تسوية الاختلافات: سياسات العمل من أجل تعافٍ أكثر عدالة

30 مارس 2021

 (الصورة: Ricardo-Rubio-LagenciaEP-Newscom)

(الصورة: Ricardo-Rubio-LagenciaEP-Newscom)

كان تدمير الوظائف الناجم عن جائحة كوفيد-19 أمرا حتميا وسريعا. والآثار الممتدة على العمالة من جراء الأزمة يمكن أن تكون مؤلمة وغير متكافئة بنفس القدر.

فالعمالة الشابة والأقل مهارة مُنيت في المتوسط بقدر من أشد الضربات. ونالت المرأة كذلك نصيبها من المعاناة، لا سيما في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. ويعاني عدد كبير من هذه العمالة من مشكلات فقدان الدخل وصعوبة البحث عن فرص العمل. وحتى بعد انحسار الجائحة، فإن التغييرات الهيكلية التي تطرأ على الاقتصاد في أعقاب الصدمة قد تعني أن بعض الخيارات الوظيفية في بعض القطاعات والمهن قد تنكمش إلى الأبد بينما ينمو غيرها. 

وفي آخر إصداراتنا من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي نستعرض كيف يمكن للسياسات المساهمة في التقليل من الآثار العنيفة وغير المتكافئة الناجمة عن الجائحة. ونخلص إلى أن اعتماد حزمة من التدابير لمساعدة العمال على الاحتفاظ بوظائفهم بينما لا تزال صدمة الجائحة مستمرة، واقترانها بإجراءات لخلق الوظائف وتخفيف أثر التكيف مع الوظائف والمهن الجديدة مع انحسار الجائحة، يمكن أن يخفف من الآثار السلبية بدرجة كبيرة ويحسن فرص تعافي سوق العمل.

تعافٍ غير متكافئ من الجائحة

ازدياد الأتمتة

تضررت غالبا الوظائف الأقل اعتمادا على المهارات والأكثر عرضة للأتمتة أكثر من سواها أثناء فترة الركود المصاحبة للجائحة. ورغم أن الآثار الواقعة على قطاعات معينة اختلفت عن فترات الركود الماضية، فقد تسببت الجائحة في تسريع وتيرة الاتجاهات العامة السائدة من قبل على مستوى التوظيف، فعززت من حدوث تحول بعيدا عن التوظيف في قطاعات ومهن أكثر عرضة للأتمتة.

ومن تلك القطاعات الأكثر انكماشا بسبب الأزمة الفنادق والمطاعم (قطاع خدمات الإقامة والأغذية) ومتاجر الجملة والتجزئة (قطاع التجارة). فقد أدت إجراءات التباعد الاجتماعي والتغيرات السلوكية التي حفزتها الجائحة إلى تكثيف تخفيضات التوظيف في هذه القطاعات على غرار المعتاد حدوثه في نوبات الهبوط الاقتصادي السابقة. وفي المقابل، نجد أن العام الماضي شهد بالفعل نموا في التوظيف في قطاعي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والتمويل والتأمين. وهناك كثير من القطاعات التي تأثرت أكثر من سواها -ولديها غالبا عدد أقل من الوظائف التي يسهل أداؤها من بُعد- تميل في الغالب إلى توظيف نسبة أعلى من الشباب والنساء والعمالة الأقل مهارة، مما يسهم في الآثار غير المتكافئة بين مختلف فئات العمالة.

الاتجاهات العامة نحو الأتمتة مستمرة

مسار تسلق حاد

تشير الأدلة المستمدة من فترات الركود السابقة إلى أن الجائحة ستخلف على الأرجح تكلفة باهظة على العاطلين، لا سيما العمالة الأقل مهارة. ففي أعقاب فترات البطالة، يضطر العمال غالبا لتغيير مهنهم لإيجاد فرص عمل جديدة، تأتي غالبا بتخفيضات في الأجر. وفي المتوسط، يلاحظ أن العاطلين عن العمل الذين يعثرون على فرص لإعادة التوظيف في مهن جديدة يتعرضون لغرامة كبيرة في متوسط الدخل بنسبة تصل إلى 15% مقارنة بدخولهم السابقة.

ويتعرض العمال الأقل مهارة إلى صدمة ثلاثية الأبعاد: حيث يتم تعيينهم على الأرجح في قطاعات تتأثر سلبا بالجائحة بدرجة أكبر؛ وهم معرضون على الأرجح لأن يصبحوا عاطلين عن العمل في حالات الهبوط الاقتصادي؛ وبالنسبة لمن يتمكنون من العثور على فرص عمل جديدة فهم بحاجة على الأرجح لتغيير مهنهم والمعاناة من هبوط مستويات الدخل.

