وبعيدا عن اقتصادات التحول، كانت الاقتصادات النامية والأسواق الصاعدة تتحول أيضا، فقبلت معظم أفكار النظام الليبرالي والزخم الأوسع نحو تبنيه - مع رفض الجانب النظري - فيما أُطلق عليه توافق آراء واشنطن. ومع ذلك، وفقا لما أكده تقرير "معجزة شرق آسيا" الذي أعده البنك الدولي - وأبرزه غلاف عدد مارس 1994 من مجلة التمويل والتنمية، فإن تدخل الدولة قد يكون عاملا بناء، شريطة ضمان "سلامة الحوكمة".
وجاءت أزمات الأسواق الصاعدة في التسعينات لتختبر قوة التفاؤل بشأن رأسمالية السوق غير الخاضعة للسيطرة. وفي إطار جهود التحرير الاقتصادي، قام العديد من اقتصادات الأسواق الصاعدة بإلغاء قيود رأس المال، فجذبت بذلك تدفقات وافدة كبيرة. غير أنه قبل أن يمضي وقت طويل، أدى خفض سعر العملة عام 1994 في المكسيك - وتلتها بعد فترة قصيرة تايلند وكوريا وإندونيسيا وروسيا والبرازيل والأرجنتين وأوروجواي وتركيا - إلى ظهور عواقب وخيمة تمثلت في انعكاسات حادة في مسار التدفقات الرأسمالية. وبينما كانت جذور أزمات الحساب الرأسمالي ذات خصوصية قُطْرية، أدت حالات عدم اتساق الميزانية العمومية في كل حالة - مثل القروض المقومة بالدولار والمفترض سدادها من أصول تولِّد إيرادات بالعملة المحلية - إلى تعريض الاقتصادات لأحداث مزعزعة للاستقرار، سواء داخليا أو خارجيا، واقتصاديا أو سياسيا.
ومع الكشف لأول مرة عن الجانب المظلم للعولمة المالية عند وقوع الأزمة الآسيوية في 1997-1998 تناول عدد يونيو 1998 من مجلة التمويل والتنمية عرضا مفصلا لتلك الأزمة والدروس المستخلصة منها فكانت بداية العديد من إصلاحات صندوق النقد الدولي. وبصورة أعم، حفزت أزمات الأسواق الصاعدة اتخاذ مختلف المبادرات (مثل المعايير والمواثيق، وبرنامج تقييم القطاع المالي، ونظم الإنذار المبكر) بهدف تقوية البنيان المالي الدولي.
وبينما يمكن أن تكون اقتصادات التحول والأسواق الصاعدة قد استحوذت على العناوين الرئيسية في مجلة التمويل والتنمية، فإن البلدان منخفضة الدخل لم تكن أقل أهمية. وأكد الصندوق على مدار فترة طويلة أن الاستقرار الاقتصادي الكلي ضروري للنمو، والنمو ضروري للحد من الفقر. وجاءت القفزة الفكرية الكبيرة - التي عبر عنها العدد الخاص من مجلة التمويل والتنمية تحت عنوان "كيف يمكن أن نساعد الفقراء" (ديسمبر 2000) - بحيث تم الاعتراف بأن "ضروري" لا تعني "كاف": أي أن الحد من الفقر ينبغي أن يكون هدفا في حد ذاته، إلى جانب النمو. وبالتالي، تم تحويل تسهيل الصندوق الشهير المعروف باسم "التسهيل التمويلي المعزز للتصحيح الهيكلي" إلى "تسهيل النمو والحد من الفقر". ويضطلع حاليا المسؤولون الحكوميون والمجتمع الدولي بصياغة استراتيجيات الحد من الفقر الخاصة بهم في إطار عملية تشاركية، معززين بذلك المسؤولية الوطنية عن البرنامج. واعترافا بجهود الإصلاح التي تبذلها البلدان، وافق الصندوق والبنك كذلك على تخفيف أعباء الديون في إطار "المبادرة المعنية بالبلدان الفقيرة المثقلة بالديون" (التي تمت تكملتها في أواسط العقد الأول من الألفينات بمبادرة أكثر طموحا وهي "المبادرة متعددة الأطراف المعنية بتخفيف الديون").
كذلك طرأ على مجلة التمويل والتنمية تغييرات كبيرة. فبعد فترة قصيرة من تولي جيمس وولفنسون رئاسة البنك الدولي في 1995، انسحب البنك من الشراكة في مجلة التمويل والتنمية. ولكن الصندوق أدرك قيمة المجلة وقرر تمويلها بمفرده. ورغم هذا التحول، فإن المشتركين في المجلة الذين يتجاوز عددهم 110 ألف مشترك لم يلمسوا سوى تغيير طفيف في تغطية الموضوعات. وكان الأهم من ذلك هو التركيز على التواصل البصري، بالاستعانة بأغلفة جذابة وطباعة رباعية الألوان، إلى جانب زيادة الاستعانة بالآراء الخارجية -وحتى الناقدة منها. وفي مارس 1996، بدأت مجلة التمويل والتنمية كذلك تعزيز إصداراتها المطبوعة بإضافة محتوى رقمي.
