تمويل التعافي في البلدان منخفضة الدخل بعد كوفيد

6 أبريل 2021

(الصورة: NOOR KHAMIS/REUTERS/Newscom)

(الصورة: NOOR KHAMIS/REUTERS/Newscom)

يواجه الكثير من أفقر بلدان العالم حاليا تهديدا يتمثل في ضعف التعافي والانتكاس في مسارها الإنمائي. وتشير التقديرات الواردة في دراستنا* إلى أن البلدان منخفضة الدخل ستكون بحاجة إلى حوالي 200 مليار دولار حتى عام 2025 من أجل تكثيف جهود استجابتها للجائحة، بالإضافة إلى مبلغ قدره 250 مليار دولار للحاق بركب الاقتصادات المتقدمة. وستكون بحاجة إلى مبلغ إضافي قدره 100 مليار دولار في حالة تحقق المخاطر المتوقعة في السيناريو الأساسي. وستقتضي تلبية هذه الاحتياجات استجابة قوية منسقة ذات أوجه متعددة.

الجائحة تسببت في توقف مفاجئ للنمو في 2020 والتعافي قد يكون بطيئا. 

غير أن هناك عدة عوامل تعوق التعافي الاقتصادي في البلدان منخفضة الدخل. أولا، تواجه هذه البلدان مشكلة التفاوت في فرص الحصول على اللقاحات. فأغلبها يعتمد بالكامل تقريبا على آلية "كوفاكس" متعددة الأطراف —وهي مبادرة عالمية تهدف إلى تحقيق تكافؤ فرص الحصول على اللقاحات وتعمل تحت قيادة مجموعة من المنظمات الدولية. ومن المقرر في الوقت الحالي اضطلاع آلية "كوفاكس" بتوريد اللقاحات التي تكفي 20% فقط من السكان في البلدان منخفضة الدخل.

ثانيا، كان حيز السياسات المتاح للاستجابة للأزمة محدودا في البلدان منخفضة الدخل - إذ كانت تفتقر على وجه التحديد لسبل الإنفاق الإضافي (انظر الرسم البياني).

الموارد المالية المحدودة لم تسمح للبلدان منخفضة الدخل بالاستجابة للأزمة إلا في حدود ضيقة للغاية. 

ثالثا، لا يزال النمو يتعرض لمعوقات نتيجة مواطن الضعف القائمة من قبل، بما في ذلك مستويات الدين العام المرتفعة في كثير من البلدان منخفضة الدخل، والمستويات الضعيفة، وأحيانا السلبية، لأداء نمو الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج في بعض البلدان منخفضة الدخل.

الاحتياجات التمويلية

تعرض دراستنا تقديرات للاحتياجات التمويلية على مدار الأعوام الخمسة القادمة لكي تتمكن البلدان منخفضة الدخل من الخروج من الجائحة وتأمين تعاف يتسم بالصلابة، بالإضافة إلى التقديرات المفترضة في السيناريو الأساسي في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي.

الموارد المالية المحدودة لم تسمح للبلدان منخفضة الدخل بالاستجابة للأزمة إلا في حدود ضيقة للغاية. 

ففي خطوة أولى، وضعنا تقديرات لما تحتاجه البلدان منخفضة الدخل لرفع مستويات إنفاقها للاستجابة للجائحة، بما في ذلك الإنفاق المرتبط باللقاحات، وإعادة بناء احتياطياتها أو المحافظة عليها. وتشير تحليلاتنا إلى الحاجة لقرابة 200 مليار دولار لتحقيق هذه الأهداف.

وفي خطوة ثانية، وضعنا تقديرات للاحتياجات التمويلية التي تسمح للبلدان منخفضة الدخل بتسريع وتيرة التقارب مع الاقتصادات المتقدمة. وخلصت دراستنا إلى ضرورة توفير مبلغ إضافي قدره 250 مليار دولار. أما إذا تحققت المخاطر المحددة في سيناريو التطورات المعاكسة، فسوف تزيد احتياجات الإنفاق بما يبلغ 100 مليار دولار.

ونظرا لمستويات الدين السائدة في البلدان منخفضة الدخل، فإن جانبا فقط من هذا الإنفاق يمكن تمويله بالاقتراض. ولكن في ظل هذه الزيادة في التمويل، سيكون بوسع البلدان منخفضة الدخل استئناف الشوط الذي قطعته قبل الجائحة للتقارب مع الاقتصادات المتقدمة بحلول عام 2025.

