منذ سبعينات القرن الماضي، لجأت الاقتصادات الصاعدة والنامية بقوة إلى أسواق الديون السيادية العالمية، سعيا إلى إعطاء دفعة تحفيز للنمو أو تعويض النقص المؤقت في الناتج والإيرادات الضريبية. فهل كان لهذا الاقتراض الأثر المقصود؟ يشير تحليل* للبيانات إلى أن الاقتراض السيادي قد يجعل المواطنين في وضع أسوأ، حيث يزيد التقلبات ويقلل الاستثمار.
وقد ارتفعت نسبة الديون السيادية الخارجية إلى إجمالي الناتج المحلي بشكل كبير بين عام 1970 ومنتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وفقا لمتوسط ووسيط عينة متوازنة من 52 اقتصادا ناميا وصاعدا. وعلى مدى السنوات العشرين الماضية، انعكس هذا الاتجاه جزئيا للعينة، كما هو مبين في الرسم البياني 1.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما هي التكاليف والفوائد المترتبة على الارتفاع الكبير في الاقتراض السيادي بالنسبة لمواطني هذه الاقتصادات. والوعد، الضمني أو الصريح، في النماذج الاقتصادية القياسية هو أن القدرة على الوصول إلى أسواق رأس المال العالمية تعمل على تسهيل الاستثمار وتسمح للاقتصادات بعزل ("تمهيد") الإنفاق الحكومي عن التقلبات الكبيرة في الناتج. وهذا يعني أن الاقتراض يمكن أن يمول مشاريع استثمارية ضخمة أو يغطي نقصا مؤقتا في الإيرادات، دون السحب من المدخرات الخاصة المحلية. وهذا ما سأشير إليه باسم "النموذج الكلاسيكي المحدَّث ". وتتنبأ وجهة النظر هذه بأن البلدان التي تقترض (مع تساوي كل العوامل الأخرى) لابد أن تحقق نموا أسرع وإنفاقا أقل تقلبا. ومع ذلك، فإن هذا هو عكس ما نراه في البيانات تماما. ويبين الرسم البياني 2 لوحة انتشار للزيادة في صافي الأصول الأجنبية الحكومية (الاحتياطيات الأجنبية مطروحا منها الدين الخارجي) على المحور الأفقي ونمو نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي السنوي مقارنة بالولايات المتحدة على المحور الرأسي. والفترة الزمنية هي 1970-2004، وهي الفترة التي شهدت زيادات كبيرة في الديون كما يتضح في الرسم البياني 1. وتشير البيانات إلى أن البلدان التي كانت لديها مدخرات عامة خارجية (احتياطيات أجنبية تتجاوز الديون الخارجية) شهدت نموا أسرع، في حين عانت البلدان التي اقترضت من الركود.
السياسيون غير صبورين
يدعي إطار بديل للنموذج الكلاسيكي المحدَّث أن الحكومات تقترض بسبب التحيز للوقت الحاضر. وهذا يعني أن شاغلي المناصب السياسية يفضلون أن يتم الإنفاق أثناء وجودهم في مناصبهم، وهو ما يؤدي، في ظل غياب مجموعة سليمة من المؤسسات السياسية، إلى الإفراط في الاقتراض. ونظرا للكم الهائل من رصيد الديون، فإن الحكومات تميل إلى فرض ضرائب على النشاط الخاص، بما في ذلك الاستثمار الخاص والدخل الرأسمالي، أو تضطر إلى فرضها. ويتنبأ هذا المنظور البديل، الذي تناولته بالتفصيل في أبحاثي* مع مانويل أمادور وغيتا غوبيناث، بأن الاقتراض العام يزاحم الاستثمار الخاص ويؤخر النمو. ويتسق ذلك مع لوحة الانتشار الواردة في الرسم البياني 2. كما أنه يميز بشكل واضح بين التدفقات العامة والخاصة، وهي سمة تتفق أيضا مع البيانات. ويشير الرسم البياني 2 إلى أن البلدان ذات اتجاهات النمو المائلة إلى الانخفاض غالبا ما تقترض أكثر على المدى الطويل.

