ومن شأن التكنولوجيا الناشئة أن تحقق طفرة مستمرة في الإنتاجية، كما ذكرت العام الماضي في مقال* عن إمكانات الذكاء الاصطناعي التوليدي (بالاشتراك مع جيمس مانيكا من شركة غوغل). ويأتي ذلك متسقا مع غيره من التقديرات، مثل تلك التقديرات الصادرة عن معهد ماكينزي العالمي.
والذكاء الاصطناعي التوليدي هو أول نظام للذكاء الاصطناعي له قدرات مشابهة للقدرات البشرية للعمل في نطاقات متعددة ولرصد النطاقات والتحول فيما بينها استنادا فقط إلى الأوامر الحوارية. وبإمكانه التحدث عن التضخم، وكتابة شفرة حوسبة، وحل بعض المسائل الحسابية - وإن كان ذلك لا يزال عملا قيد الإنجاز. ومن شأن قدرة الذكاء الاصطناعي الفائقة على التعرف على الأنماط أن تجعل منه مساعدا رقميا قويا. وبدلا من التشغيل الآلي الكامل، فإن النموذج الأفضل هو من خلال التعاون بين الآلة والإنسان، أو ما يعرف أحيانا باسم "التعزيز" (augmantation).
وجيفري هينتون، وهو أحد رواد منهج الذكاء الاصطناعي الحديث القائم على الشبكات العصبية، لديه مفهوم خاص عن الانعكاسات المترتبة على ذلك. وفي هذا الشأن، يستخدم مثال الطبيب المتمرس. ففي الوقت الذي يمكن لهذا الطبيب علاج آلاف المرضى، فإن الذكاء الاصطناعي الطبي بإمكانه استعراض واستيعاب حالات مئات الآلاف من المرضى، وهو ما قد يجعله نافعا للطبيب المتمرس، وأكثر نفعا للأطباء الأقل حنكة. وهذا يتسق مع دراسات تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات أخرى، مثل خدمة العملاء، حيث تمكنت تقنية المساعد الرقمي المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والمدرب على تفاعلات سابقة، من تحقيق مكاسب كبيرة في الإنتاجية بوجه عام، بل تحقيق منافع أكبر للوكلاء الأقل خبرة.
والذكاء الاصطناعي هو تكنولوجيا للاستخدام العام لها تطبيقات موزعة عبر الاقتصاد بأكمله، حسب القطاع ونوع العمل. وهذه سمة مهمة، لأن تكنولوجيات الاستخدام العام هي وحدها القادرة على تحقيق طفرة في الإنتاجية على مستوى الاقتصاد بالكامل.
وبفضل أشباه الموصلات المتقدمة أصبحت الأجهزة الشخصية، كالهواتف المحمولة، مزودة حاليا بالفعل بتطبيقات الذكاء الاصطناعي.
ومع ذلك، هناك تحديات يتعين التغلب عليها حتى يمكن تحقيق كامل الإمكانات، ومن بينها تطبيق قواعد تنظيمية لمنع إساءة استخدام هذه التكنولوجيا والبيانات. وجارٍ حاليا تنفيذ جدول الأعمال التنظيمي المقرر لتخفيف المخاطر في مختلف أنحاء العالم.
ومن التحديات الأخرى التغلب على التحيز للأتمتة، أو ما يسميه "إيريك برينجولفسون" فخ تورينغ*، أي الميل الشديد نحو اعتبار هذه التكنولوجيا بمثابة تشغيل آلي كامل ومن ثم تصبح بديلا للإنسان.
وهذه رؤية شائعة في النقاشات الدائرة في وسائل الإعلام ودوائر الأعمال وعلى مستوى السياسات. ويعكس هذه الرؤية القلق واسع النطاق بشأن حدوث تراجع خطير في التوظيف.
