انكماش الطبقة الوسطى
تُلقي تجربة إندونيسيا الضوء على هذه المفارقة. فقد انخفض الفقر، واستمر الاستقرار، وبلغ هذا البلد مرتبة البلدان متوسطة الدخل. لكن أي نوع من النمو كان يكمن وراء ذلك؟
فقد حدث تحول مهم بعد عام 2019. وانكمشت الطبقة الوسطى من 21% من السكان في ذلك العام إلى 16,6% بحلول عام 2025، بينما اتسعت الطبقة الطامحة للوصول إلى المتوسطة لتشمل قرابة نصف سكان البلاد—نحو 137 مليون نسمة في عام 2024. ويعرف مكتب الإحصاء الإندونيسي هذه الفئة بأنها الأسر التي يتراوح إنفاقها بين 1,5 و3,5 أمثال خط الفقر الوطني: أي، بعبارة أخرى، أسر لم تعد فقيرة، لكنها بعيدة كل البعد عن الأمان، ولا يكاد يفصلها شيء عن الوقوع في براثن الفقر عند حدوث الصدمة التالية. وحتى مع توفير الحماية الاجتماعية للفئات الأشد فقرا، شهدت الأسر الواقعة بين الشريحتين المئينيتين الخمسين والثمانين انخفاضا في استهلاكها الحقيقي من عام 2019 إلى عام 2022، حسبما يبين الاقتصاديان تيغوه دارتانتو وكيانو كان من جامعة إندونيسيا. ويتسم الإنفاق بالقدر نفسه من الحذر: ففي أنحاء آسيا الصاعدة، ينخفض الاستهلاك نسبيا إلى الدخل مقارنة بالاقتصادات النظيرة، كوسيلة للتحوط في مواجهة ضعف شبكات الأمان، وهو ما يؤدي بدوره إلى خفض الرفاهة وتغذية مشاعر التذمر.
ويتكرر هذا النمط عبر الاقتصادات الصاعدة: فالطبقة الوسطى آخذة في الانكماش أيضا في الهند وتايلند وفييت نام والبرازيل، حيث أعاد فقدان الوظائف وارتفاع تكاليف المعيشة، ولا سيما تكاليف السكن، تشكيل توزيع الدخل، وفقا لبحوث صندوق النقد الدولي. ولم يقتصر تحول الاستياء إلى أعمال عنف على إندونيسيا. ففي شيلي، أدت زيادة قدرها 30 بيزو (4 سنتات أمريكية) في سعر تذكرة مترو سانتياغو إلى اندلاع أسوأ اضطرابات شهدها هذا البلد منذ جيل مضى في عام 2019، وتصدرتها طبقة وسطى تعاني من ضغوط جمود الأجور برغم سنوات من النمو.
وكما لاحظ أريس أنانتا، من جامعة إندونيسيا، ذات مرة، فإن البطالة الصريحة رفاهية لا يملكها إلا من لديه مدخرات أو أسرة تعوله. أما الباقون فينتهي بهم المطاف في اقتصاد الظل. وفي إندونيسيا، كان 80% من الوظائف الجديدة خلال الفترة من 2019–2024 وظائف غير رسمية، بأجر يبلغ نحو 114 دولارا شهريا، أي أقل من الحد الأدنى للأجور البالغ 181 دولارا. ويفضل الشباب المتعلمون انتظار وظيفة تتوافق مع تطلعاتهم على قبول عمل غير رسمي. والنتيجة هي طبقة وسطى تفوق مؤهلاتها فرص العمل المتاحة لها.
عندما يصبح الإصلاح أصعب
عندما تشعر الطبقة الوسطى بانعدام الأمان، تصبح الحكومات أكثر حذرا إزاء السياسات التي تفرض تكاليف ملموسة. ويصبح الإصلاح أشد صعوبة في الوقت الذي تشتد فيه الحاجة إليه تحديدا.
وقبل عقد من الزمن، تبين أن دعم الوقود في إندونيسيا يعود بالنفع في معظمه على الأسر ذات الدخل الأعلى التي تمتلك سيارات ودراجات نارية. وكان الأغنياء هم الأكثر استفادة من الدعم وبوسعهم تحمل فقدانه، بينما كان من الممكن تعويض الفقراء بمدفوعات نقدية. وأتاح هذا المنطق إجراء تخفيضات كبيرة في الدعم خلال الفترة 2013–2014. ولكن مع ارتفاع مستويات الدخل، انتشرت ملكية السيارات على نطاق أوسع بين شرائح الدخل الأدنى. ولم يعد إلغاء الدعم يؤثر على الأثرياء وحدهم؛ بل يؤثر أيضا على الطبقة الطامحة للوصول إلى المتوسطة التي يساورها القلق.
