Credit: (Photo: stockvisual/iStock by Getty Images)

التجارة العالمية بحاجة إلى تنويع الإمدادات بدرجة أكبر، لا أقل

شهدت البلدان التي فرض شركاؤها التجاريون تدابير إغلاق أكثر صرامة تراجعا أكبر في حجم الواردات.

Davide Malacrino, Adil Mohommad, Andrea Presbitero

12 أبريل 2022

رغم تصحيح مسار التدفقات التجارية، يمكن أن تساهم زيادة تنويع سلاسل القيمة العالمية في الحد من تأثير الصدمات المستقبلية. وكان من المتوقع أن تؤدي صدمات الطلب والعرض الناجمة عن الجائحة إلى انهيار حاد في التجارة، ولكن التجارة الدولية ثُبت أنها أكثر صلابة مقارنة بالأزمات العالمية السابقة.

فبينما سجلت تجارة السلع انخفاضا حادا في الربع الثاني من عام 2020، ارتفعت مجددا إلى مستويات ما قبل الجائحة مع نهاية العام. غير أن الخدمات (مثل السياحة) شهدت تراجعا أشد وطأة خلال 2020، وتعافيا أكثر بطئا لاحقا، بسبب استمرار القيود المفروضة في بعض البلدان لاحتواء العدوى.

التداعيات الدولية

اقترنت الجائحة ببعض العوامل التي تساعد في تفسير هذه الأنماط التجارية.

أولا، كانت الواردات السلعية عام 2020 أكبر من المتوقع في ضوء مستويات الطلب (والأسعار النسبية) السائدة آنذاك، وهو ما لوحظ على نحو أكثر وضوحا في البلدان التي شهدت تدابير إغلاق صارمة أو موجة شديدة من تفشي الجائحة.

ثانيا، نشأت عن تدابير الإغلاق العام تداعيات دولية ملحوظة – وإن لم تكن مقصودة. فقد شهدت البلدان التي فرض شركاؤها التجاريون تدابير إغلاق أكثر صرامة انخفاضا أكبر في حجم الواردات السلعية، حيث يُعزى 60% في المتوسط من حجم التراجع في الواردات خلال النصف الأول من عام 2020 إلى تدابير الإغلاق العام لدى الشركاء التجاريين. وتركزت هذه الآثار بالدرجة الأكبر في الصناعات المتممة لعمليات الإنتاج التي تعتمد اعتمادا كبيرا على سلاسل القيمة العالمية (مثل الإلكترونيات).

FIG1

 

غير أن هذه الآثار لم تستمر طويلا، مما يشير إلى صلابة سلاسل الإمداد العالمية. كذلك ساهم العمل من بعد في الحد من تداعيات الإغلاق العام على التجارة.

وبالرغم من ذلك، أدت الانقطاعات الناتجة عن الجائحة إلى انطلاق دعوات لإنتاج المزيد من السلع محليا (إعادة توطين الإنتاج). غير أن إصدارنا الأخير من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي [رابط] يشير إلى أن تفكيك سلاسل القيمة العالمية ليس الحل – حيث تتحسن مستويات الصلابة كلما ازداد التنويع، وليس العكس.

تكيف سلاسل القيمة العالمية

تؤكد بيانات التجارة ما أشرنا إليه آنفا. فبلدان آسيا التي تضررت في وقت مبكر من جائحة كوفيد-19 ونجحت في احتوائها لاحقا (في الوقت الذي فرضت فيه بلدان أوروبية عديدة قيودا مشددة على الحركة) ارتفع نصيبها السوقي من منتجات سلاسل القيمة العالمية، في منتصف عام 2020، بمقدار 4,6 نقطة مئوية في أوروبا و2,3 نقطة مئوية في أمريكا الشمالية. وكانت هذه المكاسب كبيرة وسريعة قياسا بالمعايير التاريخية، ولكنها تراجعت جزئيا مع نجاح البلدان في التكيف مع الجائحة، مما يشير إلى أن هذه التغيرات كانت مؤقتة على الأرجح.

FIG2

 

وبالرغم من تصحيح مسار سلاسل القيمة العالمية، شهدت بعض الصناعات مثل السيارات انقطاعات حادة في الإمدادات، مما يشير إلى ضرورة تعزيز الصلابة. ونحلل فيما يلي خيارين لبناء صلابة سلاسل الإمداد، وهما تنويع المدخلات عبر البلدان، وزيادة قابلية إحلال المدخلات.

