الشجاعة تحت خط النار: استجابات السياسة في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية إزاء جائحة كوفيد-19

8 يونيو 2020

أزمة فيروس كورونا هي أزمة لا نظير لها، وبالنسبة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية (EMDE)، كانت دافعا لاستجابة السياسات على نحو منقطع النظير أيضا، سواء من حيث النطاق أو الحجم.

ورغم أن هذه المجموعة الكبيرة من البلدان – التي تضم الأسواق الصاعدة والبلدان منخفضة الدخل – تتسم بتنوعها، وبمحدودية مواردها في بعض الحالات، فقد عززت خدماتها الصحية وأتاحت دعما غير مسبوق للأسر والشركات والأسواق المالية. ونظرا لحيز الحركة المحدود أمام السياسات، ظلت الاستجابة أقل حجما في هذه البلدان مقارنة بالاقتصادات المتقدمة، وإن استطاع بعضها تقديم مساعدات لبلدان أخرى.

عالم جديد تماما

تباطأ النشاط الاقتصادي في الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية بوتيرة لم نشهدها منذ 50 عاما على الأقل بينما تواصل جائحة كوفيد-19 تمزيق أوصال الاقتصاد العالمي. وتعاني عدة بلدان من هبوط حاد في تدفقات التجارة ورؤوس الأموال، ومن تأثير انخفاض غير مسبوق في أسعار النفط والسلع الأولية الأخرى. كذلك حدثت موجة من التخفيضات في التصنيفات الائتمانية السيادية.

وتلخص أداة تتبع السياسات* التي أنشأها الصندوق الإجراءات الأساسية التي اتخذتها السياسات في مواجهة جائحة كوفيد-19، والتي تربطها بعض السمات المشتركة.

استخدام سياسة المالية العامة لإنقاذ الأرواح وحماية الأرزاق

تصدرت سياسة المالية العامة استجابة اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية لهذه الجائحة. وتتطلب الأزمة الصحية توجيه قدر هائل من الإنفاق للقطاع الصحي في هذه المجموعة من البلدان، وإن كان هذا الإنفاق الإضافي قد يبدو ضئيلا أمام الموارد اللازمة لدعم الاقتصاد ككل. وقد قدمت البلدان قروضا وضمانات وتخفيضات ضريبية للشركات والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، كما قدمت الدعم للأسر المعرضة للخطر مع زيادة إعانات البطالة ودعم أسعار المرافق.

استجابة كبيرة من سياسة المالية العامة في الاقتصادات الصاعدة والنامية، رغم الحيز المالي المحدود

وجاء التمويل لهذه الإجراءات الجديدة من مصادر متنوعة، بما في ذلك الاقتراض والسحب من الاحتياطيات وتعديل الأولويات داخل الميزانيات الحالية والدعم متعدد الأطراف.

وكانت بعض الاقتصادات قد دخلت الأزمة وهي في حالة ضعف، حيث كانت تعاني بالفعل من تباطؤ النمو، وارتفاع مستويات الدين، ومحدودية الحيز المتاح في ماليتها العامة لدعم القطاع الصحي، وضعف الاقتصاد. فحتى قبل الأزمة، كان حوالي نصف العدد الكلي للبلدان منخفضة الدخل يعتبر في وضع مديونية حرج أو معرضا بدرجة كبيرة للوصول إليه، حسب تقديرات الصندوق القائمة على "إطار استمرارية القدرة على تحمل الدين". ولأسباب ترجع جزئيا لهذه القيود، كانت الاستجابة الاستنسابية الكلية من المالية العامة إزاء الصدمة أقل حجما (وإن ظلت كبيرة) في كل من اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات منخفضة الدخل، حيث بلغت 2,8% و 1,4% من إجمالي الناتج المحلي، على الترتيب، في صورة إنفاق إضافي وتخفيضات ضريبية، مقارنة باستجابة الاقتصادات المتقدمة التي بلغت 8,6% من إجمالي الناتج المحلي.

