"الإغلاق العام الكبير" بعدسة عالمية

16 يونيو 2020

(الصورة: sefa ozel/iStock by Getty Images)

(الصورة: sefa ozel/iStock by Getty Images)

من المتوقع أن يتطور "الإغلاق العام الكبير" على ثلاث مراحل، أولها دخول البلدان في طور الإغلاق العام، ثم خروجها منه، وأخيرا إفلاتها منه عند اكتشاف حل طبي للجائحة. وهناك بلدان كثيرة تمر بالمرحلة الثانية حاليا، حيث تعيد فتح نشاطها الاقتصادي، مع وجود دلائل مبكرة تشير إلى التعافي، وإن كانت معرضة لمخاطر موجة ثانية من العدوى قد تضطرها لإعادة فرض الإغلاق العام من جديد. وبإجراء مسح للمشهد الاقتصادي، نجده مشهدا مذهلا بمجرد النظر إلى نطاق "الإغلاق العام العالمي" ودرجة حدته. والأكثر مأساوية في هذا الصدد هو أن الجائحة أزهقت بالفعل مئات الآلاف من الأرواح على مستوى العالم. وأسفر ذلك عن أزمة اقتصادية لم يشهد العالم مثلها من قبل.

إنها أزمة عالمية بحق. فالأزمات السابقة، رغم عمقها وحدتها، ظلت محصورة في أجزاء أصغر من العالم، من أمريكا اللاتينية في الثمانينات إلى آسيا في التسعينات. وحتى الأزمة المالية العالمية منذ عشر سنوات كانت آثارها أكثر تواضعا على الناتج العالمي.

ولأول مرة منذ "الكساد الكبير"، ستكون الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة في حالة ركود متزامن عام 2020. ومن المرجح أن يشير العدد القادم من تقرير مستجدات آفاق الاقتصاد العالمي إلى معدلات نمو سلبية أسوأ حتى من التقديرات السابقة. وستكون لهذه الأزمة عواقب مدمرة على فقراء العالم.

وبخلاف النطاق غير المسبوق الذي يشمله الإغلاق العام العالمي، نجده يتطور بطرق مختلفة تماما عما شاهدناه في الأزمات السابقة. وتظهر هذه الخصائص غير المألوفة في كل أنحاء العالم، بغض النظر عن حجم الاقتصاد أو موقعه الجغرافي أو هيكل إنتاجه.

أولا، وجهت هذه الأزمة ضربة قوية على نحو غير مسبوق لقطاع الخدمات. ففي الأزمات المعتادة، يقع الأثر الأكبر على الصناعة التحويلية نتيجة لانخفاض الاستثمار، بينما يكون الأثر على الخدمات منخفضا بوجه عام لأن الطلب الاستهلاكي يكون أقل تأثرا. لكن الأمر مختلف هذه المرة. ففي شهور ذروة الإغلاق العام، كان انكماش قطاع الخدمات أكبر حتى من انكماش قطاع الصناعة التحويلية، ودون فرق في ذلك بين الاقتصادات المتقدمة عن اقتصادات الأسواق الصاعدة. وهناك استثناءات من هذه القاعدة – مثل السويد ومقاطعة تايوان الصينية اللتان اعتمدتا نهجا مختلفا في التعامل مع الأزمة الصحية، مع إجراءات احتواء محدودة من جانب الحكومة، مما جعل الضربة الواقعة على قطاع الخدمات أقل نسبيا منها في قطاع الصناعة التحويلية.

ضربة لقطاع الخدمات 

ومن الممكن، في ظل الطلب الاستهلاكي المكبوح، أن يحدث تعافٍ بوتيرة أسرع على خلاف ما حدث عقب الأزمات السابقة. غير أن هذه النتيجة غير مضمونة في الأزمات الصحية لأن المستهلكين قد يغيرون سلوكهم الإنفاقي للحد من الاحتكاك الاجتماعي، وعدم اليقين يمكن أن يدفعهم إلى زيادة الادخار. وفي حالة الصين، وهي من أوائل البلدان التي خرجت من مرحلة الإغلاق العام، هناك تأخر في تعافي قطاع الخدمات مقارنة بالصناعة التحويلية لأن الخدمات مثل الضيافة والسفر تعاني في سعيها لاستعادة الطلب. ومن بواعث القلق بوجه خاص الأثر طويل الأجل على الاقتصادات التي تعتمد كثيرا على الخدمات – كالاقتصادات المعتمدة على السياحة.

