كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يوسع الفجوة بين البلدان الغنية والفقيرة

3 ديسمبر 2020

(الصورة: Wenjin Chen/iStock by Getty Images)

(الصورة: Wenjin Chen/iStock by Getty Images)

من المتوقع للتكنولوجيات الجديدة، مثل الذكاء الاصطناعي (AI) وتعلُّم الآلة والروبوتات والبيانات الضخمة والشبكات، أن تُحْدِث ثورة في عمليات الإنتاج، ولكنها قد تترك تأثيرا كبيرا أيضا على الاقتصادات النامية. فعلى سبيل المثال، هناك اختلاف كبير بين الفرص ومصادر النمو المحتملة التي حظيت بها الولايات المتحدة والصين أثناء مراحل التنمية الاقتصادية المبكرة التي مرت بها وما تواجهه كمبوديا وتنزانيا في عالم اليوم.

ويخلص بحث أجراه خبراؤنا مؤخرا* إلى أن التكنولوجيا الجديدة تجلب معها مخاطر اتساع الفجوة بين البلدان الغنية والفقيرة عن طريق تحويل مزيد من الاستثمارات إلى الاقتصادات المتقدمة التي أصبحت الأتمتة فيها سمة مستقرة. وبالتالي، قد تنشأ عن ذلك عواقب سلبية على الوظائف في البلدان النامية لأنه يهدد بإحلال قوتها العاملة المتنامية بدلا من أن يكون مكملا لها، وهي التي عادة ما كانت تمثل ميزة في الاقتصادات الأقل تقدما. وللحيلولة دون هذا التباعد المتزايد، سيكون على صناع السياسات في الاقتصادات النامية اتخاذ إجراءات لرفع الإنتاجية وتحسين المهارات بين العاملين.

نتائج مستمدة من نموذج

ينظر نموذجنا في حالة بلدَين (أحدهما متقدم والآخر نام) ينتجان السلع باستخدام ثلاثة من عوامل الإنتاج: العمل ورأس المال و"الروبوتات". ونُفَسِّر "الروبوتات" عموما بأنها تشمل كل أنواع التكنولوجيا الجديدة المذكورة آنفا، ونضع افتراضا أساسيا في النموذج هو أن الروبوتات تحل محل العمالة البشرية. أما ثورة الذكاء الاصطناعي في إطارنا فهي تمثل زيادة في إنتاجية الروبوتات.

ونخلص إلى أن التباعد بين الاقتصادات النامية والمتقدمة يمكن أن يطرأ من خلال ثلاث قنوات مختلفة: نسبة المشاركة في الإنتاج، وتدفقات الاستثمار، ومعدلات التبادل التجاري.

نسبة المشاركة في الإنتاج: تتيح الاقتصادات المتقدمة أجورا أعلى لأن الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج أعلى. وهذه الأجور الأعلى تدفع الشركات في الاقتصادات المتقدمة على استخدام الروبوتات بكثافة أكبر مبدئيا، وخاصة حين يكون من السهل إحلال الروبوتات محل العمالة البشرية. وبعد ذلك، حين ترتفع إنتاجية الروبوتات، يحقق الاقتصاد المتقدم استفادة أكبر على المدى الطويل. ويزداد هذا التباعد كلما زاد استخدام الروبوتات بدلا من العمالة البشرية.

تدفقات الاستثمار: مع زيادة إنتاجية الروبوتات، تزداد قوة الطلب على الاستثمار فيها وفي رأس المال التقليدي (الذي يُفترض أن يكون مكملا للروبوتات والعمل). ويكون هذا الطلب أكبر في الاقتصادات المتقدمة نظرا لاستخدامها الروبوتات بكثافة أكبر (قناة "نسبة المشاركة في الإنتاج" التي ناقشناها آنفا). ونتيجة لذلك، تتحول الاستثمارات بعيدا عن البلدان النامية وتُوَجَّه لتمويل هذا النوع من رأس المال ولمراكمة الروبوتات في الاقتصادات المتقدمة، مما يقود إلى هبوط انتقالي في إجمالي الناتج المحلي لدى البلدان النامية.

معدلات التبادل التجاري: من المرجح أن يكون الاقتصاد النامي متخصصا في قطاعات أكثر اعتمادا على العمالة غير الماهرة، وهو نوع العمالة الأكثر وفرة في هذه الاقتصادات مقارنة بالاقتصادات المتقدمة. وإذا افترضنا استخدام الروبوتات بدلا من العمالة غير الماهرة ولكن مع عدد مكمل من العمالة الماهرة، قد يحدث انخفاض دائم في معدلات التبادل التجاري في المنطقة النامية بعد ثورة الروبوتات. ويرجع ذلك إلى أن الروبوتات ستتسبب في تسريح العمال غير المهرة أكثر من غيرهم، مما يتسبب في انخفاض أجورهم النسبية وهبوط سعر السلعة التي يُستخدمون في إنتاجها بكثافة أكبر. وبدوره، يصبح هبوط السعر النسبي لإنتاجها الأساسي بمثابة صدمة سلبية أخرى، مما يحد من الحافز على الاستثمار وربما يقود إلى هبوط ليس فقط في إجمالي الناتج المحلي النسبي بل وفي إجمالي الناتج المحلي المطلق أيضا.

