المرحلة القادمة من الأزمة: إجراءات أخرى لازمة من أجل تعافٍ أكثر صلابة

15 يوليه 2020

(الصورة: Boonyachoat/iStock by Getty Images)

(الصورة: Boonyachoat/iStock by Getty Images)

حين التقى وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية لمجموعة العشرين آخر مرة في إبريل، كان العالم في خضم "الإغلاق العام الكبير" الذي فرضه تفشي جائحة كوفيد-19. وحين يلتقون عبر شبكة الإنترنت هذا الأسبوع*، سيأتي ذلك على خلفية إعادة فتح الاقتصاد بالتدريج في كثير من البلدان، رغم استمرار الجائحة. والواضح أننا دخلنا مرحلة جديدة من الأزمة – مرحلة ستتطلب مزيدا من اليقظة والتحرك على مستوى السياسات لتأمين تعافٍ دائم ومشترك.

وقد أشارت تقارير الصندوق في الشهر الماضي إلى تفاقم آفاق الاقتصاد وانكماش النمو العالمي في العام الحالي بنسبة متوقعة قدرها 4,9%. والخبر الأفضل هو أن النشاط الاقتصادي العالمي، الذي سجل انخفاضا غير مسبوق في مطلع هذا العام، بدأ يكتسب قوة بالتدريج. ومن المتوقع أن يستمر التعافي الجزئي في عام 2021. فقد أدى التحرك الاستثنائي من جانب بلدان عديدة، بما فيها مجموعة العشرين – من خلال إجراءات مالية بقيمة 11 تريليون دولار أمريكي تقريبا وضخ السيولة بأحجام ضخمة من البنوك المركزية – إلى وضع ركيزة يستند إليها الاقتصاد العالمي. ويشكل هذا التحرك الاستثنائي* جهدا هائلا لا ينبغي الاستهانة به.

ولكننا لم نخرج من المأزق بعد. فقد تزداد الاضطرابات في النشاط الاقتصادي مع انتشار المرض في موجة عالمية ثانية كبرى. ومن بين المخاطر الأخرى المبالغة في تقييمات الأصول، وتقلب أسعار السلع الأولية، وتصاعد الحمائية، وعدم الاستقرار السياسي.

وإذا جاءت التطورات إيجابية، يمكن أن تؤدي الانفراجات الطبية بشأن اللقاح والعلاجات إلى زيادة الثقة والنشاط الاقتصادي. وهذه السيناريوهات البديلة تسلط الضوء على أن مستوى عدم اليقين لا يزال على ارتفاعه الاستثنائي. 

غموض الآفاق المتوقعة

وستترك هذه الأزمة آثارا اقتصادية غائرة في كثير من البلدان. وتشكل الاضطرابات الحادة في سوق العمل مصدر قلق كبير. فبعض البلدان فقدت وظائف في شهري مارس وإبريل أكثر من الوظائف التي أضافتها منذ نهاية الأزمة المالية العالمية. وقد أثر إغلاق المدارس أيضا على قدرة الناس – ولا سيما النساء – على المشاركة في سوق العمل. ورغم أنه أمكن، لحسن الحظ، استرداد بعض هذه الوظائف، فقد انخفضت نسبة العمالة من السكان في سن العمل إلى أقل كثيرا مما كانت عليه في مطلع عام 2020. وبالإضافة إلى ذلك، من المرجح أن يكون كامل الأثر الواقع على سوق العمل أكبر بكثير حيث يواجه كثير من العاملين تخفيضات في عدد ساعات العمل.      

الوظائف انخفضت في العديد من الاقتصادات

كذلك بدأت حالات الإفلاس تستشري مع نضوب هوامش الأمان النقدية لدى الشركات.

ويتعرض رأس المال البشري للخطر أيضا؛ فقد تَعَطَّل تعليم أكثر من مليار دارس في 162 بلدا، على سبيل المثال.

والخلاصة هي أن الجائحة من المرجح أن تزيد الفقر وعدم المساواة، مما يؤدي على نحو مؤلم إلى كشف المزيد من مواطن الضعف في النظم الصحية، وعدم استقرار ظروف العمل، والآفاق الصعبة التي تواجه الشباب في الحصول على الفرص التي يحتاجونها بشدة.

وحتى يتحقق تعافٍ أكثر صلابة واحتواء للجميع، نحتاج إلى مزيد من التحرك في مجالين أساسيين: (1) السياسات المحلية، و(2) الجهود الجماعية.

