الحوكمة القوية للبنية التحتية، كيف تضع نهاية للإهدار في الاستثمار العام؟

3 سبتمبر 2020

(الصورة: imageBROKER/Rupert Oberhauser/Newscom)

(الصورة: imageBROKER/Rupert Oberhauser/Newscom)

كان لجائحة كوفيد-19 تأثير عميق على الأفراد والشركات والاقتصادات في كل أنحاء العالم. وبينما عززت البلدان إمداداتها الحيوية  الداعمة للأفراد والشركات، فإنها ستواجه تحديات هائلة للتعافي من الجائحة، في ظل نشاط اقتصادي منخفض ومستويات مديونية غير مسبوقة.

وسيكون للاستثمار في البنية التحتية العامة دور أساسي في التعافي. ولكن أمام قلة الموارد، يتعين على الحكومات أن تنفق أموال دافعي الضرائب بحكمة على المشروعات الصحيحة. ولتحقيق هذا الهدف، تحتاج البلدان إلى حوكمة رشيدة للبنية التحتية – أي مؤسسات وأطر قوية ترتكز عليها أعمال التخطيط والتخصيص والتنفيذ اللازمة لمشروعات عالية الجودة في مجال البنية التحتية العامة.     

ويتناول كتابنا الجديد* كيف يمكن للبلدان تصميم نظام رشيد لحوكمة البنية التحتية. فكثيرا ما يتمخض عن الاستثمار العام بنية تحتية باهظة التكلفة وضعيفة الجودة ومحدودة المنافع بالنسبة للأفراد والاقتصاد. وغالبا ما ينطوي على مشروعات كبيرة ومعقدة وطويلة الأجل – وكلها بمثابة أرض خصبة للفساد والتأخير والتجاوز في التكاليف. وتمثل الحوكمة القوية للبنية التحتية عاملا أساسيا للحد من هذا الإهدار.

ويوضح تحليلنا أن البلدان تهدر، في المتوسط، حوالي ثلث ما تنفقه على البنية التحتية بسبب أوجه عدم الكفاءة. ويمكن أن تتجاوز الخسارة 50% في البلدان منخفضة الدخل. وينبغي أن يكون لإطلاق هذه الإمكانات دور مهم في سياق تعافي البلدان من الجائحة. والخبر السار هو أن خسائر عدم الكفاءة والإنفاق المهدر للموارد في مجال البنية التحتية ليسا قَدَرَا محتوما لا مفر منه. فتقديراتنا تشير إلى أن أكثر من نصف هذه الخسائر يمكن تعويضها من خلال تحسين حوكمة البنية التحتية.   

 تهدر البلدان ما يتراوح بين 30% و 50% من الأموال التي تنفقها على البنية التحتية.

جسر إلى المستقبل

يتيح التعافي الاقتصادي من جائحة كوفيد-19 فرصة فريدة للبلدان كي تبني جسرا إلى المستقبل من خلال بنية تحتية عامة جيدة التصميم والتنفيذ.

وإذا تم على الوجه الصحيح، فمن شأن الاستثمار العام لتحفيز الطلب الكلي الضعيف أن يشجع نموا أكثر شمولا لكل الشرائح السكانية، والحد من أوجه عدم المساواة، وخلق الفرص الاقتصادية للجميع. ومن الممكن أن يؤدي الاستثمار في النظم الصحية، والبنية التحتية الرقمية والمراعية للاعتبارات البيئية، إلى تحسين حياة المواطنين، والربط بين الأسواق، وتعزيز صلابة البلدان في مواجهة تغير المناخ* والجوائح المستقبلية. وستحتاج البلدان أيضا إلى زيادة الاستثمار العام لتحقيق "أهداف التنمية المستدامة" (SDGs)، بينما تحتاج الاقتصادات المتقدمة إلى معالجة البنية التحتية المتقادمة، كالطرق والكباري، ونظم الرعاية الصحية.

غير أن كل دولار يتم إنفاقه يجب أن يكون له مردوده، وعند زيادة الإنفاق على البنية التحتية، تحتاج البلدان أيضا أن يكون ذلك الإنفاق بصورة أفضل وأكثر ذكاءً حتى تحقق أقصى المنافع الممكنة في المقابل.

وبناء على عمل الصندوق التحليلي والمتعلق بتنمية القدرات، بما في ذلك تقييمات إدارة الإنفاق العام* (PIMAs) التي أجريت في أكثر من 60 بلدا عضوا، يقدم كتابنا خارطة طريق للبلدان الأعضاء حتى تنتقل من "الطموح إلى العمل" بغية التوصل إلى نتائج عالية الجودة في مجال البنية التحتية وتحقيق كل المكاسب الاقتصادية والاجتماعية الممكنة من الاستثمار العام.

ويسلط الكتاب الضوء على ركيزة الحوكمة القوية للبنية التحتية ويتضمن ممارسات مبتكرة في مجالات أساسية. ونسوق أمثلة لكيفية السيطرة على الفساد في مشروعات البنية التحتية، وكيفية تخفيف مخاطر المالية العامة وإدارتها، وإدماج التخطيط وإعداد الميزانية، واعتماد ممارسات سليمة في مرحلة مبكرة من دورة الاستثمار العام، وكذلك أثناء تقييم المشروعات واختيارها، وهو مجال غالبا ما يعتريه القصور في كثير من البلدان.