دعم القطاع النقدي والمالي – ركيزة للاستقرار

قامت البنوك المركزية في الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية بتخفيف أثر الصدمة على أوضاع الائتمان من خلال تخفيض سعر الفائدة الأساسي وضخ السيولة. وعلى عكس ما حدث في فترات الضغوط السابقة نتيجة خروج تدفقات رؤوس الأموال – بما في ذلك ما حدث في بداية الأزمة المالية العالمية – خفضت أغلبية اقتصادات الأسواق الصاعدة سعر الفائدة الأساسي (بواقع 50 نقطة أساس أو أكثر في معظم الحالات) بدلا من رفعه. ويمكن إرجاع ذلك إلى انخفاض ضغوط التضخم ووجود أطر للسياسة النقدية أكثر مصداقية بوجه عام.

استجابة السياسة النقدية  

وعلى غرار كثير من الاقتصادات المتقدمة، هناك أسواق صاعدة لا تملك سوى حيز ضيق لزيادة تخفيض أسعار الفائدة، فاتخذت إجراءات باستخدام "السياسة النقدية غير التقليدية" – مثل شراء السندات الحكومية وسندات الشركات.

وتم تخفيف القيود التنظيمية، بما في ذلك المفروضة على السيولة وتصنيف القروض، لمساعدة البنوك على القيام بدور أكثر دعما أثناء الجائحة.

وبالإضافة إلى ذلك، قام بعض البلدان، بما فيها الصين وكولومبيا، بتخفيف بعض الإجراءات الاحترازية الكلية – قيود الإقراض والاقتراض المستحدثة لاحتواء زيادة القروض المفرطة، وتراكم المخاطر النظامية في القطاع المالي والذي يمكن أن يحدث في أوقات اليسر. ويمكن أن يؤدي تخفيف القيود في الوقت الراهن إلى زيادة الائتمان المتاح للأفراد والقطاعات الاقتصادية الأشد تضررا.

الحفاظ على المرونة

انخفضت أسعار العملات في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية التي تطبق أسعار صرف مرنة، بدافع من ضغوط التدفقات الخارجة وزيادة تجنب المخاطر – بنسبة تجاوزت 25% في بضع حالات.

واستعانت اقتصادات عديدة بما لديها من هوامش أمان لموازنة بعض الضغوط، عن طريق التدخل في سوق الصرف الأجنبي والسحب من احتياطياتها الدولية. وقامت بضعة بلدان بتخفيف قيود رأس المال المطبقة على التدفقات الداخلة، بينما كان اللجوء إلى إجراءات لكبح تدفقات رؤوس الأموال الخارجة محدودا جدا.

أسعار الصرف 

الرقمنة – شريان حياة لحماية المعرضين للخطر

تستخدم بلدان مثل بوليفيا وإندونيسيا التكنولوجيا الرقمية لمواجهة التعثر الاقتصادي المفاجئ الذي أصاب الأسر والمشروعات الصغيرة والمتوسطة، والحد من انتشار المرض عن طريق تشجيع المدفوعات غير النقدية. وهناك بلدان أخرى، مثل كولومبيا وكينيا، تتيح الاستفادة من الخدمات الرقمية بأسعار معقولة (من خلال تخفيف القيود على استخدام الإنترنت) والخدمات المالية (من خلال تخفيض الرسوم عن النقود الإلكترونية المحمولة ووسائل الدفع الإلكترونية). وقد قدمت زامبيا الدعم لصغار المزارعين من خلال منصة رقمية.

"الحلول الرقمية ساعدت على توجيه الإغاثة المطلوبة للفئات المعرضة للخطر وتعزيز فعالية السياسات الكلية التقليدية."

التعامل مع تَعَطُّل الإمدادات

مع تَعَطُّل سلاسل الإمدادات العالمية بسبب الجائحة وامتداد فترة الإغلاق العام، اتخذ الكثير من البلدان خطوات لضمان الأمن الغذائي واستمرار الحصول على الإمدادات الطبية، ومعظمها خطوات مؤقتة. فعلى سبيل المثال، فرضت عدة بلدان ضوابط سعرية وأصدرت قواعد تنظيمية ضد الانتهازية في رفع أسعار المواد الغذائية الأساسية والمستلزمات الطبية، بينما قامت بعض البلدان بتخفيف قيود الاستيراد. ومن المؤسف أنه تم فرض قيود على صادرات المواد الغذائية والصيدلانية في العديد من الحالات.

التضامن العالمي – مساعدة البلدان على تحقيق المزيد

استجابة لصدمة كوفيد-19، تم تفعيل وتعزيز شبكة الأمان المالي العالمية. وأنشأ بنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة خطوطا جديدة لتبادل العملات مع البنوك المركزية في عدة اقتصادات متقدمة وصاعدة رئيسية.