التباعد بين مستويات الدخل 

الروبوتات والأجور

تتوقف نتائجنا بشكل حاسم على ما إذا كانت الروبوتات ستحل بالفعل محل العمالة البشرية. وبينما قد يكون من المبكر أن نتنبأ بمدى هذا الإحلال في المستقبل، فإننا نجد من الأدلة ما يشير إلى ذلك. وعلى سبيل التحديد، نجد أن الأجور الأعلى تترافق مع ارتفاع كبير في استخدام الروبوتات، مما يعزز الفكرة القائلة بأن الشركات ستستخدم الروبوتات بدلا من العمال نظرا لارتفاع تكاليفهم.

الأجور الحقيقية الأعلى تبدو مرتبطة بزيادة استخدام الروبوتات في الصناعة التحويلية

الانعكاسات

ويمثل التحسن في إنتاجية الروبوتات دافعا للتباعد بين البلدان المتقدمة والنامية إذا حلت الروبوتات بسهولة محل العمال. وبالإضافة إلى ذلك، فغالبا ما يؤدي هذا التحسن إلى زيادة الدخل ولكنه يؤدي أيضا إلى زيادة عدم المساواة في توزيعه، على الأقل أثناء الفترة الانتقالية وربما على المدى الطويل بالنسبة لبعض مجموعات العمال، سواء في الاقتصادات المتقدمة أو النامية.

ولا يوجد حل سحري لتجنب التباعد. فنظرا للوتيرة السريعة التي تسير بها ثورة الروبوتات، فإن البلدان النامية ينبغي أن تستثمر في رفع الإنتاجية الكلية ومستويات المهارة بصورة عاجلة أكثر من أي وقت مضى، حتى تكون الروبوتات مكملا للقوى العاملة فيها وليست بديلا لها. وبالطبع، فإن القول أسهل من التنفيذ. وفي نموذجنا، تكون زيادة الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج – وهي المسؤولة عن كثير من الفروق المؤسسية والأساسية الأخرى بين البلدان النامية والمتقدمة التي لا تفسرها مدخلات العمل ورأس المال – مفيدة بوجه خاص لأنها تحفز تراكم المزيد من الروبوتات ورأس المال المادي. ومثل هذه التحسينات دائما ما تكون مفيدة، ولكن مكاسبها تزداد قوة في سياق ثورة الذكاء الاصطناعي.

وتؤكد نتائجنا أيضا أهمية تراكم رأس المال البشري لتجنب التباعد كما تشير إلى احتمال وجود ديناميكية نمو مختلفة بين الاقتصادات النامية التي تتفاوت مستوياتها المهارية. ومن المرجح أن يكون المشهد أصعب بكثير في البلدان النامية التي كانت تأمل في تحقيق مكاسب عالية من التحول الديمغرافي الذي تترقبه باهتمام بالغ. وكان صناع السياسات قد رحبوا بتزايد السكان الشباب في البلدان النامية باعتباره فرصة كبيرة ممكنة للاستفادة من تحول الوظائف عن الصين نتيجة لارتقائها من مستوى الدخل المتوسط. وتشير نتائجنا إلى أن الروبوتات قد تسرق هذه الوظائف، مما يستوجب على صناع السياسات التحرك لتخفيف هذه المخاطر. ففي مواجهة هذه الضغوط المدفوعة بالتكنولوجيا على وجه الخصوص، سيؤدي تحقيق نقلة كبيرة وسريعة في تحسين مكاسب الإنتاجية والاستثمار في التعليم وتنمية المهارات إلى الاستفادة من هذا التحول الديمغرافي المنتظر.

* بالانجليزية

*****

كريستيان ألونسو اقتصادي في إدارة شؤون المالية العامة بصندوق النقد الدولي، حيث يعمل حاليا على القضايا المتعلقة بالاستهلاك والدخل وعدم المساواة بين الجنسين وأسواق العمل وسياسة المالية العامة. والسيد ألونسو حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة برينستون.

سيدارث كوثاري اقتصادي في إدارة آسيا والمحيط الهادئ بصندوق النقد الدولي، حيث يغطي أستراليا والتطورات الإقليمية الأوسع نطاقا التي يتناولها قسم الدراسات الإقليمية. وتتمثل اهتماماته البحثية الرئيسية في الاقتصاد الكلي والتنمية. والسيد سيدارث حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة ستانفورد.

سيدرا رحمان اقتصادية في إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى بصندوق النقد الدولي. وقبل اضطلاعها بدورها الحالي، عملت في إدارة البحوث وإدارة آسيا والمحيط الهادئ بالصندوق، كما عملت في البنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية قبل انضمامها إلى الصندوق. وتتمثل اهتماماتها البحثية الرئيسية في اقتصاديات التنمية مع تركيز على النمو، وقضايا التجارة ورأس المال البشري. والسيدة رحمان حاصلة على درجتي الدكتوراه والماجستير في الإدارة العامة من جامعة كولومبيا، والبكالوريوس من جامعة لاهور لعلوم الإدارة.