تبرز منطقة جنوب شرق آسيا اليوم بوصفها قوة اقتصادية صاعدة. فقد أصبحت اقتصادات رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) الإحدى عشر تشكل كتلة اقتصادية بقيمة 4,5 تريليون دولار، ما يجعلها رابع أكبر اقتصاد في العالم، ويقطنها نحو 700 مليون نسمة، ويتجاوز معدل نموها السنوي 4,5%، وهو من بين الأسرع عالميا. ومع سعي الشركات إلى الحد من اعتمادها على الصين، أصبحت آسيان في صدارة الوجهات الصناعية الجديدة، حيث تتجه شركات صناعة السيارات والرقائق الإلكترونية وعمالقة الإلكترونيات إلى التوسع في المنطقة. وبلغت الاستثمارات الأجنبية 244 مليار دولار في عام 2025، بزيادة قدرها 10%، كما قفزت استثمارات الصناعة التحويلية بنحو 50%.
ومع ذلك، تظل التجارة البينية داخل المنطقة ضئيلة للغاية. فنصيب الدول الأعضاء من صادرات الرابطة لا يتجاوز 22%، مقابل 61% في الاتحاد الأوروبي على سبيل المثال. وهذا النمط أكثر تجليا على الإطلاق في سنغافورة وفييت نام، وهما من أكثر الاقتصادات انفتاحا. ففي حين ترتبطان بعلاقات تجارية واسعة مع العالم، لا تزال مبادلاتهما التجارية مع جيرانهما متواضعة نسبيا. وتقتصر التجارة عبر الحدود الداخلية في معظمها على السلع الوسيطة، أي قطع الغيار والمكونات التي تغذي المصانع التي تبيع منتجاتها لبقية العالم. وهكذا نجحت آسيان في إنشاء خط إنتاج مشترك، لكنها لم تتمكن بعد من بناء سوق موحدة. لذلك يظل ازدهارها مرهونا بالطلب الخارجي، ما يجعلها عرضة للتقلبات حين يتذبذب هذا الطلب.
وتمثل هذه السوق غير المستغلة فرصة سانحة. فتشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن إزالة الحواجز غير الجمركية في المنطقة قد تساهم في زيادة الناتج الاقتصادي في بلدان آسيان بنسبة 4,3% على المدى الطويل، أي ما يعادل إضافة أكثر من ثلث اقتصاد ماليزيا. ومع تزايد ضبابية التدفقات التجارة، من شأن تعميق السوق الداخلية أن يتيح لرابطة آسيان مسارا إضافيا للنمو وتعزيز القدرة على الصمود. ومع اجتماع وزراء المالية في بانكوك، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن للمنطقة بناء هذه السوق؟