استجابة متعددة الأوجه

وستتطلب تلبية هذه الاحتياجات التمويلية الإضافية استجابة متعددة الأوجه تتألف من ثلاثة عناصر رئيسية.

أولا، ضمان تعافي الاقتصادات منخفضة الدخل تعافيا كاملا سيتطلب قدرا كبيرا من الدعم من المجتمع الدولي. وسيكون ضمان كفاية الإنتاج العالمي من اللقاحات وتوزيعها على الجميع بأسعار في المتناول عاملا حاسما في هذا الشأن.

وبالإضافة إلى ذلك، سيكون من الضروري توفير حزمة تدابير مالية شاملة، بما في ذلك المنح والتمويل الميسر، بالإضافة إلى مساعدات تخفيف أعباء الديون عند اللزوم. وسيضطلع صندوق النقد الدولي وبنوك التنمية متعددة الأطراف بدور رئيسي في هذه الحزم المالية.

ثانيا، هناك حاجة لوضع برنامج إصلاح محلي طموح للبلدان منخفضة الدخل بغية تعزيز القدرة التنافسية والنمو الممكن. وهذا يشمل تحسين نظم الحوكمة ومناخ الأعمال، وتعزيز تعبئة الإيرادات المحلية، وتطوير الأسواق المالية المحلية، وتحسين الإدارة الاقتصادية والمالية.

ومن المفترض أن تؤدي هذه الإصلاحات بدورها إلى تحفيز العنصر الثالث من الاستجابة متعددة الأوجه، وهو تشجيع القطاع الخاص المحلي والتمويل الخاص الخارجي.

وسيشارك الصندوق في هذه الاستجابة متعددة الأوجه مشاركة كاملة، حيث أطلق بالفعل عدة تدابير لدعم بلدانه الأعضاء ذات الدخل المنخفض من خلال ما يلي:

  • توسيع نطاق الاستفادة من الموارد المتاحة بشروط مُيَسَّرة* في إطار الصندوق الاستئماني للنمو والحد من الفقر، بما في ذلك التوسع في إتاحة فرص الحصول على التمويل الطارئ. ففي خلال الفترة من مارس 2020 إلى مارس 2021، صدرت الموافقة على توفير تمويل بمبلغ قدره 13 مليار دولار تقريبا لأكثر من 50 بلدا منخفض الدخل. ويعكف الصندوق حاليا على مراجعة إطاره الإقراضي للبلدان منخفضة الدخل، بخلاف الزيادة المؤقتة في حدود الاستفادة من موارده.
  • اقتراح بتوزيع مخصصات جديدة من حقوق السحب الخاصة*. فهناك تأييد متزايد في الوقت الحالي بين أعضاء الصندوق من أجل توزيع محتمل للمخصصات من حقوق السحب الخاصة بقيمة قدرها 650 مليار دولار. وهذا من شأنه تلبية الاحتياج العالمي طويل الأجل للأصول الاحتياطية وإعطاء دفعة كبيرة من السيولة لكل البلدان الأعضاء.
  • تقديم مساعدات تخفيف أعباء الديون من خلال الصندوق الاستئماني لاحتواء الكوارث وتخفيف أعباء الديون إلى 29 بلدا مؤهلا. وكانت الموافقة الأخيرة على صرف الشريحة الثالثة من هذه المساعدات، والتي تغطي الفترة من إبريل إلى أكتوبر 2021، قد وصلت بمجموع مساعدات تخفيف أعباء خدمة الدين منذ إبريل 2020 إلى 740 مليون دولار. ومثل هذا التخفيف للأعباء يوفر الحيز اللازم للبلدان الفقيرة من أجل زيادة إنفاقها على المجالات ذات الأولوية أثناء الجائحة.
  • تأييد تمديد العمل بمبادرة مجموعة العشرين لتعليق مدفوعات خدمة الدين لفترة إضافية حتى نهاية ديسمبر 2021. وقد أتاحت هذه المبادرة تخفيفا لأعباء مدفوعات خدمة الدين بمبلغ قدره 5,7 مليار دولار أمريكي لعدد 43 بلدا في عام 2020 ومن المتوقع أن تتيح دعما إضافيا لتعليق مدفوعات خدمة الدين بقيمة تصل إلى 7,3 مليار دولار أمريكي إلى 45 بلدا حتى نهاية شهر يونيو 2021.