السياسات المحلية: الحفاظ على شرايين الحياة المستهدفة

تمر البلدان بمراحل مختلفة من تطورات الجائحة، ومن ثم فإن استجاباتها ستكون مختلفة كذلك. ووفقا لتأكيدات الصندوق، ستكون بلدان الأسواق الصاعدة والبلدان النامية هي الأشد تضررا بالأزمة - فهي تواجه تحديات أكبر ومفاضلات أشد حدة من الاقتصادات المتقدمة - وستكون بحاجة لدعم أكبر وأطول أمدا. ومع ذلك، هناك متطلبات ضرورية على مستوى السياسات المحلية تنطبق بوجه عام.  

حماية الناس والعمالة: فقد عززت البلدان في شتى أنحاء العالم إمداداتها الاقتصادية الحيوية للأفراد والعمال. ويجب الحفاظ على شبكات الأمان تلك حسبما تقتضي الحاجة، وتوسيع نطاقها في بعض الحالات: من الإجازات المرضية مدفوعة الأجر للأسر منخفضة الدخل إلى إمكانية الحصول على الرعاية الصحية والاستفادة من تأمينات البطالة، إلى توسيع نطاق التحويلات النقدية والعينية للعاملين في القطاع غير الرسمي - مع اعتماد آليات رقمية كأفضل سبيل غالبا لتوصيلها. ومما يدعو إلى التفاؤل، أن البلدان التي تتسم بدرجات أعلى من عدم المساواة كرّست نسبة أعلى من الدعم لقطاع الأسر، بما في ذلك الفئات الهشة. 

شرايين الحياة الاقتصادية

وفي نفس الوقت، هناك كثير من الوظائف المفقودة لن يمكن استردادها مع استمرار الأزمة في إحداث تغييرات طويلة الأمد في أنماط الإنفاق. وبالتالي يجب مواصلة دعم العمالة، بسبل منها إعادة تأهيلهم لاكتساب مهارات جديدة، لمساعدتهم في التحول من القطاعات الآخذة في الانكماش إلى القطاعات التي تزداد توسعا. 

دعم الشركات: من شأن الدعم أن يصل إلى الناس والعمالة أيضا عند توفير الإمدادات الحيوية لمنشآت الأعمال التي تتمتع بمقومات البقاء. فهناك مزيد من الشركات في مختلف اقتصادات مجموعة العشرين حصلت على الدعم من خلال التخفيف من أعباء الضرائب أو اشتراكات الضمان الاجتماعي، والمنح، وإعانات دعم أسعار الفائدة. وتم توجيه حصة كبيرة من ذلك الدعم للمشروعات الصغيرة والمتوسطة - وهو أمر يتسم بأهمية خاصة نظرا لأن هذه المشروعات تشكل محركا رئيسيا للتوظيف. وفي غياب مثل هذا الدعم تشير تحليلات خبراء الصندوق إلى احتمال زيادة حالات الإفلاس بين المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى ثلاثة أضعاف من متوسط قدره 4% قبل الجائحة إلى 12% في 2020، مما يهدد بزيادة البطالة والإضرار بالميزانيات العمومية للبنوك.

ومع تزايد حالات الإفلاس ستواجه الحكومات اختيارات صعبة عما إذا كان ينبغي دعم الشركات وكيفية توفير هذا الدعم.  ومن شأن التحليلات السليمة لتوقعات السيولة والملاءة في الشركات أن تساعد في إرشاد الحكومات عند القيام بهذه الاختيارات. فقد يكون توفير السيولة كافيا بالنسبة للأنشطة الاقتصادية التي تعاني من خسائر الإيرادات بصفة مؤقتة، مثلا، بينما قد يلزم ضخ رؤوس الأموال المساهمة في حالة بعض الشركات المعسرة التي تشكل عاملا ضروريا لمكافحة الجائحة أو التي تعتمد عليها حياة وأرزاق الكثيرين.

 ولكن تكاليف هذا الدعم باهظة على المالية العامة وتصاعُد مستويات الدين أصبح مصدرا للقلق البالغ. غير أن سحب الدعم قبل الأوان في هذه المرحلة من الأزمة تترتب عليه تكاليف أكبر من الاستمرار فيه حيثما كان ضروريا. وبطبيعة الحال، لا بد أن تكون الإجراءات محددة الأهداف وأن يتم تقييم انعكاساتها على الميزانيات مع مراعاة فعالية التكاليف واستدامة القدرة على تحمل الدين في الأجل المتوسط. 