ثانيا، رغم صدمات العرض الكبيرة التي تنفرد بها هذه الأزمة، ففيما عدا تضخم أسعار الغذاء، لم نر حتى الآن إلا انخفاض في معدل التضخم والتوقعات المتعلقة به، وذلك بصورة تكاد تكون شاملة لكل من الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة. ورغم الحجم الكبير للدعم التقليدي وغير التقليدي من السياسة النقدية وسياسة المالية العامة في كل بلدان العالم، فإن الطلب الكلي لا يزال مكبوحا ويشكل عبئا على التضخم، إلى جانب انخفاض أسعار السلع الأولية. ونظرا لارتفاع البطالة الذي يُتوقع أن يستمر لفترة، يُرجَّح أن تكون مخاطر تصاعُد التضخم ضئيلة في البلدان التي تتسم بمصداقية سياساتها النقدية.

إشارات متباينة 

 

ثالثا، نرى أن الأسواق المالية تتباعد عن الاقتصاد العيني على نحو لافت للنظر، حيث تنم المؤشرات المالية عن آفاق تعافٍ أقوى مما يشير إليه النشاط العيني. فرغم التصحيح الذي حدث مؤخرا، عوَّض مؤشر ستاندارد آند بورز 500 معظم الخسائر التي سجلها منذ بداية الأزمة، وحدث تحسن كبير في مؤشر فوتسي للأسواق الصاعدة ومؤشر إفريقيا، كما سجل مؤشر بوفيسبا البرازيلي صعودا كبيرا رغم ما شهدته البرازيل مؤخرا من ارتفاع كبير في معدلات الإصابة بالفيروس، واستقرت تدفقات الحافظة الداخلة إلى الاقتصادات الصاعدة والنامية.

انفصال الأسواق 

 

ومع استثناءات قليلة، تعتبر زيادة فروق العائد على الدين السيادي وانخفاض أسعار العملات في الأسواق الصاعدة أقل مما شهدناه أثناء الأزمة المالية العالمية، وهو أمر لافت للانتباه بالنظر إلى النطاق الأوسع للصدمة التي أصابت الأسواق الصاعدة أثناء "الإغلاق العام الكبير".

وقد يكون هذا التباعد نذيرا بتقلب أكبر في الأسواق المالية. فتراجع الأوضاع الصحية وزيادة سوء الأخبار الاقتصادية يمكن أن يؤديا إلى عمليات تصحيح حادة. وسيكون بإمكاننا الإدلاء بالمزيد حول هذا التباعد في العدد القادم من تقرير الاستقرار المالي العالمي.

ومن العوامل المرجحة وراء التباعد أن استجابة السياسات أقوى في سياق هذه الأزمة. فقد أصبحت السياسة النقدية تيسيرية لدى الجميع دون استثناء، مع دعم غير مسبوق من البنوك المركزية الكبرى، واعتماد التيسير النقدي في الأسواق الصاعدة باستخدام أدوات منها السياسات غير التقليدية التي تُستخدم لأول مرة.  

واتخذت سياسات المالية العامة إجراءات استنسابية كبيرة في الاقتصادات المتقدمة. وفي الأسواق الصاعدة، كان دعم المالية العامة أقل، حيث كان مقيدا إلى حد ما بمحدودية الحيز المالي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن هناك تحديا فريدا يواجه الأسواق الصاعدة هذه المرة، وهو أن القطاع غير الرسمي، الذي يمثل أداة لامتصاص الصدمات في العادة، لم يتمكن من القيام بهذا الدور في ظل سياسات احتواء الجائحة، بل إنه كان بحاجة إلى الدعم. ونحن الآن في فترة مبكرة من المرحلة الثانية حيث تبدأ بلدان عديدة تخفيف سياسات الاحتواء وتسمح تدريجيا باستئناف النشاط الاقتصادي. ولكن مسار التعافي يبقى محاطا بدرجة كبيرة من عدم اليقين.