الدخول في الألفية الجديدة
على مدار السنوات القليلة التالية تألقت مجلة التمويل والتنمية في صيغتها الحديثة. ومع بدء عصر زيادة الشفافية ونشر وثائق الصندوق، انخفضت الحاجة لممارسة المجلة دور الناطق باسم الصندوق. وأصبحت بدلا من ذلك منبرا يمكن أن تُطرح فيه الموضوعات ذات الأهمية للبنك والصندوق لكي يناقشها كبار الخبراء في العالم. وأصبحت أعداد المجلة كذلك أكثر توجها نحو المجالات المواضيعية.
وفي أوائل الألفينات أيضا ظهرت الأسواق الصاعدة على الساحة العالمية. وتولت الاقتصادات الآسيوية قيادة تلك المجموعة: حيث تعافت بلدان الأزمة، واستيقظ العملاقان النائمان - أي الصين والهند. لكن الأمر لم يقتصر على آسيا وحدها: فقد تحسنت مستويات الأداء والتوقعات بدرجة كبيرة في أمريكا اللاتينية وحتى في إفريقيا. وبدأت الأسواق الصاعدة الرئيسية، التي تمثل حاليا حصة متزايدة من الناتج العالمي لكنها لا تحوز حتى الآن سوى أقلية من حصص عضوية الصندوق، في المطالبة بمقعد أكبر على الطاولة.
ولكن الانتعاش في شرق آسيا بقيادة الصادرات لم يخل من العيوب. فالإنجازات الكبيرة التي أحرزتها الأسواق الصاعدة - وخاصة الصين، التي أصبحت إحدى قلاع الصناعة التحويلية والتصدير بعد انضمامها في عام 2001 إلى منظمة التجارة العالمية - وشقت طريقها في القطاعات الصناعية بالاقتصادات المتقدمة أشعلت موجة من ردود الأفعال الحمائية. وحتى في ظل توقف جولة مفاوضات الدوحة لتحرير التجارة، استمرت مؤسستا بريتون وودز في مناصرة التجارة والعولمة: كل البلدان بإمكانها تحسين مصيرها عن طريق "النهوض بالتجارة" (التمويل والتنمية، سبتمبر 2002). وبالنسبة للبلدان الأفقر، ظلت الوصفة دون تغيير وهي أن تحرير التجارة - بنفس قدر زيادة المعونة - هو السبيل لإعطاء دفعة للنمو والقضاء على الفقر. وفي الوقت ذاته، تم استبعاد مخاوف العمال في الاقتصادات المتقدمة إزاء فقدان الوظائف وذلك على أساس أن التجارة تخلق عددا كافيا من الفائزين يمكنه تعويض عدد الخاسرين.
وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، انعكس صعود نجم آسيا في وقوع "اختلالات عالمية" - لا سيما الفائض في الصين والعجز في الولايات المتحدة، تسببت في حدوث احتكاكات بينهما على مستوى التجارة وسعر الصرف. وكانت المخاوف النظامية - التي حفزت الصندوق على عقد أولى مشاوراته متعددة الأطراف في عام 2006 - متمثلة في احتمال وصول التزامات الولايات المتحدة المتراكمة إلى نقطة حرجة، وأن يفقد المستثمرون الثقة ويتخلصون من حيازاتهم من الدولارات، مما يعجل بوقوع أزمة عالمية. وفي واقع الأمر، لم تكن تلك الاختلالات سوى أحد الأعراض، وكانت جذور أزمة 2008 أعمق من ذلك.
فمع حلول منتصف العقد الأول من الألفينات، كان الاقتصاد العالمي يشهد حالة من الازدهار، لكنها لم تكن سوى نتيجة لفقاعة ثلاثية الأبعاد:
- استمرار الوفورات الفائضة والإنتاج الزائد في آسيا كان متوقفا على استمرار عجز الحساب الجاري الضخم في الولايات المتحدة، التي أصبحت مستهلك الملاذ الأخير.
- ركود الأجور الحقيقية وتراجع دخل العمل في الولايات المتحدة - لأسباب منها انتقال الوظائف في الصناعة التحويلية إلى الأسواق الصاعدة - جعلا الحفاظ على مستوى استهلاك الطبقة المتوسطة متوقفا على تزايد مبالغ الائتمان الاستهلاكي (غالبا في هيئة مسحوبات من حصص ملكية المساكن ذات الأسعار المتصاعدة).
- وفي منطقة اليورو، كانت هناك فقاعة مماثلة افترضت استمرار الفوائض في شمال أوروبا والعجوزات في جنوب أوروبا.
وتحققت هذه العوامل الثلاثة - بل تفاقمت - جراء التجاوزات في القطاع المالي التي تزايدت في ظل ضعف الإجراءات التنظيمية. وبينما استعرضت مجلة التمويل والتنمية بعض هذه العوامل، فقد تعذر عليها، وعلى معظم المراقبين الآخرين، ربط نقاط المعلومات ببعضها البعض وإدراك حقيقة الصورة الكبيرة بأنه في حالة انفجار تلك الفقاعات سيتعرض الاقتصاد العالمي إلى أسوأ أزمة يشهدها منذ "الكساد الكبير".