وقد تكون القضية الأهم على مستوى السياسات هي تلك المتعلقة بالمكاسب الممكنة. وحتى يمكن أن يحقق الذكاء الاصطناعي أثره الاقتصادي الكامل بمرور الوقت، يجب أن يكون متاحا بسهولة لكافة قطاعات الاقتصاد، وللشركات الكبيرة منها والصغيرة. وهناك شك لا يذكر في أن الاستثمارات الكبيرة في صناعات مثل التكنولوجيا والتمويل سيكون لها تأثير كبير، ولكن يتعين وصول التطبيقات إلى قطاعات التوظيف الكبيرة المتأخرة غالبا عن اللحاق بالركب - مثل قطاعات الحكومة، والرعاية الصحية، والبناء، والضيافة. وتشير دراسات ما قبل الذكاء الاصطناعي التي تتناول اعتماد التقنيات الرقمية إلى أن نمط الانتشار الواسع هذا ليس مضمونا، ومن المحتمل، بل من المرجح تركه بالكامل لتباين القوى السوقية.
وفي الوقت الحالي، نجد أن السياسات المعنية بسهولة الاستخدام والنشر واكتساب المهارات للمساعدة في تحقيق كامل إمكانات الذكاء الاصطناعي تتسم بالضعف مقارنة بكثافة التركيز على التخفيف من المخاطر وإساءة الاستخدام. وسوف يكون التوسع في الأولى دون إهمال الأخيرة من العناصر المهمة في إعادة توازن السياسات. وليس الهدف من ذلك تأييد الحكومة في اختيار الشركات الناجحة أو الشركات الوطنية القائدة. بل بالعكس، ينبغي أن تكون سياسات التنافس الفعالة جزءا من محفظة السياسات. وبالإضافة إلى ذلك، يتعين توجيه جانب من التركيز إلى القطاعات ومؤسسات الأعمال المتأخرة عن الركب في اكتشاف التكنولوجيا واعتمادها، مثل المشروعات الصغيرة والمتوسطة. ونظرا لأن الوظائف سوف تتغير لدى الشركات المتعاونة مع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، فإن إعادة التدريب واكتساب المهارات الجديدة جديران بأن ينالا أولوية الاهتمام.
التغلب على التحديات
المكاسب الممكنة من الذكاء الاصطناعي تتجاوز بكثير مكافحة تحديات الإنتاجية والنمو في فترة ما بعد الجائحة. ومن المقرر أن تؤثر على بحوث العلوم والتكنولوجيا، من علم الأحياء إلى علم الفيزياء والمواد، وأن يكون لها دور مهم في تحول نظام الطاقة.
وتشكل المهارات، والقوة الحاسوبية، وسرعة زيادة الطلب على الكهرباء الحواجز الرئيسية أمام بناء نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي متزايدة القوة. ولا تشكل إتاحة البيانات قيدا كبيرا في هذا الشأن. فالإنترنت يتيح بيانات تدريبية وفيرة. وبلا شك، هناك ذكاء اصطناعي لا يندرج ضمن فئة الذكاء الاصطناعي التوليدي ويتمتع بالقوة والأهمية. ومثال على ذلك، نظام Alphafold، وهو نظام للذكاء الاصطناعي يتنبأ بالهياكل ثلاثية الأبعاد للبروتينات. ولاستخدام هذا التطبيق يتعين توفير بيانات متخصصة في علم الأحياء ورأي خبير عن كيفية عمل تطوِّي البروتين.
وصحيح أيضا أن المنصات العملاقة التي تقود تطوير الذكاء الاصطناعي التوليدي لديها نماذج أعمال تعتمد على بيانات شخصية وتوجيه بالغ الدقة. ولكن تدريب نماذج اللغة الكبيرة وما شابهها لا يحتاج إلى بيانات محدِّدة للشخصية وحساسة.
فهذه النظم قوية بالقدر الكافي لتدريب النماذج بمليارات المعلمات الكائنة إلى حد كبير في نظم الحوسبة السحابية في القطاع الخاص، ومعظمها في الولايات المتحدة والصين. وسيؤدي ذلك، إلى جانب التنافس على المهارات، إلى وضع العلوم والدوائر الأكاديمية في ظروف غير مواتية. ويعد توسيع نطاق البنية التحتية الحاسوبية لتستفيد منها مجموعة كبيرة من الباحثين والمبتكرين بمثابة خطوة ضرورية على مستوى السياسات لإضفاء طابع ديمقراطي على بناء مجتمع مفتوح يتحقق فيه التوازن السليم بين الابتكار الأكاديمي وابتكار القطاع الخاص. ومن شأن تحقيق هذا التوازن أن يدعم نشر التكنولوجيا على نطاق واسع.