تحقيق التوازن السليم

تشير تحليلاتنا إلى الأهمية القصوى لما يمكن أن تقوم به السياسات الملائمة للحد من الآثار الاقتصادية الغائرة والآثار غير المتكافئة بين مختلف فئات العمالة. ففي غياب إجراءات لدعم سوق العمل (سيناريو عدم وجود سياسات)، من شأن وقوع صدمة اقتصادية ناجمة عن جائحة تلحق الضرر بالمهن على نحو غير متماثل أن يؤدي إلى ارتفاع هائل وسريع في معدل البطالة وإجراء تعديلات شديدة مع تحسن الأوضاع الاقتصادية بالتدريج.

الاتجاهات العامة نحو الأتمتة مستمرة 

أما إذا تمت الاستعانة بدعم الحفاظ على الوظائف وإعادة توزيع العمالة ضمن حزمة من التدابير، فسوف يكون أثر الصدمة أقل وطأة على التوظيف وتتمكن العمالة والشركات من التكيف على نحو أسرع. وهذا المزيج من الدعم على مستوى السياسات سيفيد أيضا العمالة الأقل مهارة بدرجة أكبر، حيث تعاني غالبا بدرجة أكبر من آثار الجائحة الأشد وطأة على الأعمال كثيفة المخالطة لكنها أقل إنتاجية. ومن شأن إجراءات الحفاظ على الوظائف (مثل برامج ساعات العمل المخفضة - مثل برنامج Kurzarbeit المعمول به في ألمانيا- وإعانات دعم الأجور - مثل برنامج حماية الأجور الجديد في الولايات المتحدة) أن تساهم في المحافظة على الوظائف في مواجهة الصدمة الأولية الناجمة عن الجائحة، عندما تكون مستويات التباعد الاجتماعي مرتفعة، مما يخفض معدل البطالة بنحو 4,5 نقطة مئوية عن المستوى الذي كان ليبلغه بدون مثل هذا الدعم. ومع انحسار الجائحة، من شأن سياسات إعادة توزيع العمالة - مثل حوافز بدء مشروعات جديدة وتعيين العمالة، والمساعدة في تيسير التوافق بين مهارات العمالة واحتياجات الوظائف الجديدة، وبرامج التدريب (إعادة التدريب)، أن تساهم في التخفيف من حدة التكيف مع الآثار الدائمة للجائحة على هيكل التوظيف. ومن الممكن أيضا تسريع وتيرة التعافي بتوجيه بعض الإجراءات على مستوى السياسات نحو فئات السكان الأشد تأثرا (كالشباب).

وسيتعين على صناع السياسات توخي الدقة عند مراعاة مسار الجائحة (بما في ذلك حالات الإصابة والوفيات، ودرجة تنفيذ إجراءات التباعد، ونشر اللقاحات) عند اتخاذ القرار بشأن قدرة الاقتصاد على تحمل الانتقال من إجراءات تدعم أساسا الوظائف الحالية إلى سياسات تهدف إلى تعجيل انتقال العمالة إلى القطاعات والمهن الآخذة في النمو. ومن شأن التوازن السليم في اختيار السياسات أن يحد من الآثار غير المتكافئة للجائحة على مختلف فئات العمال ويشجع سرعة تعافي سوق العمل.

تستند هذه المعلومات إلى الفصل الثالث من تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" بعنوان "حالات الركود والتعافي في أسواق العمل: أنماط وسياسات واستجابات لصدمة كوفيد-19"، من إعداد فريق مكون من جون بلودورن (رئيسا)، وفرانشيسكا كاسيللي، ووينجي تشن، ونيلز-جاكوب هانسن، وهورهيه موندراغون، وإيبي شيباتا، ومارينا تافاريس، وقدم الدعم كل من يويو هوانغ، وكريستوفر جونز، وسينثيا نياكيري.

*****

جون بلودورن يعمل نائب رئيس القسم المعني بتقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" في إدارة البحوث بالصندوق. وكان في السابق اقتصاديا أول في وحدة الإصلاحات الهيكلية بإدارة البحوث، وعضوا في فريق الصندوق المعني بمنطقة اليورو في الإدارة الأوروبية، وشارك كاقتصادي في "تقرير آفاق الاقتصاد العالمي" حيث ساهم في عدد من فصوله. وقبل انضمامه إلى الصندوق كان زميلاً باحثاً لدراسات ما بعد الدكتوراه في جامعة أكسفورد ثم أستاذاً في جامعة ساوثهامبتون في المملكة المتحدة. وللسيد بلودورن أبحاث منشورة عن طائفة من الموضوعات المتعلقة بالتمويل الدولي، والاقتصاد الكلي، والتنمية. وهو حاصل على درجة الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا، بيركلي.