ومن هنا يجب أن تكون خارطة القرن الواحد والعشرين نقطة انطلاق أشمل وأكثر تركيزا على النظم الحيوية، وذلك بالاعتراف بأن الاقتصاد مُتَضَمَنٌ في العالم الحي ومُعتمِد عليه في آن واحد (الرسم البياني 2).

ومن أكثر الأعمال عمقا وأهمية لتجديد الاقتصاد في هذا القرن تلك الخطوة التي تبدو بديهية، والتي يتم فيها وصف الاقتصاد باعتباره نظاما متفرعا من المحيط الحيوي للكرة الأرضية. ويدعو ذلك إلى اعتراف كافة التحليلات الاقتصادية بأن الاقتصاد نظام مفتوح – يزخر بالتدفقات الداخلة والخارجة الكبيرة من الطاقة والمادة – داخل المحيط الحيوي المتفرد والدقيق التوازن حول كوكبنا الأرضي.
ومن هذا المنظور يتضح أن الطاقة، وليس المال، هي عملة الحياة الأساسية، وأن تلك العملة هي الركيزة الأساسية لكافة الأنظمة البشرية والبيئية والصناعية. ومن هنا فإن الاعتماد على الطاقة يكمن في صلب تفكير الخبير الاقتصادي. ويجب أن نقر بأن استمرار استخدام البشرية للموارد يفرض ضغوطا هائلة على حدود الكوكب، مما يسفر عن خطر كبير يهدد بتقويض الاستقرار البيئي الذي تعتمد عليه حياة الإنسان وكافة الكائنات الحية اعتمادا أساسيا.
وحين نضع الاقتصاد على هذا النحو في قلب العالم الحي، نجد أن مسعى القرن العشرين لتحقيق نمو لا نهائي يقف على طرف نقيض مع الأدلة المستخلصة من الدراسات التجريبية حتى الآن. ويُلاحَظ أن طُموح تحقيق الانفصال بين انبعاثات الكربون واستخدام المواد الخام القائمين على الاستهلاك وبين نمو إجمالي الناتج المحلي في اقتصادات اليوم ذات الدخل المرتفع لا يشهد تقدما يُذكَر مقارنة بالسرعة والنطاق المطلوبين لتجنب نقاط التحول الحرجة.
ويدعونا هذا بالضرورة إلى التساؤل عن حدود النمو واستكشاف ما بعده من إمكانيات اقتصادية، لا سيما في الاقتصادات الغنية. فقد باتت مواجهة العواقب البيئية للنشاط الاقتصادي التزاما أخلاقيا بالغ الأهمية.
كذلك فإن تبني بوصلة جديدة للفكر الاقتصادي يستلزم تكوين رؤية أكثر شمولا لأنواع النشاط الاقتصادي التي توفر احتياجات الناس الضرورية وتلبي مطالبهم. فعلى مدار فترة تجاوزت القرن، سيطر على الفكر الاقتصادي السائد ما يشبه الملاكمة الأيديولوجية بشأن الدور الذي يضطلع به كل من السوق والدولة. وغفل الجانبان في هذه الأثناء عن مصدرين حيويين آخرين من مصادر توفير الاحتياجات الضرورية، وهما الأسرة والموارد المشتركة. ورغم أن جانبا كبيرا من القيمة التي يولدها هذان المصدران لا تظهر في إجمالي الناتج المحلي، فإنهما يمثلان جزءا أساسيا من نموذج الاقتصاد الضمني لأن القيمة التي تنتج عنهما لا غنى عنها لرفاهية الإنسان.
لنأخذ، على سبيل المثال، الرعاية غير مدفوعة الأجر التي غالبا ما تقدمها المرأة في المنزل، وهي ضرورية لتحقيق الرفاهية وتمثل داعما مستمرا للعمل بأجر. وبالمثل فإن الموارد المشتركة يمكن أن تكون وسيلة بالغة الفعالية لتوفير السلع والخدمات التي لا تنعكس قيمتها في التبادل النقدي – بدءا من البرمجيات مفتوحة المصدر وحتى ويكيبيديا وإدارة مستجمعات المياه العابرة للحدود الوطنية.
إن التجديد الاقتصادي يجب أن يكون هدفه الأول هو ازدهار الإنسان على كوكب حي مزدهر. وإذا كنا نأمل في تحقيق هذا الهدف، فنحن بحاجة إلى نماذج اقتصادية كلية تقر بأن الاقتصاد نظام متفرع من العالم الحي. وضمن هذا العالم، يجب إعادة تصميم النظام المالي ليكون في خدمة الاقتصاد الحقيقي، أي في خدمة الحياة. ويمثل هذا ثورة في المفاهيم، وهي ثورة ضرورية.