ومع تقلص قطاع الصناعات التحويلية، يصبح قطاع الخدمات هو المجال الطبيعي للبحث عن الوظائف. ولكن التقسيم الثنائي القديم بين الصناعات التحويلية والخدمات لم يعد يصف كيفية نمو الاقتصادات. فقد أصبح الإنتاج "أكثر اعتمادا على الخدمات": فالتصميم والبرمجيات والخدمات اللوجستية والبحث والتطوير تضيف إلى المنتج المُصنَّع قيمة أكبر مما تضيفه الأجزاء والعمالة المستخدمة في التجميع. ولم يعد الفاصل الحقيقي بين إنتاج السلع وتقديم الخدمات، بل بين ما يمكن تداوله عبر الحدود وما لا يمكن تداوله. ومع ذلك، يواجه قطاع الخدمات قيدين.
أولهما الاستقطاب، وهو مرتبط بما يعرف باسم "قانون مرض التكلفة" وفقا لبومول، نسبة إلى الاقتصادي الأمريكي الذي وصف هذه الظاهرة لأول مرة في ستينات القرن العشرين. فالخدمات القابلة للتداول التي تتطلب مهارات عالية ترفع الإنتاجية، لكنها تستوعب عددا قليلا من العاملين. وفي الوقت نفسه، فإن الخدمات التي تستوعب أعدادا كبيرة من العاملين—مثل الرعاية والتعليم والضيافة—لا تحقق سوى قدر محدود من الإنتاجية، لكنها تضطر إلى دفع أجور ترتفع مع نمو الاقتصاد. ومع تزايد حصة هذه الخدمات كثيفة الاستخدام للعمالة من الوظائف، ترتفع تكلفتها النسبية بينما يظل الناتج لكل عامل كما هو، مما يرفع أسعار الخدمات نفسها التي تعتمد عليها الطبقة الوسطى.
أما القيد الثاني فهو أن معظم الخدمات غير قابلة للتداول. فلا يستطيع الحلاقون والممرضون وأصحاب أكشاك الطعام تصدير عملهم، ومن ثم فإن النمو القائم على الخدمات تحده القوة الشرائية المحلية، التي تحدها بدورها إنتاجية بقية قطاعات الاقتصاد. ويمكن للصناعات التحويلية تجاوز حدود السوق المحلية من خلال البيع للعالم؛ أما الخدمات فلا تستطيع ذلك، ولهذا فإن تراجع التصنيع عند مستويات الدخل المنخفضة له آثار ضارة: فهو يقضي على القطاع الوحيد القادر على رفع الحد الأدنى لمستويات الأجور لدى الجميع.
الاقتصاد السياسي للإصلاح الممكن
يشكل الإغراء دائما الحل الكبير: أي سياسة صناعية شاملة تحمل عنوانا مثيرا للإعجاب ويصاحب إطلاقها صخب إعلامي. ولكن الإصلاح لا ينجح إلا عندما يتوافق مع الواقع السياسي الراهن. وبصفتي وزيرا سابقا للمالية، فقد شهدت ذلك بنفسي: فدائما ما يكون هامش المناورة أقل مما تتطلبه الخطة. فالموارد والوقت ورأس المال السياسي كلها محدودة، ولذلك تعطى الأولوية لما يمكن تنفيذه—وبعض من أقوى الإصلاحات لا يكلف شيئا تقريبا.
والأولوية القصوى هي حماية الطبقة الطامحة للصعود إلى الوسطى. والحل ليس زيادة الإنفاق، بل إعادة ضبطه. ولنأخذ الكهرباء مثالا. فلدى شركة الكهرباء المملوكة للدولة في إندونيسيا بيانات مسجلة بالاسم والعنوان، بما في ذلك استهلاك كل عميل. ويمكن، عند دمج هذه البيانات مع بيانات الحماية الاجتماعية، تحديد الفقراء والطبقة الطامحة للوصول إلى الطبقة الوسطى بدقة أكبر وتوجيه الدعم إليهم، بينما يدفع الآخرون السعر كاملا. والاستهداف ليس مثاليا، لكن تحسينه يقلل من تسرب الدعم إلى غير المستحقين. ويمكن إعادة ضبط التحويلات النقدية المشروطة بالطريقة نفسها. عوض المتضررين أولا، ثم نفذ الإصلاح.
غير أن الحماية وحدها لا تكفي. فالتحدي الأكبر هو استعادة القدرة على استيعاب العمالة. وقد أدت طفرة السلع الأولية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلى درجة طفيفة من المرض الهولندي: فقد جذبت معدلات التبادل التجاري المواتية رأس المال إلى قطاعات الموارد، ولم توفر السوق المحلية الكبيرة للمصنعين حافزا يذكر للمنافسة في الخارج. واليوم، يأتي أقل من 10% من نمو الصادرات من منتجات جديدة في أسواق جديدة، ويظل رأس المال يتدفق إلى التجارة والموارد، لا إلى الصناعات التحويلية.