الحفاظ على الاستقرار المالي: قد تؤدي حالات فقدان الوظائف والإفلاس وإعادة هيكلة الأنشطة الاقتصادية إلى فرض تحديات جسام على القطاع المالي - بما في ذلك خسائر الائتمان على المؤسسات المالية والمستثمرين. وينبغي أن تدعم إجراءات التنظيم والرقابة مرونة استخدام هوامش رأس المال والسيولة المتوفرة على نحو يتماشى مع المعايير الدولية - الأمر الذي سيسمح بدوره مواصلة تقديم الائتمان لمنشآت الأعمال التي تتوافر لها مقومات البقاء. وينبغي أن تظل السياسة النقدية تيسيرية حيثما تكون الفجوة بين الإنتاج الفعلي والممكن كبيرة ومعدل التضخم دون المستوى المستهدف، مثلما هو الحال في كثير من البلدان أثناء الأزمة.

ومن أولويات صناع السياسات المهمة على المستوى الداخلي في الوقت الحالي ضمان قدرة أسواق المال، وأسواق الصرف الأجنبي، وأسواق الأوراق المالية على أداء مهامها بفعالية. وسيظل التنسيق بين مختلف البنوك المركزية والدعم الملائم المقدم من المؤسسات المالية الدولية مطلبين ضروريين أيضا في هذا الخصوص.    

الجهود الجماعية: اغتنام الفرص من أجل مستقبل أفضل

التعاون الدولي بلا شك له دور حيوي في تقليص مدة الأزمة وضمان تحقيق تعافٍ يتسم بالصلابة. ومن المجالات التي تصبح فيها الإجراءات الجماعية مطلبا أساسيا، ما يلي:

  • ضمان توافر إمدادات الرعاية الصحية الكافية: من خلال التعاون في مجالات الإنتاج، والشراء، والتوزيع العادل للعلاجات واللقاحات الفعالة، بما في ذلك عبر الحدود.
  • تجنب المزيد من التصدعات في نظام التجارة العالمي: حيث ينبغي أن تبذل البلدان قصارى جهدها لبقاء سلاسل العرض العالمية مفتوحة، وتسريع جهود إصلاح منظمة التجارة العالمية، والعمل على التوصل إلى اتفاق شامل بشأن الضرائب الرقمية.
  • ضمان قدرة البلدان النامية على تمويل احتياجات الإنفاق الحيوية والتصدي للتحديات أمام استدامة القدرة على تحمل الدين: وفي هذا الشأن، هناك أهمية خاصة لمواصلة التقدم في تنفيذ "مبادرة مجموعة العشرين لتعليق مدفوعات خدمة الدين".
  • تقوية شبكة الأمان المالي العالمية: بما في ذلك النظر في إمكانية تمديد آجال خطوط تبادل العملات وتعزيز استخدام حقوق السحب الخاصة التي يصدرها الصندوق.

وقد استجاب الصندوق، من جانبه، لهذه الأزمة على نحو غير مسبوق - بما في ذلك عن طريق تقديم التمويل الطارئ إلى 72 بلدا في غضون ثلاثة أشهر. ونهدف إلى بذل جهود أكبر في المرحلة الحرجة القادمة، بدعم من بلداننا الأعضاء البالغ عددها 189 بلدا.

وفي هذا السياق يمكن أن نستلهم من الشاعر اللبناني العظيم، جبران خليل جبران، عندما قال: "لكي تفهم قلب الإنسان وعقله، لا تنظر إلى ما حققه، بل إلى ما يتمنى تحقيقه."

وأعتقد أنه رغم ما تسببت فيه هذه الجائحة من ألم ومعاناة، فبإمكاننا أن نتطلع إلى تغيير عالمنا. فلدينا فرصة لا تتكرر إلا مرة كل قرن لبناء مستقبل أفضل - عالم أكثر عدالة وإنصافا، وأكثر اخضرارا واستدامة وذكاء، والأهم من ذلك أكثر صلابة. 

ولاغتنام هذه الفرصة وزيادة الصلابة، ينبغي التحرك لتحقيق ما يلي: (1) الاستثمار في البشر – في التعليم، والصحة العامة، والحماية الاجتماعية، وفي منع الزيادة الحادة في عدم المساواة التي قد تتسبب فيها هذه الأزمة؛ و(2) دعم النمو الذي يتسم بانخفاض الانبعاثات الكربونية والصلابة في مواجهة تغير المناخ، وذلك من خلال التوزيع الذكي لموارد الإنفاق العام؛ و(3) الاستفادة من تكنولوجيا التحول الرقمي، سواء من خلال زيادة استخدام منصات الحكومة الإلكترونية لرفع الكفاءة وزيادة درجة الشفافية مع تخفيض الروتين، أو التعلُّم الإلكتروني عبر الإنترنت، أو العمل من بُعد.

وعلى صناع السياسات في مجموعة العشرين - بل علينا جميعا ممن تتضافر جهودهم - اغتنام الفرصة لجعل هذا المستقبل حقيقة واقعة.