وركز ما سبق على الفترة التي زادت فيها ديون البلدان بشكل كبير. وكما ذكر من قبل، فإن النصف الأخير من العينة يظهر انخفاضا في نسبة الدين إلى الدخل، في المتوسط. والارتباط الموضح في الرسم البياني 2 لا ينطبق على الفترة الأخيرة. وفي الواقع، كان نمو البلدان التي خفضت ديونها بشكل أكبر نسبيا أبطأ في الفترة 2004-2022. وتتمثل إحدى مشاكل العينة الأخيرة في أن انخفاضات الديون نتجت في بعض الأحيان عن الإعفاء من الديون أو التخلف عن السداد وإعادة الهيكلة. وتشير البيانات إلى أن البدء من ديون منخفضة (كما كان حال معظم البلدان في عام 1970) يختلف بطبيعته عن الديون المنخفضة بسبب الإعفاء أو التخلف عن السداد. وهذا يعني أن مستوى الدين مهم، ولكن التاريخ الذي أدى إلى هذا المستوى من الاقتراض مهم أيضا.
ويشير ذلك إلى أن البلدان التي لديها مستويات كبيرة من الديون تختلف في أبعاد عديدة إلى جانب بُعد الديون. والواقع أن المنظور البديل الموضح أعلاه يستند إلى أن البلدان تختلف من حيث مؤسساتها السياسية، وهو ما يؤدي بدوره إلى اختلافات في مستوى الديون. وتتلخص التجربة المثالية في تغيير رصيد الديون بدون إجراء تغييرات على الأساسيات الاقتصادية الأخرى. وفي غياب مثل هذه التجربة، فإن أفضل ما يمكننا القيام به هو الجمع بين النظرية والبيانات للتمييز بين السبب والنتيجة. ويشكل ذلك حجة قوية تفيد بأن الديون الحكومية تزاحم الاستثمار وتخفض النمو. ويصبح التحدي أكبر أمام النموذج الكلاسيكي المُحَدَّث، حيث يسير الدين والاستثمار جنبا إلى جنب، عندما يواجه البيانات.
تمهيد التقلبات
تدعي الركيزة الأخرى للنموذج الكلاسيكي المحدَّث أن الاقتراض السيادي يسمح للبلدان بتمهيد التقلبات في الدخل. وهذا أيضا منافٍ للواقع، بمعنى أن البلدان التي تقترض تظهر، على مدى الآفاق الزمنية الأطول، مزيدا من التقلبات في الإنفاق الحكومي والاستهلاك الخاص. وعلى وجه الخصوص، هناك علاقة موجبة بين التغيرات في الديون وتقلب الإنفاق، مما يشير إلى أن زيادة الاقتراض ترتبط بزيادة تقلب الإنفاق العام. ومرة أخرى، يتعارض ذلك مع دافع الاقتراض من أجل "التمهيد" الذي يتنبأ به النموذج القياسي.
ويتمثل أحد الشواغل فيما إذا كانت البلدان تقترض بسبب صدمات سلبية كبيرة، مثل الكوارث الطبيعية أو النزاع العسكري، مما يولد ارتباطا موجبا بسبب الحظ وليس السياسات. ومرة أخرى، هذا هو سبب أهمية وجود سلسلة زمنية طويلة بما فيه الكفاية لتمهيد آثار الصدمات المؤقتة. وإذا تعرض بلد ما لصدمات سلبية كبيرة بشكل متكرر، فإنها ستكون متوقعة في نهاية المطاف، وينبغي أن تستجيب الحكومات من خلال بناء رصيد وقائي من الاحتياطيات كصندوق للأيام الصعبة، بدلا من زيادة مستويات الديون. ومن الواضح أن هذا ليس هو الحال في المتوسط في عينة البلدان الموضحة في الرسم البياني.
وتشير البيانات إلى أن الاقتراض السيادي يرتبط بانخفاض النمو والاستثمار على المدى الطويل وزيادة التقلبات في الإنفاق. ويتعارض ذلك مع الحكمة التقليدية الكلاسيكية المُحَدَّثة، ولكنه يتوافق مع نموذج التحيز للوقت الحاضر بسبب الدوران السياسي المقترن بضرائب رأس المال. وباختصار، يعتبر الاقتراض السيادي أداة لتوليد التقلبات، وليس آلية لتمهيد الأوضاع، ويشكل عائقا أمام النمو، وليس وسيلة للاستفادة من المدخرات العالمية لتمويل الاستثمار. وننتقل الآن إلى مسألة ما إذا كان مواطنو الاقتصادات الصاعدة والنامية سيكونون في وضع أفضل إذا لم يكن بوسع حكوماتهم الوصول إلى أسواق الديون السيادية.