جغرافيا جديدة
إن صعود الذكاء الاصطناعي يعيد أيضا رسم أنماط التجارة وتدفقات رؤوس الأموال. فقد ارتفعت الواردات والصادرات من أجهزة الكمبيوتر والخوادم وأشباه الموصلات، مما يشير إلى إعادة توزيع عالمية لسلاسل الإمداد. وتتحول الصناعة التحويلية والتجميع نحو جنوب شرق آسيا والهند ومراكز أمريكية متخصصة مثل تكساس وساحل الخليج.
إن إعادة التموضع الإقليمي هذه ليست تراجعا عن العولمة؛ بل هي جغرافيا جديدة من الاعتماد المتبادل. وتظل الولايات المتحدة والصين طرفين مهيمنين، بينما تسعى أوروبا إلى اللحاق بالركب من خلال السياسة الصناعية وتحفيز للاستثمار. وبالنسبة إلى كثير من الأسواق الصاعدة، يتحول الطلب على الذكاء الاصطناعي بالفعل إلى صادرات واستثمار أجنبي مباشر— ولا سيما في قطاع الطاقة وتصنيع المكونات—ولكنه يتحول أيضا إلى مخاطر للتعرض لصدمات تكنولوجية وجغرافية-سياسية.
وتدفقات رؤوس الأموال تتبع بشكل متزايد خريطة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وقد كافأت أسواق الأسهم مراكز البيانات فائقة التوسع—وهي قلة من الشركات التي تبني وتمول العمود الفقري العالمي للحوسبة—بتقييمات وتدفقات نقدية لم تُشهد منذ حقبة الدوت كوم. ونتيجة لذلك، تستحوذ مجموعة صغيرة من شركات التكنولوجيا العملاقة الآن على حصة غير متناسبة من النفقات الرأسمالية العالمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وتوقعات الإنتاجية.
وتكشف بحوث معهد التمويل الدولي عن تمييز بين المشاركة الرقمية (استخدام الأدوات الرقمية المستوردة) والعمق الرقمي (القدرة على إنتاج السلع والخدمات الرقمية وتصديرها ودمجها في سلاسل القيمة المحلية). وتجذب الأسواق الصاعدة ذات العمق الرقمي—الصين والهند وكوريا ومجموعة أصغر من المراكز المتخصصة—استثمارا أجنبيا مباشرا أكثر استقرارا ومرتبطا بإنتاج عصر الذكاء الاصطناعي. وتُظهر أنماط صادراتها ارتفاع حصص خدمات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ورسوم الامتياز والمحتوى الرقمي. ولكن يظل آخرون مستهلكين في الأساس للتكنولوجيا المستوردة، وبالتالي يعتمدون بدرجة أكبر على تدفقات المحافظ الاستثمارية المتقلبة المدفوعة بدورات السيولة العالمية.
ومع تحول الذكاء الاصطناعي إلى عنصر محوري في النشاط الاقتصادي، قد يؤدي العمق الرقمي دورا في ديناميكيات تدفقات رؤوس الأموال مماثلا لمصداقية المالية العامة أو نظم أسعار الصرف—وهو مسار لم يُقدَّر حق قدره وسيتعين على صناع السياسات العالميين مراقبته عن كثب.
إن حجم القدرة الحاسوبية المطلوبة لتدريب الذكاء الاصطناعي والاستدلال به جعل من توليد الكهرباء وسعة الشبكات متغيرات اقتصادية كلية حاسمة.
إن انعكاسات ذلك على الاقتصاد الكلي هي انعكاسات عميقة. فقد تؤدي اختناقات الطاقة إلى تأخير انتشار الذكاء الاصطناعي، وترسيخ مستوى أعلى من التضخم الأساسي، وإحداث فورة محلية في النشاط الاقتصادي حتى مع بقاء قطاعات أخرى على ضعفها. وأصبح الاستثمار في الشبكات قيدا مركزيا على جانب العرض، مما يطمس الحدود بين السياسة الصناعية وسياسة الاقتصاد الكلي.