ومن التحديات البارزة في الهروب من حالة "الإغلاق العام الكبير" ضرورة التأكد من كفاية إنتاج وتوزيع اللقاحات والأدوية عندما تصبح متاحة – الأمر الذي سيتطلب جهدا عالميا لتحقيقه. وبالنسبة لفرادى البلدان، ينبغي تعزيز الثقة في التعافي بإعطاء أولوية مستمرة للحد من عدم اليقين المحيط بالأوضاع الصحية، وذلك باستخدام أقل المناهج إحداثا للاضطراب الاقتصادي مثل اختبارات الكشف عن الفيروس، وتتبع المخالطين، والعزل، حسبما يتناسب مع ظروف كل بلد على حدة ومع مراعاة الإفصاح الواضح عن مسار السياسات. ومع التقدم في مسيرة التعافي، ينبغي أن تدعم السياسات إعادة توزيع العمالة من القطاعات المنكمشة إلى القطاعات التي يُتوقع لها آفاق أفضل.

وسيواصل الصندوق، بالتعاون مع المنظمات الدولية الأخرى، بذل كل ما في وسعه لضمان كفاية السيولة الدولية، وتوفير التمويل الطارئ، ودعم مبادرة مجموعة العشرين لتعليق مدفوعات خدمة الديون، ومساعدة البلدان على إبقاء أعباء الديون في حدود يمكن التعامل معها. كذلك سيقدم الصندوق المشورة والدعم من خلال الرقابة وتنمية القدرات، للمساعدة على نشر افضل الممارسات، بينما تتعلم البلدان من بعضها البعض أثناء هذه الأزمة غير المسبوقة.

*****

غيتا غوبيناث تشغل منصب المستشار الاقتصادي ومدير إدارة البحوث بصندوق النقد الدولي. وهي في إجازة للخدمة العامة من إدارة الاقتصاد في جامعة هارفارد حيث تشغل كرسي أستاذية "جون زوانسترا" في الدراسات الدولية والاقتصاد.

وللسيدة غوبيناث أبحاث تركز على التمويل الدولي والاقتصاد الكلي نُشرت في كثير من الدوريات الاقتصادية البارزة. وللسيدة غوبيناث مقالات بحثية عديدة عن أسعار الصرف، والتجارة والاستثمار، والأزمات المالية الدولية، والسياسة النقدية، والدين، وأزمات الأسواق الصاعدة.

والسيدة غوبيناث هي المحرر المشارك للطبعة الحالية من "دليل الاقتصاد الدولي" (Handbook of International Economics) وكانت من قبل المحرر المشارك لدورية “American Economic Review”  ومدير تحرير دورية “Review of Economic Studies”. وقد سبق لها العمل مديراً مشاركاً لبرنامج التمويل الدولي والاقتصاد الكلي في المكتب الوطني للبحوث الاقتصادية (NBER)، وباحثاً زائراً لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في بوسطن، وعضواً في الفريق الاستشاري الاقتصادي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. وفي الفترة 2016-2018، تولت منصب المستشار الاقتصادي للوزير الأول بولاية كيرالا الهندية. كذلك كانت عضواً في "مجموعة الشخصيات البارزة الاستشارية" المعنية بشؤون مجموعة العشرين لدى وزارة المالية الهندية.

والسيدة غوبيناث زميل منتخب لأكاديمية الآداب والعلوم الأمريكية وجمعية الاقتصاد القياسي، وحاصلة على "جائزة الخريج المتميز" من جامعة واشنطن. وفي عام 2019، اختارتها مجلة "السياسة الخارجية" ضمن قائمة المفكرين العالميين البارزين، وفي عام 2014، سماها صندوق النقد الدولي ضمن أفضل 25 اقتصادياً تحت سن الخامسة والأربعين، كما اختارها المنتدى الاقتصادي العالمي في 2011 باعتبارها "قائدة عالمية شابة" (YGL). وقد منحتها الحكومة الهندية جائزة "برافاسي بهاراتيا سامان"، وهي أعلى جائزة فخرية تمنح للجالية الهندية في الخارج. وقبل الانضمام إلى هيئة التدريس بجامعة هارفارد في 2005، عملت أستاذاً مساعداً للاقتصاد في كلية بوث لإدارة الأعمال التابعة لجامعة شيكاغو.

وقد ولدت السيدة غوبيناث في الهند، وهي تحمل الجنسية الأمريكية وشهادة مواطنة خارجية تمنحها الهند لأصحاب الأصول الهندية في الخارج. وهي حاصلة على شهادة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة برينستون عام 2001 بعد حصولها على درجة البكالوريوس من كلية ليدي شري رام في جامعة دلهي والماجستير من كل من كلية دلهي للاقتصاد وجامعة واشنطن.