تعزيز الصلابة التجارية

تم تصميم نموذج اقتصادي عالمي لمحاكاة آثار الانقطاعات ومقارنة النتائج في ظل زيادة مستويات التنويع أو زيادة قابلية الإحلال (سهولة قيام المنتِج بإحلال أحد موردي المدخلات في بلد ما محل مورد في بلد آخر). وتم وضع سيناريوهين: انقطاع الإمدادات في بلد واحد من كبار موردي المدخلات، ومجموعة من صدمات الإمداد في بلدان متعددة.

ويشير تحليلنا [رابط] إلى أن التنويع يساهم بدرجة كبيرة في الحد من الخسائر الاقتصادية العالمية الناجمة عن انقطاع الإمدادات. فعقب انكماش حاد في عرض العمالة (25%) في بلد واحد من كبار الموردين العالميين، ينخفض إجمالي الناتج المحلي في متوسط الاقتصادات بمقدار 0,8% في السيناريو الأساسي. ويتراجع هذا الانخفاض إلى النصف تقريبا في سيناريو زيادة التنويع.

وتساعد زيادة التنويع أيضا في الحد من التقلبات في حالة تعرض بلدان متعددة لصدمات في الإمدادات. فوفقا لتقديراتنا، تتراجع تقلبات النمو الاقتصادي في متوسط البلدان بحوالي 5% في هذا السيناريو. غير أن التأثير الوقائي للتنويع لن يكون كافيا إذا تعرضت جميع الاقتصادات لموجة حادة من الانقطاعات في الوقت نفسه، على غرار ما حدث في الشهور الأربعة الأولى من الجائحة.

ويمكن للبلدان تنويع إمداداتها من خلال تعهيد المزيد من عمليات توريد المدخلات الوسيطة لجهات بالخارج. غير أنه يوجد في الوقت الحالي "تحيز" كبير لتعهيد هذه الإمدادات إلى موردين محليين. فالشركات في نصف الكرة الغربي، على سبيل المثال، تحصل على 82% من مدخلاتها الوسيطة من موردين محليين. لذلك سيؤدي نقل جزء من الإنتاج من الخارج إلى الداخل إلى تراجع التنويع بدرجة أكبر.

ويمكن أن تتحقق قابلية الإحلال بطريقين، إما من خلال زيادة مرونة الإنتاج، كما حدث عندما قامت شركة تسلا للسيارات الكهربائية بإدخال تعديلات برمجية على سياراتها لتمكينها من استخدام أشباه موصلات بديلة في ظل أزمة نقص هذه الموصلات، أو من خلال توحيد مواصفات المدخلات على المستوى الدولي. فعلى سبيل المثال، صرحت شركة جنرال موتورز مؤخرا بأنها تعمل مع عدد من موردي أشباه الموصلات لخفض عدد الشرائح ذات المواصفات الخاصة التي تستخدمها بنسبة 95% إلى ثلاث مجموعات فقط من هذه الموصلات. وستؤدي هذه الخطوة إلى الاستغناء عن مجموعة كبيرة من الشرائح وتجنب التكلفة الناتجة عن الإحلال فيما بينها.

وبالنظر مجددا في سيناريو انكماش عرض العمالة بنسبة 25% في أحد كبار موردي المدخلات الوسيطة، توصلنا إلى أن زيادة قابلية الإحلال تؤدي إلى تراجع خسائر إجمالي الناتج المحلي في جميع البلدان (بخلاف بلد المصدر) بحوالي أربعة أخماس.

الانعكاسات على السياسات

لا يزال ضمان عدالة الحصول على التطعيمات والعلاجات هو الأولوية الأهم على مستوى السياسات. وتعد تدابير الإغلاق الموجهة التي اتخذتها الصين مؤخرا بمثابة تذكرة بأن القيود المرتبطة بالجائحة لا تزال آثارها تتجاوز حدود البلد المتضرر. لذلك فمن مصلحة جميع البلدان، بما في ذلك البلدان ذات معدلات التطعيم المرتفعة، إنهاء المرحلة الحرجة من الجائحة في كل مكان.

وفي ظل تزايد المخاوف بشأن تجزؤ الاقتصاد العالمي وتشجيع "التوريد من البلدان الصديقة" في أعقاب الحرب في أوكرانيا، يشير تحليلنا أيضا إلى إمكانية زيادة الصلابة من خلال تعزيز قابلية إحلال المدخلات وزيادة تنويعها. وبينما سيكون لقرارات الشركات الدور الأهم في تحديد مدى صلابة سلاسل القيمة العالمية مستقبلا، يمكن أن تساعد السياسات الحكومية في هذا الصدد من خلال إتاحة البيئة الداعمة وخفض التكاليف.