وتعمل مبادرة تأجيل مدفوعات الدين بقيادة مجموعة العشرين والمساعدات المالية من صندوق النقد الدولي ومؤسسات أخرى على مساندة اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية في مواجهة التحديات. فقد سارع الصندوق بتقديم مساعدات طارئة لأكثر من 60 بلدا عضوا. ومع زيادة الطلب على السيولة، قام الصندوق أيضا، في إطار استجابته لجائحة كوفيد-19، بإنشاء تسهيل تمويلي جديد، هو خط السيولة قصيرة الأجل (SLL)، لتعزيز أدواته المستخدمة في إقراض البلدان الأعضاء. وبالإضافة إلى ذلك، فإن كم السيولة الهائل الذي تقدمه البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة الرئيسية، رغم توجيهه في الأساس لدعم الأوضاع المالية المحلية، قد خفف الضغوط عن اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية.

وفي نفس الوقت، تقدم اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية مساعدات لبعضها البعض وللبلدان الأخرى التي تحتاج إليها. وعلى وجه التحديد، تقدم بنوك التنمية الإقليمية الدعم لمؤسسات القطاع الخاص، وتمويل التجارة، واستمرار إتاحة الإمدادات الطبية. ومن أمثلة المساعدات الثنائية إرسال ألبانيا فريقا من الأطباء إلى إيطاليا، وتبرُّع فيتنام بإمدادات طبية للبلدان المجاورة وكذلك الاقتصادات المتقدمة.

لقد تأثرت الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية بشدة من جراء صدمة كوفيد-19 ورد الفعل الذي سببته في الأسواق. ويوضح التحليل الذي تقدمة أداة الصندوق لتتبع السياسات الاستجابة الاستثنائية التي أصدرتها السياسات، بدعم من الابتكار والتعاون الدولي. وفي هذا الموقف غير المسبوق والمتطور بسرعة، يمكن أن تستفيد البلدان بالتعلم من نظرائها. والصندوق ملتزم من جانبه بجمع وتبادل الممارسات المثلى وإدراج هذه البيانات فيما يجريه من تحليلات لمساعدة بلدانه الأعضاء.

*****

مارتن مولايزن يعمل مديراً لإدارة الاستراتيجيات والسياسات والمراجعة (SPR) في صندوق النقد الدولي. وبهذه الصفة، يقود العمل المتعلق بالتوجه الاستراتيجي للصندوق وتصميم سياساته وتنفيذها وتقييمها. ويُشرف السيد مولايزن أيضاً على أنشطة التواصل بين الصندوق والكيانات الدولية، مثل مجموعة العشرين والأمم المتحدة.

فلاديمير كليوويف هو نائب رئيس قسم السياسات الكلية في إدارة الاستراتيجيات والسياسات والمراجعة بصندوق النقد الدولي. وعلى مدار تاريخه الوظيفي في الصندوق، اضطلع بمهام تتعلق بمجموعة متنوعة من الاقتصادات المتقدمة والأسواق الصاعدة والبلدان منخفضة الدخل. وقد أمضى عدة سنوات أيضا في إدارة البحوث بالصندوق حيث غطى قضايا متعددة الأطراف. للسيد كلوييف عدد من المقالات والدراسات النظرية والتجريبية حول موضوعات متنوعة مثل ترتيبات سعر الصرف، ومدخرات الأسر، واستهداف التضخم. وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد السياسي والحكم من جامعة هارفارد.

سارة سانيا تعمل اقتصادية في إدارة الاستراتيجيات والسياسات والمراجعة بصندوق النقد الدولي. وفي دورها الحالي، تقوم بوضع سياسات للاقتصاد الكلي ومراجعة تنفيذها في البلدان الأعضاء في الصندوق. وتغطي المهام التي اضطلعت بها على مدار تاريخها الوظيفي في الصندوق مجموعة متنوعة من البلدان الأعضاء. وتشمل مؤلفاتها المطبوعة واهتماماتها البحثية مجالات التعافي بعد الأزمات، والسياسات المالية/الكلية، والمخاطر النظامية. وقد سبق لها العمل اقتصادية مختصة بشؤون كينيا في البنك الدولي من 2017 إلى 2019. والسيدة سانيا حاصلة على درجة الماجستير والدكتوراه من جامعة ساوثهامبتون في المملكة المتحدة.