ويتمثل التحدي الحقيقي في تسريع خلق فرص عمل منتجة وقابلة للتوسع. وقد نجح الاستثمار الموجه للتصدير ضمن سلاسل القيمة العالمية في تحقيق ذلك من قبل، إذ جلب رأس المال والأسواق والتدريب؛ وقد يأتي الدور بعد ذلك على الخدمات القابلة للتداول. ويتمثل القيد في ندرة المهارات. فالأنشطة التي تتطلب مهارات عالية، مثل تصميم البرمجيات المتقدمة والهندسة المتخصصة، لا تستوعب سوى عدد قليل من العاملين، وسرعان ما تصطدم بسقف المهارات المتاحة. ويتمثل المسار الأفضل في استيعاب العمالة متوسطة المهارات مع رفع قدراتها على رأس العمل: من خلال تجميع الإلكترونيات والمكونات، وإنتاج الملابس والأحذية للتصدير، وتجهيز الأغذية، والأعمال المدعومة رقميا مثل الخدمات اللوجستية وخدمات المكاتب الخلفية. ويزيد الذكاء الاصطناعي هذه المسألة إلحاحا—إذ يهدد بوضع حد حتى لقدرة هذه الأنشطة على استيعاب العمالة—ويبرز بصورة أوضح ضرورة الارتقاء بالمهارات بحيث يكمل العاملون الأتمتة بدلا من أن ينافسوها.
ويدعم ذلك اتباع سياسة صناعية محدودة التدخل تركز على القدرات وتلتزم بالانضباط المالي، ولا تتمثل أقوى أدواتها في التدريب الذي تديره الدولة، بل في تقديم حوافز للشركات كي تتولى تدريب العاملين بنفسها، لأنها الأدرى باحتياجاتها.
غير أن القيد المعوق الحقيقي هو الاقتصاد السياسي. فمع مرور الوقت، تدر البيروقراطية دخلا على القائمين عليها. والحد منها لا يقتصر على تبسيط الإجراءات؛ فهو يحرم بعض البيروقراطيين من دخلهم، ولذلك سيقاومونه. ولن تقنعهم الحجج الوجيهة؛ بل يجب أن يضطلع القطاع الخاص بجانب أكبر من العمل. وقد ظلت إندونيسيا منغلقة نسبيا أمام التجارة، معتمدة على سوقها المحلية حتى كادت تبلغ مداها؛ ومن شأن خفض الحواجز أمام تجارة السلع والخدمات أن يجذب الشركات إلى سلاسل قيمة موجهة للتصدير تجلب رأس المال والأسواق والتدريب. ومن شأن تحسين مناخ الأعمال، وتوسيع نطاق الشمول المالي، وتخفيف الأعباء التنظيمية أن تتيح للشركات الخاصة، لا الدولة، خلق الوظائف التي يتطلع إليها الشباب الإندونيسي المتعلم. ولا يتطلب ذلك أموالا جديدة. فالمطلوب هو أن تتخلى الدولة عن بعض أدوارها وأن تتصدى للمصالح التي تستفيد من الوضع الراهن.
ولهذا فأهمية المؤسسات تفوق أهمية أي إصلاح في حد ذاته. فالسياسة التي تعتمد على قناعة وزير واحد يمكن أن يلغيها الوزير الذي يخلفه. والمهمة تكمن في ترسيخ الإصلاح في القوانين والمؤسسات بحيث يستمر بعد رحيل من أطلقه.
حوار طويل
في أنحاء آسيا الصاعدة وخارجها، لا تكفي السياسة الاقتصادية وحدها. ومع ارتفاع الدخول، تتحول مطالب الطبقة المتوسطة من مجرد وجود السلع العامة إلى فعالية أدائها، ومن العدالة كشعار إلى العدالة كممارسة راسخة. فالناس يريدون تفسيرات صادقة وقواعد شفافة، وهم جديرون بهما. وهذا هو الخيط المشترك الممتد من سانتياغو إلى جاكرتا ومانيلا. وحتى الصراحة لا تكفي دائما. فقد كانت تخفيضات دعم الوقود في إندونيسيا عام 2013 خطوة سليمة: فتم تعويض الفقراء، وعرضت مبررات القرار بشفافية—ومع ذلك ظل الناس يقاومونها. فصحة القرار لا تعني بالضرورة قبوله.
لم يُسمع صوت كورنياوان في حياته، وإنما بعد وفاته فقط. والمهمة المقبلة ليست اقتصادية فحسب؛ بل تشمل أيضا المهمة الأبطأ المتمثلة في إعادة بناء الثقة في أن الجهود المبذولة ستؤتي ثمارها. وتشترك إندونيسيا في هذا التحدي مع كل اقتصاد سبق فيه الازدهار، الذي تعكسه المؤشرات، مستوى الثقة في الشارع.