت الجائحة بلدان أمريكا اللاتينية والكاريبي بعد المناطق الأخرى، وبالتالي فإن أمامها فرصة لإبطاء معدل انتشار العدوى.

والجهود جارية على عدة أصعدة من أجل تحقيق هذا الهدف. فبالإضافة إلى تعزيز إجراءات مواجهة الجائحة على مستوى السياسة الصحية، تتخذ بلدان عديدة في المنطقة إجراءات لاحتواء الوباء، بما في ذلك إغلاق الحدود والمدارس وغيرها من إجراءات المباعدة الاجتماعية.

وهذه الإجراءات، إلى جانب تباطؤ الاقتصاد العالمي واضطراب سلاسل العرض، وتراجع أسعار السلع الأولية، وانكماش السياحة، والتشديد الحاد للأوضاع المالية العالمية، كلها تدفع النشاط إلى التوقف في كثير من بلدان أمريكا اللاتينية – مما يلحِق ضررا بالغا بآفاق الاقتصاد. وبالنسبة للمنطقة، لن يتحقق التعافي الذي كنا نتوقعه منذ بضعة شهور، كما أن سيناريو النمو السالب في عام 2020 ليس أمرا بعيد الاحتمال.

كندا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية لمواجهة جائحة كوفيد-19  

تأثير عميق

وستؤدي زيادة تكاليف الاقتراض الناجمة عن ذلك إلى كشف النقاب عن مواطن الضعف المالي التي تراكمت على مدار سنوات سادت فيها أسعار الفائدة المنخفضة. وبينما يُتوقع أن يكون الهبوط الحاد في سعر النفط مفيدا للبلدان المستوردة للنفط في المنطقة، فإنه سيُضعِف الاستثمار والنشاط الاقتصادي في البلدان شديدة الاعتماد على الصادرات النفطية.

وفي حالة تفشي الوباء محليا، من المرجح أن يقع الضرر الأكبر على النشاط في قطاع الخدمات نتيجة لجهود الاحتواء والمباعدة الاجتماعية، مع التأثير على قطاعات كالسياحة والضيافة والنقل على وجه الخصوص.

وبالإضافة إلى ذلك، فسوف يقع ضغط كبير على البلدان ذات البنى التحتية الصحية الضعيفة والحيز المالي المحدود لتكثيف الخدمات الصحية العامة ودعم القطاعات والأسر المتضررة.

ومن المرجح أن يتفاوت التأثير الاقتصادي لهذه الجائحة نظرا للخصائص الإقليمية والقُطْرية المتفردة. 

الآثار الاقتصادية الفورية في أمريكا اللاتينية تتضمن تشديد الأوضاع المالية، وانخفاض صادرات السلع الأولية، وهبوط النشاط السياحي. 

وستواجه أمريكا الجنوبية تراجعا في إيرادات التصدير، سواء بسبب هبوط أسعار السلع الأولية أو انخفاض أحجام الصادرات، وخاصة إلى الصين وأوروبا والولايات المتحدة التي تمثل جميعا شركاء تجاريين مهمين للمنطقة. وستتضرر البلدان المصدرة للنفط على وجه الخصوص من الهبوط الحاد في أسعار النفط. وسيؤثر تشديد الأوضاع المالية بصورة سلبية على الاقتصادات الكبيرة والمندمجة مالياً وتلك التي تشوبها مواطن ضعف أساسية. وستؤدي إجراءات احتواء الوباء في عدة بلدان إلى تقليص النشاط الاقتصادي في قطاعي الخدمات والصناعة التحويلية طوال ربع السنة القادم على الأقل، ثم ينتعش من جديد بمجرد احتواء الوباء.

وفي أمريكا الوسطى والمكسيك، سيؤدي تباطؤ النشاط في الولايات المتحدة إلى انخفاض التجارة والاستثمار الأجنبي المباشر وتدفقات السياحة وتحويلات العاملين. ويمكن أيضا أن يؤدي انخفاض الطلب العالمي إلى التأثير سلبا على الصادرات الزراعية الأساسية (البن والسكر والموز) وكذلك التدفقات التجارية عبر قناة بنما. وسيتسبب تفشي الوباء على المستوى المحلي في فرض ضغوط على النشاط الاقتصادي خلال ربع العام القادم، ومفاقمة أوضاع العمل التجاري المحاط بعدم اليقين أصلاً (وخاصة في المكسيك).

وفي منطقة الكاريبي، سيؤدي انخفاض الطلب على السياحة بسبب قيود السفر و"عامل الخوف" – حتى بعد انحسار الوباء – إلى إلقاء عبء ثقيل على النشاط الاقتصادي. وسيكون التأثير قويا أيضا على البلدان المصدرة للسلع الأولية، ومن المرجح أن يتسبب انخفاض تحويلات العاملين إلى زيادة الضغوط الاقتصادية.