إن احتياجات أفقر البلدان على مدار السنوات الخمس القادمة هائلة، غير أنها ليست بعيدة المنال. ولكن هناك حاجة لحزمة من التدابير القوية التي تتسم بالتنسيق والشمول. وهذا ما سيضمن للبلدان منخفضة الدخل تحقيق تعافٍ سريع والانتقال إلى تحقيق نمو أخضر رقمي احتوائي للجميع يكفل لها تسريع وتيرة التقارب مع الاقتصادات المتقدمة النظيرة.

* بالانجليزية

******

غويوم شابير، من مواليد عام 1970، هو من خريجي كبرى كليات الهندسة الفرنسية، Ecole Centrale de Paris""، ومعهد باريس للدراسات السياسية، والمدرسة الفرنسية العليا لدراسات الخدمة المدنية (ENA). وقد استهل حياته المهنية في عام 2000 بالمديرية العامة لشؤون الحكومة العامة في وزارة الداخلية الفرنسية، قبل أن يلتحق بالعمل في عام 2004 بالمديرية العامة لشؤون الخزانة في وزارة المالية الفرنسية ("الخزانة العامة الفرنسية"). وفي عام 2010، تم تعيين غويوم شابير مدير مشروع في مجموعة العشرين حيث ترأس الفريق المعني بتنسيق أعمال رئاسة فرنسا في عام 2011 لمجموعة العشرين (ومجموعة السبعة ومجموعة الثمانية) في الخزانة العامة الفرنسية. وبعد سنتين في ستوكهولم، تولى خلالهما السيد شابير إدارة شؤون "الإدارة الإقليمية للشؤون الاقتصادية في بلدان الشمال الأوروبي (السويد والدانمرك وفنلندا والنرويج وآيسلندا) تم تكليفه في سبتمبر 2013 بالعمل كمستشار لرئيس الوزراء الفرنسي لشؤون الاقتصاد والمالية والأعمال، ثم تم تعيينه في مايو 2014 نائبا لمدير مكتب وزير المالية الفرنسي. وفي إبريل 2015 شغل السيد شابير منصب الأمين المساعد للشؤون متعددة الأطراف والتجارة وسياسات التنمية في الخزانة العامة الفرنسية، ونائب رئيس نادي باريس ومندوب فرنسا في مجموعة العشرين/مجموعة السبعة للشؤون المالية. وفي يناير 2021 شغل السيد غويوم شابير منصبه الحالي كنائب مدير في إدارة الاستراتيجيات والسياسات والمراجعة بصندوق النقد الدولي.

روبرت غريغوري يعمل نائب رئيس وحدة في إدارة الاستراتيجيات والسياسات والمراجعة، مع التركيز على سياسة الإقراض. وسبق له العمل في الإدارة الأوروبية حيث كان يغطي آيسلندا، وقبلها المغرب ونيجيريا. وكان السيد غريغوري قد بدأ حياته العملية في شركة Accenture، كما عمل في وزارة الخزانة بالمملكة المتحدة وبنك باركليز. وقد عاد مؤخرا إلى الصندوق بعد فترة إعارة في حكومة المملكة المتحدة، حيث ركز في عمله على السياسة التجارية.

غايل بيير تعمل اقتصادية أولى في إدارة الاستراتيجيات والسياسات والمراجعة في صندوق النقد الدولي. ومنذ التحاقها بالعمل في الصندوق في عام 2013 نشرت دراسات عن مجموعة متنوعة من الموضوعات حول منطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، بما في ذلك الأثر الاقتصادي الكلي للصراعات وأزمة اللاجئين، وفواتير الأجور العامة، وتشجيع النمو والاحتوائية، وكذلك حول إصلاحات الحوكمة الاقتصادية لدعم النمو الاحتوائي. وتعمل في الوقت الحالي ضمن فريق الخبراء المختص بموزامبيق وسبق لها العمل على قضايا الجزائر وإيران وسوريا. وقبل التحاق السيدة غايل بالصندوق، كانت اقتصادية أولى في البنك الدولي، حيث تركز عملها على قضايا سوق العمل والحماية الاجتماعية في البلدان النامية. ولها دراسات منشورة في دوريات مُحَكَّمة ومطبوعات رئيسية وكتب. وهي حاصلة على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة وورويك والماجستير في الاقتصاد من كلية لندن لعلوم الاقتصاد.