العيوب الجسيمة في الرأسمالية
بدأ يتضح لكيس وديتون أن رفاهية الأمريكيين الذين لم يحصلوا على درجة جامعية كانت تتدهور في جميع مناحي الحياة؛ اقتصاديا، واجتماعيا، وعاطفيا، وطبيا. وظهر ذلك في كم الألم الجسدي الذي كانوا يعانونه (وإجاباتهم في المسوح التي تجريها الحكومة الأمريكية)، وعدد الوفيات الناتجة عن تعاطي جرعات زائدة من المخدرات، والفشل الكبدي، والانتحار. وبلغ متوسط العمر المتوقع للبالغين الذين لم يحصلوا على تعليم جامعي ذروته في عام 2010 تقريبا، ولكنه بدأ في التراجع منذ ذلك الحين. وبحلول عام 2021، كان غير الحاصلين على درجة البكالوريوس "أقصر عمرا بثماني سنوات ونصف السنة تقريبا من الحاصلين على درجة جامعية"، وفقا لمقال كيس وديتون الصادر في صحيفة نيويورك تايمز في العام الماضي. وقد أنهك اقتصاد البلاد الدائم التحول الطبقة العاملة الأمريكية ببطء على مدى العقود القليلة الماضية، ولم يشعر أبناء هذه الطبقة بالرضا حياله. فقد قضى على كثير من وظائفهم، وأدى إلى تقلص أجورهم، وتضييق فرص حصولهم على عمل، وتفريغ مجتمعاتهم المحلية، وأضر بوضعهم في المجتمع، ودفع بعضهم إلى التحول إلى سلوكيات غير صحية للتكيف مع هذه الأوضاع.
ومن جانبه، قال تيم بيسلي، من كلية لندن للاقتصاد، إن ما قامت به كيس وديتون من "عمل مبدئي أثار ضجة كبيرة". ويتذكر قصة سمعها أنه في أحد اجتماعات البيت الأبيض، انفرد الرئيس آنذاك باراك أوباما بهما للحديث عن نتائجهما.
وما وصفه لاحقا هذا الثنائي الذي يعمل في جامعة برينستون في كتابهما الصادر في عام 2020 هو سيل من الأوضاع السيئة التي بدأت تنهال لعقود على الأمريكيين في منتصف العمر من الطبقة العاملة والأقل حظا من التعليم. ولم يسلم منها أي عرق أو نوع. إلا أن الأمريكيين البيض في منتصف العمر الذين لم يتخرجوا في الجامعة لم يكونوا أفضل حالا، ولا سيما في المناطق حيث كانت الصناعة التحويلية ووظائف ذوي الياقات الزرقاء وفيرة ومجزية في السابق. وكانت تلك قصة مألوفة لدى كيس. وقد بدأت بمحنة بسبب التحولات الاقتصادية التي كانت آخذة في التشكل ببطء على مدار سنوات، مثل نقل الوظائف الأمريكية للخارج إلى أسواق عمل أقل تكلفة، والتفاوت الشاسع بين الأغنياء والفقراء. وقد أوجدت شعورا بالسخط تسرب إلى السلوكيات الحياتية. ولو استمر ذلك الأمر، لأنذر باحتمال مخيف بتسارع عمليات الاستقطاب الاجتماعي والاقتصادي والتعليمي في البلاد.
وفي الواقع، كان تحول الاقتصاد مفيدا للبعض، ولكنه كان محبطا للغاية لمن تخلفوا عن الركب. ولكن كان هناك تحول كبير يزيد الأمور سوءا في رأي كيس وديتون. فالإفراط في وصف المسكنات، مثل عقار OxyContin (أوكسيكونتين) في أواخر التسعينات من القرن الماضي، وما تلاه من توافر الهيروين بسعر أقل، ثم الأفيونات الاصطناعية مثل فينتانيل، أدى إلى طفرة غير عادية في حالات الوفاة بسبب تعاطي جرعات زائدة.
وقد وصل وباء المخدرات إلى الولايات المتحدة في وقت عصيب في ظل تطور القوى العاملة، وبزوغ فجر الاقتصاد الرقمي، ومحاولة الكثيرين تحقيق التوازن في حياتهم. وانكبت كيس على دراسة البيانات الحكومية في محاولة لربط الأحداث. وقالت "إن هذا العمل استغرق حياة كاملة، كانت حياتي أنا". وقال ديتون "بمجرد أن بدأنا التعمق في البيانات، كان من الصعب التوقف. وأعتقد أحيانا أن كيس تحتفظ في مكان ما في عقلها بكل جزء من كل رقم في نظام الإحصاء الأمريكي".
وتقول كيس "اكتشفنا أن هناك مؤشرات آخذة في الارتفاع، وهي الانتحار، وتعاطي الكحول، وأمراض الكبد، وتعاطي جرعات زائدة من المخدرات". وأضافت "جميع هذه الوفيات تقع تحت مسمى قتل الذات"، وفي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، بدأ هذا النوع من حالات الوفاة في الارتفاع وكان له أثر عميق على معدل الوفيات في البلاد. وتقول كيس "اعتقدت أن جميع هذه الوفيات كانت تعبر عن درجة من اليأس".