أولويات السياسات

تتمثل الأولوية القصوى في ضمان توافر الإنفاق الصحي الأساسي لحماية صحة الأفراد، ورعاية المرضى، وإبطاء معدل انتشار الفيروس. وفي البلدان التي تتسم بضعف نظم الرعاية الصحية، يجب أن يتدخل المجتمع الدولي لمساعدتها في تجنب أزمة إنسانية.

وبالإضافة إلى ذلك، سيكون من الضروري اتخاذ إجراءات موجهة على مستوى المالية العامة، والسياسة النقدية، والأسواق المالية لتخفيف الأثر الاقتصادي للفيروس. وينبغي أن تستخدم الحكومات التحويلات النقدية، ودعم الأجور، والتخفيف الضريبي، لمساعدة الأسر والأعمال المتأثرة على مواجهة هذا التوقف المؤقت والمفاجئ في الإنتاج.

وينبغي للبنوك المركزية أن تعزز مراقبة الأوضاع، وتضع خططا للطوارئ، وتكون مستعدة لتقديم سيولة وفيرة للمؤسسات المالية، وخاصة لتلك التي تقرض المشروعات الصغيرة والمتوسطة، والتي قد لا تكون مهيأة لتحمل الاضطرابات لفترة طويلة. وقد يكون التساهل التنظيمي المؤقت إجراءً ملائما في بعض الحالات.

وحيثما توافر الحيز الكافي من خلال السياسات، يمكن أن يؤدي تقديم دفعة تنشيطية نقدية ومالية على نطاق أوسع إلى تعزيز الثقة وزيادة الطلب الكلي، لكن الأرجح أن يكون هذا التنشيط أكثر فعالية حين تبدأ عودة العمليات التجارية إلى طبيعتها. ونظرا لاتساع الروابط الاقتصادية عبر الحدود، فمن الواضح أن التنسيق العالمي لمواجهة هذا الوباء ضرورة لا ينقصها الدليل.

وقد بدأت البلدان في إطلاق مبادرات في هذا الاتجاه على مستوى السياسات. فعلى سبيل المثال، يجري تأمين موارد إضافية للإنفاق الصحي في كثير من البلدان، بما في ذلك الأرجنتين والبرازيل وكولومبيا وبيرو. وبالإضافة إلى ذلك، أعلنت البرازيل حزمة حوافز اقتصادية طارئة في 17 مارس الجاري تهدف إلى دعم الفئات الضعيفة اجتماعيا، والحفاظ على الوظائف، ومكافحة الوباء.

ومن جانبنا، يقف الصندوق على استعداد للمساعدة في تخفيف التداعيات الاقتصادية الناجمة عن فيروس كورونا ولدينا بالفعل عدة تسهيلات وأدوات تحت تصرفنا.

وختاما، أود التأكيد على أهمية أن نبادر جميعا باتخاذ إجراءات حاسمة للحد من التداعيات الاقتصادية الناجمة عن فيروس كورونا وتجنب وقوع أزمة إنسانية. والصندوق على استعداد لمساعدة بلدانه الأعضاء والعمل معها في هذه الفترة العصيبة.

*****

أليهاندرو ورنير تولى منصبه الحالي كمدير لإدارة نصف الكرة الغربي في صندوق النقد الدولي في يناير 2013. والسيد ورنير مواطن مكسيكي تدرج في مناصب مرموقة على مدار حياته الوظيفية في القطاعين العام والخاص، وكذلك في العمل الأكاديمي. وقد عمل في السنوات الأخيرة وكيلا لوزارة المالية والائتمان العام في المكسيك من ديسمبر 2006 إلى أغسطس 2010؛ وأستاذا للاقتصاد في معهد إدارة الأعمال (Instituto de Empresa) في مدريد بإسبانيا من أغسطس 2010 إلى يوليو 2011، ورئيسا لإدارة صيرفة الشركات والاستثمار في مؤسسة BBVA-Bancomer من أغسطس 2011 إلى نهاية 2012.

وقبل توليه هذه المناصب، كان مديرا للدراسات الاقتصادية في بنك المكسيك المركزي وأستاذا في مؤسسة ITAM للتعليم العالي في المكسيك. وللسيد ورنير أعمال منشورة على نطاق واسع، كما اختاره المنتدى الاقتصادي العالمي في 2007 باعتباره "قائدا عالميا شابا". وهو حاصل على درجة الدكتوراه من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا في عام 1994.