أزمة وتعاف
حتى من قبل أن يتسبب إفلاس بنك الاستثمار الأمريكي "ليمان براذرز" في إثارة حالة الذعر المالي العالمي، كانت مجلة التمويل والتنمية قد أشارت في عدد يونيو 2008 إلى سندات الدين المضمونة برهن عقاري التي اتسمت بالغموض والتعقيد، واقترانها بالزيادة المفرطة في الرفع المالي والإخفاقات التنظيمية، باعتبارها مصدر المشكلات المالية في الولايات المتحدة. وقدمت مجلة التمويل والتنمية في عدد ديسمبر 2008 تغطية واسعة لحالة فشل بنك ليمان براذرز وما استتبعها من انتشار الأزمة متكاملة الأركان إلى بقية العالم.
وعلى مدار السنة التالية قدمت المجلة عرضا تفصيليا لاستجابة صندوق النقد الدولي للأزمة: الإصلاح الشامل لمجموعة قدرتها على الفحص الإقراضية لجعلها أكثر مرونة واستجابة لاحتياجات البلدان؛ وتحسين أعمال الرقابة لزيادة القدرة على توقع الأزمات ومراعاة تداعياتها؛ والاضطلاع، بالتعاون مع مجلس الاستقرار المالي، بتعزيز إشرافه على النظام المالي العالمي. وقدم الصندوق كذلك دعما إضافيا للبلدان منخفضة الدخل وأعاد تنشيط حقوق السحب الخاصة - في أول توزيع للمخصصات منذ السبعينات - لإعطاء دفعة للاقتصاد العالمي عن طريق ضخ مباشر للسيولة غير المشروطة.
ومع اندلاع الأزمة، أطلق المدير العام دومينيك ستراوس-كان دعوته الشهيرة لتقديم دفعة تحفيز مالي طارئة. وأبدت بلدان العالم اهتمامها بهذه الدعوة، وفي طليعتها بلدان آسيا. وكان التوسع الهائل في الإنفاق من المالية العامة في الصين على وجه الخصوص بمثابة القاطرة لبقية الاقتصاد العالمي. وضخت البنوك المركزية الرئيسية السيولة الطارئة في أسواقها، وأنشأت خطوط تبادل العملات عبر الحدود، وشاركت في عمليات التيسير الكمي. وكانت هذه الإجراءات ضرورية لتجنب حدوث انهيار مفاجئ في الاقتصاد العالمي، وإن كانت قد أسفرت أيضا عن طفرات غير مرغوبة في تدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الصاعدة.
وبحلول شهر ديسمبر 2009 كانت أسوأ فترات العاصفة قد مرت. ولكن الندوب التي خلفتها الأزمة كانت عميقة - البطالة الهيكلية، وعدم المساواة في توزيع الدخل، والحمائية، والمشاعر المناهضة للعولمة. وقد أصبحت هذه الندوب في الوقت الراهن محط تركيز مجلة التمويل والتنمية. وفي العدد الذي صدر بعنوان "وظائف على المحك" - مستلهما صورة غلافه من عمل الفنان دييغو ريفيرا في 1932 في تكريم العامل الأمريكي - بحثت مجلة التمويل والتنمية في كيفية تأثير الهجرة، والتعهيد لأطراف ثالثة، والتكنولوجيا في الآفاق المستقبلية للوظائف. وأشارت إلى المعضلة الأساسية التي يواجهها صناع السياسات، ألا وهي أن زيادة الانفتاح أمام العمالة المهاجرة، والتجارة، والتكنولوجيا جلبت معها منافع اقتصادية ولكنها كانت مصحوبة أيضا بتكاليف سياسية، نظرا لشعور الطبقة المتوسطة في المجتمع بأنها مهددة بالخطر. وبينما كانت إعادة تجهيز العمالة بالأدوات الجديدة وزيادة مستوياتهم التعليمية تشكلان جزءا من الحل، ذكرت مجلة التمويل والتنمية أنه "بالنسبة للعمال المسرحين الذين اقتربوا من نهاية حياتهم العملية، فإن إعادة التوزيع قد تكون حلا أكثر عملية من اكتساب المهارات الجديدة".
وقد بحث عدد سبتمبر 2011 من مجلة التمويل والتنمية في موضوع وثيق الصلة، وهو السخط العام من تزايد عدم المساواة في توزيع الدخل في الاقتصادات المتقدمة، الذي يرجع جزئيا إلى التصورات السائدة بأنه تم إنقاذ البنوك على حساب العمال. وكان الخطر يتمثل في أن الناس "سيتوقفون عن دعم التجارة المفتوحة واقتصاد الأسواق الحرة إذا أحسوا أنهم الخاسرون بينما تزداد مجموعة صغيرة من الفائزين ثراء على ثراء".