ويمثل تطوير البنية التحتية أحد المجالات المهمة في هذا الصدد بالطبع. فقد اتضح من الجائحة مدى أهمية استثمارات البنية التحتية ببعض المجالات في التخفيف من انقطاعات الإمداد المرتبطة بالخدمات اللوجستية في القطاع التجاري. فعلى سبيل المثال، يساعد تطوير وتحديث البنية التحتية للموانئ الواقعة على مسارات السفن العالمية الرئيسية في الحد من نقاط الاختناق البحرية حول العالم. كذلك يمكن تطوير البنية التحتية الرقمية لتسهيل العمل من بعد، مما يساعد أيضا في الحد من انتقال التداعيات إلى البلدان الأخرى.

ويمكن أن تساعد الحكومات أيضا في إتاحة المعلومات على نطاق أوسع بحيث يمكن للشركات اتخاذ قرارات استراتيجية أكثر كفاءة. فعلى سبيل المثال، تعمل مصانع السيارات بصورة مباشرة مع حوالي 250 مورد رئيسي في المتوسط، ويرتفع هذا العدد إلى 18 ألف مورد في سلسلة القيمة ككل. لذلك يمكن تحسين إمكانية الحصول على المعلومات الخاصة بالمعاملات بين الشركات وشبكات سلاسل الإمداد، بما في ذلك من خلال رقمنة سجلات الشركات، كالإقرارات الضريبية على سبيل المثال، وهو أمر مفيد لا سيما بالنسبة للشركات الأصغر حجما ذات الموارد المحدودة.

وأخيرا، يساعد خفض تكلفة التجارة في تنويع المدخلات. وهناك فرصة للحد من الحواجز غير الجمركية، مما سيساهم في إعطاء دفعة قوية للاقتصاد على المدى المتوسط، ولا سيما في الأسواق الصاعدة والبلدان النامية منخفضة الدخل. ومما سيساعد أيضا في زيادة التنويع الحد من عدم اليقين بشأن السياسات التجارية وإرساء نظام سياسات تجارية منفتح ومستقر وقائم على القواعد.

تستند هذه المدونة إلى الفصل الرابع من عدد إبريل 2022 من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي بعنوان "التجارة العالمية وسلاسل القيمة أثناء الجائحة"، وتتضمن بحثا أجراه كل من غلين شير وتينغ لان بتوجيه من شيخار أيار وبمساعدة شان تشن وبرايان زو ويويو هوانغ وإلسا بيرتسيغيل. وأُجري هذا التحليل في مطلع عام 2022 قبل الغزو الروسي لأوكرانيا، ولا يركز على انعكاسات الحرب على التجارة وسلاسل القيمة العالمية.

*****

 

 

دافيد مالاكرينو هو اقتصادي في إدارة البحوث بالصندوق. وقد عمل سابقا في الإدارة الأوروبية، مع التركيز على منطقة اليورو، ولفترة وجيزة على آيسلندا. وتركز أبحاثه في مجال الاقتصاد العمالي وتمويل الأسر على ديناميكية الدخل، وعدم المساواة في توزيع الدخل والثروة، وريادة الأعمال. وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة ستانفورد.

 

عادل محمد هو اقتصادي في إدارة البحوث بالصندوق في الوقت الحالي. وشارك سابقا كاقتصادي في فرق عمل قطرية عديدة بالصندوق، بما في ذلك الهند وأستراليا ونيوزيلندا ونيبال وبوتان وتوفالو. وتتناول أبحاثه السابقة عددا من الموضوعات في مجالات الإصلاحات المالية، والمؤسسات والنمو، وأسواق العمل، والتجارة. وهو حاصل على درجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة ميريلاند ودرجة الماجستير في الاقتصاد من كلية دلهي للاقتصاد بجامعة دلهي (الهند).

 

أندريا بريسبيتيرو هو اقتصادي أول في إدارة البحوث بالصندوق، وزميل باحث في مركز بحوث السياسات الاقتصادية (CERP) ببرنامج التمويل الدولي والاقتصاد الكلي، وزميل مشارك في كلية الدراسات الدولية المتقدمة في أوروبا. وعمل في السابق أستاذا مساعدا في جامعة ماركي التقنية وأستاذا مشاركا في كلية الدراسات الدولية المتقدمة بجامة جونز هوبكنز. وتركز أبحاثه على الوساطة المالية، والبنوك، والتمويل الإنمائي، والدين السيادي. وهو محرر مشارك في الدورية الاقتصادية التي يصدرها الصندوق بعنوان IMF Economic Review ودورية Economia (LACEA) ودورية الاستقرار المالي. ويمكن الاطلاع على أبحاثه من خلال الرابط التالي: /https://sites.google.com/site/presbitero
مدونات حديثة