وقد وضعت شيلي، على سبيل المثال، نظاما شاملا لحوكمة البنية التحتية حقق لها وفرا في التكلفة. وفي كوريا، أدى اعتماد نافذة قومية موحدة للمشتريات العامة إلى تحسينات في نظام المشتريات العامة من حيث الشفافية والنزاهة.

ويغطي الكتاب أيضا مجالات ناشئة في حوكمة البنية التحتية، مثل أهمية الحفاظ على أصول البنية التحتية العامة وإدارتها، وبناء الصلابة في مواجهة تغير المناخ. فجنوب إفريقيا، على سبيل المثال، وضعت إرشادات ومعايير للحفاظ على البنية التحتية العامة لتجنب تدهور قيمة الأصول العامة كالطرق والجسور.

ويشدد الكتاب على أن مؤسسات حوكمة البنية التحتية غالبا ما تبدو في صورة أفضل على الورق منها في الواقع العملي. ويشير هذا إلى أن وضع أطر جيدة التصميم ليس هو المهم وحده، بل من المهم أيضا أن يتم التركيز على مدى كفاءة هذه الأطر في التطبيق العملي.

والرسالة الكلية بسيطة: يمكن للبلدان أن تضع نهاية للإهدار في الاستثمار العام وخلق بنية تحتية عالية الجودة باتخاذ إجراءات محددة لتحسين حوكمة البنية التحتية. ولإعادة بناء الاقتصادات في أعقاب جائحة كوفيد-19، سيكون هذا الأمر أكثر أهمية مما كان في أي وقت مضى.

وسيتضمن عدد أكتوبر 2020 من تقرير الراصد المالي مزيدا من تحليلات الصندوق ومشورته بشأن السياسات حول أفضل الطرق التي يمكن أن تسلكها البلدان للاستثمار في البنية التحتية من أجل بناء اقتصاد وتعافٍ مستدامين.   

*بالانجليزية

*****

غيرد شوارتز يعمل نائبا لمدير إدارة شؤون المالية العامة بالصندوق، حيث يشرف على عمل الإدارة المتعلق بإدارة المالية العامة، بما في ذلك حوكمة البنية التحتية. وقبل انضمامه إلى الصندوق، عمل في بنك الاستثمار الأوروبي وبنك التنمية للبلدان الأمريكية. والسيد شوارتز حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة ولاية نيويورك في ألباني وله أبحاث عن القضايا المتعلقة بسياسات وإدارة المالية العامة والقطاع المالي.

منال فؤاد هي رئيس قسم الإدارة المالية العامة (2) التابع لإدارة شؤون المالية العامة بالصندوق. وهي خبيرة في المالية العامة وقدمت المشورة للحكومات بشأن سياسة المالية العامة وتنمية القدرات فيما يتعلق بالأطر المالية-الكلية، وشفافية المالية العامة، وحوكمة البنية التحتية. وتشرف السيدة منال على برامج تنمية القدرات في مجال الإدارة المالية العامة لمناطق إفريقيا الناطقة بالفرنسية والبرتغالية، وآسيا والمحيط الهادئ، ونصف الكرة الغربي. وقد تقلدت مناصب عديدة في إدارة شؤون المالية العامة ومعهد تنمية القدرات بالصندوق. وهي حاصلة على درجة الدكتوراه من معهد الدراسات العليا الدولية والإنمائية في جنيف.

تورين هانسن هو نائب رئيس قسم الإدارة المالية العامة (1) التابع لإدارة شؤون المالية العامة بالصندوق. ومنذ انضمامه إلى الصندوق في عام 2013 وهو يقود أنشطة تنمية القدرات التي تركز على الشرق الأوسط وأوروبا وبلدان إفريقيا الناطقة بالإنجليزية كما شارك في العمل التحليلي المعني بالإدارة المالية العامة، بما في ذلك حوكمة البنية التحتية. وقبل انضمامه إلى الصندوق، تقلد مناصب رفيعة في وزارة المالية ومكتب رئيس الوزراء في الدانمارك. والسيد هانسن حاصل على درجة الماجستير في الاقتصاد من جامعة كوبنهاغن.

جنيفياف فيردييه تعمل رئيس قسم في إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى. وقبل انضمامها إلى الصندوق، كانت أستاذا مساعدا للاقتصاد في جامعة تكساس إيه آند إم. وسبق لها العمل اقتصادية في إدارة البحوث في بنك كندا المركزي. والسيدة فيردييه حاصلة على درجة الدكتوراه من جامعة بريتيش كولومبيا، وفي سياق عملها حتى الآن وفي دراساتها المنشورة ضمن أبحاث الصندوق ومطبوعاته المتعلقة بالسياسات، والكتب والدوريات المتخصصة الخاضعة لمراجعة النظراء، تغطي السيدة فيردييه مجموعة واسعة من قضايا الاقتصاد الكلي المتعلقة بكفاءة الإنفاق العام، والاستثمار العام، وإعادة هيكلة الدين السيادي، والنمو الاقتصادي، والتطور المالي.