ومن جانبه، يشكك تشارلز فين ليمان، من معهد مانهاتن، في هذا الرابط الدقيق بين الأحداث. ويقول "لا أعتقد بالضرورة أن الشواهد تؤيد الرواية التي يحاولان ترسيخها". فيرى أن سهولة الحصول على مخدرات أقوى في الشارع لها دور أكبر في زيادة الوفيات مقارنة برواية كيس عن اليأس الناجم عن أوضاع الاقتصاد.
وتشير كيس إلى أن بلدان العالم الغني الأخرى تواجه كثيرا من التحديات المماثلة بشأن العولمة، والأتمتة، والتأثير على قوتها العاملة، "إلا أنها لم تطرح عقارا هو في الأساس هيروين في شكل حبوب تحمل علامة إدارة الأغذية والعقاقير، أو تمنح أي طبيب لديه دفتر وصفات طبية الصلاحية لوصف هذا العقار. أما الكونغرس، فقد غض الطرف عن ذلك".
فبعكس تلك الاقصادات المتقدمة الأخرى، سمحت الولايات المتحدة "لشركة بورديو فارما بإنشاء شبكة من المسوِّقين عبر البلاد الذين استعانوا بخرائط لاستهداف مناطق تركز الأشخاص الذين يعانون من الألم وفقدان الوظائف، والذين نالوا حظا أقل من التعليم، وقد استهدفوا هذه المناطق بالفعل". وتقول كيس إن تلك الحبوب كان يجب أن تصل إلى تربة خصبة.
إعادة النظر في المهارات
إن نحو ثلاثة أرباع السكان العاملين في الولايات المتحدة لم يحصلوا على درجات جامعية. وهذه إحدى الخصائص الديمغرافية المهمة التي يجب أخذها في الاعتبار لأن عملية تحديث الاقتصاد المستمرة بلا هوادة تخلق وظائف جديدة ذات متطلبات مرهقة في صورة المزيد من المهارات الرقمية والفنية. والبلاد، كما قالت كيس، أصبحت أكثر انقساما من قبل بسبب مستويات التعليم، وهو ما أدى إلى انتشار شعور مخيف بالظلم وعدم المساواة. وأضافت "أن الأشخاص غير الحاصلين على درجة البكالوريوس لا يرون بارقة أمل لأنفسهم، أو لأطفالهم ربما، وهو أمر لا يقل أهمية. فهم يعتقدون أنهم يعيشون في ظل نظام يعمل ضد مصلحتهم. وهذا أمر مفهوم تماما".
وترى كيس أن بعض الجهود الجارية للتصدي لهذا الوضع مشجعة للغاية. ومن الحلول التي لاقت تأييدا كبيرا في الوقت الحالي حظر التمييز على أساس مستوى التحصيل الدراسي. فوفقا لبيانات مؤسسة بروكينغز، أمكن خلال العامين الماضيين إتاحة مجال أكبر للتوظيف في حكومات الولايات عبر أكثر من 20 ولاية من خلال إلغاء شروط الحصول على درجة جامعية. وبذلك، اتسع نطاق التوظيف ليشمل العمال الذين "اكتسبوا مهاراتهم من خلال كليات المجتمع المحلي، والخدمة في الجيش، والدراسة الجامعية غير المكتملة، وبرامج منح رخص العمل، ومن خلال التدريب أثناء العمل الذي يعد القناة الأكثر شيوعا".
وبوصفها خبيرة اقتصادية ينصب تركيزها على تأثير قضايا الصحة على الدخل، وتأثير انقطاع الدخل على الصحة، ترى كيس أنه "يتعين إعادة الرأسمالية إلى مسارها الصحيح"، خاصة عندما يتعلق الأمر بالحصول على الرعاية الصحية والقدرة على تحمل تكلفتها.
ورحلة كيس من شابة نشأت في منطقة تعاني من تراجع الصناعات التحويلية إلى خبيرة اقتصاد رائدة في مجالي الصحة والعمل كان الدافع وراءها شعورا عميقا بالتعاطف مع أولئك الذين سبقهم الركب بسبب التغيرات الاقتصادية. وتعلق على هذا الأمر قائلة "لقد تأثرت حقا بعدد الأشخاص الذين راسلوني بصفة شخصية ليقصوا علي ما لحق بهم أو بأخواتهم أو إخوتهم أو آبائهم".
وفي أبحاث كيس تذكرة بأهمية توظيف التحليل الاقتصادي في تحسين الأوضاع الإنسانية. وقد أثارت هذه الأبحاث نقاشا وطنيا عن التحديات التي تواجه الأمريكيين من الطبقة العاملة. وهي ليست "تجربة محدودة" في رأي بيسلي، بل "قطعة من العلوم الاجتماعية تربط كل الخيوط معا". وأخيرا، فإن هذه الأبحاث عبارة عن تقييم قاس ومثير للقلق للوضع الحالي الذي آلت إليه الرأسمالية الأمريكية، والسياسات والاستثمارات اللازمة لتوفير بيئة أكثر مساواة للعمال وتعزيز شبكة الأمان الاجتماعي لمن سبقهم الركب والتصدي لوباء إدمان المواد الأفيونية.