وتتعرض أوروبا لمخاطر التخلف عن ركب الولايات المتحدة والصين في تطوير واعتماد الذكاء الاصطناعي لثلاثة أسباب. الأول هو قصور التمويل النسبي من الاتحاد الأوروبي لأنشطة البحث الأساسية. والثاني هو تخلفها عن الركب في القدرة الحاسوبية لدعم البحث. والثالث هو إخفاقها في الاستفادة الكاملة من وفورات الحجم في الاقتصاد الأوروبي. فمع ارتفاع التكاليف الثابتة للتطوير وانخفاض التكاليف المتغيرة نسبيا في التكنولوجيا الرقمية وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، تشكل وفورات الحجم ميزة هائلة في تحديد عائد الاستثمار. ولا تزال أسواق رأس المال الأوروبية متجزئة؛ والتكامل السوقي في الخدمات غير مكتمل وتعوقه القواعد التنظيمية المتجزئة على المستوى القومي. ولم يتضح بعد ما إذا كان هذا الوضع سيستمر أم أن هناك تحولا في المسار سيحدث بعد انتخابات البرلمان الأوروبي الأخيرة. وهناك تقريران للعرض على المفوضية الأوروبية - واحد من "إنريكو ليتا" وآخر يصدر قريبا من إعداد "ماريو دراغي" - يؤيدان زيادة الاستثمار في التكنولوجيا الرقمية.
وتمثل الصين في الوقت الحالي إحدى منارات الذكاء الاصطناعي. ومن المرجح أن تصبح الهند قوة متنامية، في ظل ما تتمتع به من جذور راسخة في التكنولوجيا الرقمية، وسوق داخلية كبيرة ومتنامية، ومستودعات ضخمة من رأس المال البشري في مجال الهندسة.
وقد تفيد بقية اقتصادات الأسواق الصاعدة بدرجة كبيرة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، ولكنها، في السنوات القليلة القادمة على الأقل، سوف تكون في الغالب مستهلكا لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي المتقدمة المنتجة غالبا في الولايات المتحدة والصين.
وسوف تقود تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي قدرا كبيرا من التغيرات والتحولات الهيكلية لعدة عقود قادمة. وبينما سيفقد بعض العمالة وظائفهم بسبب الأتمتة أو نمو الإنتاجية السريع، ويتم تعيين آخرين في وظائف ذات طابع جديد استحدثتها التكنولوجيا، فإن العمالة في المنتصف ستكون الأكثر تضررا. وهذا الوضع لا يعني بالضرورة أن الوظائف ستختفي، لكنها ستتغير. وسوف تكون عملية مُربكة تتطلب مهارات مختلفة وكثيرا من التغيير التنظيمي. وتقع على عاتق القطاعين الخاص والعام على السواء مسؤولية القيام بدوريهما المهمين في تأمين سلاسة هذه التحوُّلات.
ومن شأن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، بدعم من السياسات لتعجيل نشرها عبر قطاعات الاقتصاد بالكامل، أن تعجل كثيرا من النمو الاقتصادي وتساعد على انتعاش نمو الإنتاجية. وإذا تمكنت من تخفيف القيود على جانب العرض التي تشكل جزءا من قصة التضخم، فمن الممكن أن تساهم بمرور الوقت وعلى نحو غير مباشر في خفض أسعار الفائدة الحقيقية وتكلفة رأس المال. وسوف يكون ذلك عاملا مساعدا في عالم اليوم الذي يتطلب توفير استثمارات بتريليونات الدولارات لتغيير المعادلة من أجل تحقيق كفاءة الطاقة والتحول الأخضر. ومع شيخوخة جانب من الاقتصاد العالمي فإن هذه التكنولوجيا يمكنها مساعدة القوى العاملة الأصغر سنا في دعم كبار السن دون الحاجة لتقديم تضحيات لا داعي لها.
ورغم الصدمات والتيارات المعاكسة المطردة التي تواجه النمو، فإن لدينا المهارات والأدوات اللازمة لتشجيع النمو والإدماج والاستدامة في الاقتصاد العالمي - ولكن ذلك لن يتحقق إلا إذا كانت لدينا الإرادة لاستخدامها بقوة مع توخي الحكمة.