غير أن تبني السياسات القائمة على لعبة الأصدقاء والأعداء، وعقد صفقات تجارية وأمنية لمرة واحدة، وإقامة تحالفات مؤقتة، جميعها إجراءات ذات أثر محدود على البلدان. فمستقبل الاقتصاد في جميع القارات يعتمد بالقدر الأكبر على استقرار النظام الدولي. وجميع القارات في حاجة إلى نظام متعدد الأطراف، حتى وإن اختلفت الأسباب: في أوروبا بسبب اعتمادها على التجارة، وفي الاقتصادات النامية لعدم قدرتها على تحقيق إمكاناتها الاقتصادية دون تحويل الموارد من الاقتصادات المتقدمة، وفي البلدان متوسطة الدخل حتى لا تكون مضطرة إلى الاختيار بين الصين والولايات المتحدة – وفي الصين نفسها لعدم قدرتها على الصعود إلى مصاف البلدان مرتفعة الدخل دون سوق تصدير منتعشة.
وستستفيد أمريكا كذلك من تعزيز النظام متعدد الأطراف. فالولايات المتحدة لم تعد تعيش في عالم أحادي القطب حيث يمكنها أن تأمل في النجاح بجهودها الفردية، إنما هي القائد البديهي لعالم متعدد الأقطاب يستمد تقدمه من خلال العمل عبر المؤسسات متعددة الأطراف التي أنشأها هذا البلد.
تعزيز العمل متعدد الأطراف
ينبغي لمنظمة التجارة العالمية تحقيق أقصى استفادة من المهارات المثبتة لمديرها العام، السيدة نغوزي أوكونجو-إيويلا، لحل النزاعات التجارية عبر التسوية والتحكيم والتفاوض، مما يعد تحولا عن اللجوء إلى هيئة الاستئناف الملغاة، التي تضمنت جهازا قضائيا وعُرف عنها التقيد المفرط بالقانون.
وفي الوقت نفسه، على صندوق النقد الدولي تعزيز دوره في منع الأزمات وحلها. ففي ظل القيادة القوية للسيدة كريستالينا غورغييفا، ينبغي أن يولي الصندوق أولوية أكبر لدوره المحوري باعتباره نظام إنذار مبكر للاقتصاد العالمي، وحشد طاقته الإقراضية البالغة تريليون دولار لتعزيز تغطيته التأمينية ضد الصدمات الاقتصادية، والتفاوض من أجل إجراء العديد من التحسينات اللازمة على آلية إعادة هيكلة الدين السيادي، ومن ثم إقامة شبكة أمان مالي عالمية أكثر شمولا.
كذلك، على الصندوق إصلاح هيكله، حيث تحوز عدة بلدان تمثل 13,7% من سكان العالم 59,1% من أسهمه المانحة لحق التصويت، في حين تحوز الهند والصين مجتمعتين 9% فقط.
وكما اقترح الرئيس الديناميكي الجديد للبنك الدولي، أجاي بانغا، يجب أن تصبح المؤسسة بنكا للسلع العامة، بحيث تركز على رأس المال البشري وإدارة البيئة. وحسب التقديرات، تحتاج اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، ما عدا الصين، إلى 3 تريليونات دولار سنويا بحلول عام 2030 لتمويل العمل المناخي وأهداف التنمية المستدامة، حيث يتعين جمع تريليوني دولار محليا وتريليون دولار من الخارج.
وقد اقترح تقرير سامرز-سينغ الصادر عن مجموعة العشرين توفير زيادة سنوية قدرها 260 مليار دولار من خلال بنوك التنمية متعددة الأطراف. كذلك، يتعين حشد الآليات المالية المبتكرة، بما في ذلك استخدام الضمانات في تخفيف المخاطر وزيادة استثمارات القطاع الخاص، باعتبارها أداة مكملة وداعمة لهذه الجهود. وسيكون البنك الدولي وبنوك التنمية متعددة الأطراف في حاجة إلى المزيد من التمويل من المساهمين عبر زيادة رأس المال.
ونظرا لأن مجموعة السبعة أقل عضوية من أن تصبح اللجنة التوجيهية للاقتصاد العالمي، ينبغي أن تتولى مجموعة العشرين الدور المقرر لها في السابق: المنبر الرئيسي للتعاون الاقتصادي العالمي. وتحقيقا لهذا الغرض، يتعين أن تكون مجموعة العشرين أكثر تمثيلا لأعضائها من خلال إرساء نظام للدوائر الانتخابية، كما ينبغي أن تشكل أمانة من المتخصصين لضمان استمرارية سياساتها من عام لآخر.
وفي الأوقات الصعبة، علينا الحفاظ على الأمل. فمعاهدة حظر التجارب النووية التي وضعها كينيدي في ستينات القرن الماضي، ومعاهدة الحد من الأسلحة النووية بين رونالد ريغان وميخائيل غورباتشوف في الثمانينات، والجهود متعددة الجنسيات لمنع تآكل طبقة الأوزون في التسعينات، وقمة مجموعة العشرين عام 2009 التي ساهمت في استقرار الاقتصاد العالمي، واتفاقية باريس حول المناخ الصادرة مؤخرا، جميعها جهود تعكس إمكانات التعاون العالمي. ولكن النجاح يستدعي قيادة حكيمة واستعدادا للعمل معا.
أمامنا طريقان. الأول يؤدي إلى تشرذم عالمي وأزمات مستفحلة. أما الثاني، فهو الطريق إلى الرخاء والتقدم والأمل، رهنا بالعمل المشترك. وأنا أختار الأمل.
يستند هذا المقال إلى الكلمة التي ألقاها المؤلف خلال المؤتمر الذي عُقد بالتعاون بين معهد بيترسون للاقتصاد الدولي وصندوق النقد الدولي في إبريل 2024 بشأن إدارة التغير الهيكلي.