الانتشار أم التركز؟
السؤال الأعمق هو ما إذا كان ازدهار الذكاء الاصطناعي سيتحول إلى نمو واسع النطاق في الإنتاجية أم سيظل محصورا في مجموعة ضيقة من الشركات والأنشطة الاقتصادية. فيشير التاريخ إلى أن العائد من التكنولوجيات ذات الأغراض العامة لا يتحقق إلا بعد سنوات من الاستثمار التكميلي—في المهارات وممارسات الإدارة والتكيف المؤسسي. وقد استغرق انتشار الكهرباء وتكنولوجيا المعلومات عقودا قبل أن تنتشرا بما يكفي لرفع الإنتاجية الكلية.
وإذا ظل اعتماد الذكاء الاصطناعي متركزا بين مراكز البيانات فائقة التوسع ومقدمي الخدمات المتخصصين، فقد تبلغ العائدات مستوى ثابتا بسرعة، مما يجعل الاقتصاد عرضة للخطر عندما تبلغ دورة الاستثمار ذروتها. ولكن إذا انتشرت تطبيقات الذكاء الاصطناعي عبر الأنشطة الاقتصادية المختلفة، فسيصبح احتمال تحقيق زيادة دائمة في الناتج المحتمل أمرا واقعيا. وتشير مسوح الشركات إلى أن الانتشار جارٍ لكنه غير متكافئ. وبينما تُجرب شركات كثيرة الذكاء الاصطناعي، فهناك مجموعة أصغر فقط تطبقه على نطاق واسع.
ويكمن الخطر في أن يصطدم الانتشار ببنية تحتية غير كافية وإحصاءات متقادمة. وقد يؤدي عدم التوافق بين التغير التكنولوجي السريع وبطء تكيف السياسات إلى جعل السنوات القليلة المقبلة شديدة التقلب على نحو غير معتاد. وقد يتأرجح النمو بين دفعات من الاستثمار وفترات توقف للتكيف بينما يكافح صناع السياسات لتفسير ما تعنيه الأرقام.
ما وراء الأرقام
إن ازدهار الذكاء الاصطناعي يتكشف على خلفية من عدم اليقين العالمي. فحروب التعريفات الجمركية وقيود الهجرة واختلالات المالية العامة جعلت الاقتصاد العالمي أكثر تشرذما وجعلت التنبؤ به أصعب. وفي هذه البيئة، يبرز الذكاء الاصطناعي ليس فقط كقصة تكنولوجية بل كمحقق للاستقرار في الاقتصاد الكلي—وهذا أحد المصادر القليلة الحقيقية للطلب المتزايد والتفاؤل بشأنه.
ومع ذلك، لا يمكن لهذا المحرك المحدود أن يحمل الاقتصاد العالمي بأكمله إلى ما لا نهاية. ويظل التوسع في الولايات المتحدة يعتمد بكثافة على رأس المال وبدرجة محدودة على العمالة. وتخاطر أوروبا بفوات الفرصة ما لم تُعد صياغة سياستها الصناعية والرقمية. ويتعين على الأسواق الصاعدة تحقيق توازن بين الفرصة والحذر، بحيث تضمن ألا تحل الطاقة الرخيصة أو التنظيم المواتي محل القدرة التنافسية طويلة الأجل.
ويتعين على صناع السياسات والإحصائيين التحرك بسرعة أكبر. ويجب أن تتطور أطر القياس لرصد رأس المال غير الملموس؛ ويجب أن تأخذ أدوات المالية العامة والسياسة النقدية في الاعتبار التباين القطاعي والقيود الجديدة على جانب العرض؛ ويجب أيضا أن يضمن التعاون الدولي ألا تقتصر منافع انتشار الذكاء الاصطناعي على عدد محدود من الاقتصادات. مجلة "التمويل والتنمية"