المملكة العربية السعودية والمُضي قُدُما وسط انخفاض أسعار النفط
7 يناير 2026
العام القادم سيكون عاما محوريا للمملكة العربية السعودية. فالمملكة في وضع جيد يؤهلها لمواجهة ما هو أبعد من العوامل الدافعة المواتية التي سادت الفترة 2022–2024 — عندما ساهم ارتفاع أسعار النفط وتنفيذ الإصلاحات في تسهيل التعجيل بالإنفاق المرتبط بأهداف "رؤية السعودية 2030" — والدخول في بيئة أصعب تتسم بانخفاض أسعار النفط وزيادة الاحتياجات التمويلية. وفي الوقت نفسه، تُجري المملكة العربية السعودية حاليا تحولا استراتيجيا في بعض أولوياتها للإنفاق، مع تحول بعض التركيز في استثماراتها نحو الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات المتقدمة في سياق جهودها الأعم لتنويع اقتصادها.
والقدرة على الصمود التي بدت في عام 2025 تؤكد التقدم المتحقق بالفعل في الحد من تعرض الاقتصاد لمخاطر تقلبات النفط. وبرغم انخفاض أسعار النفط إلى أقل من مستوى الذروة الذي بلغته في عام 2022 بنحو 30%، تمكن الاقتصاد غير النفطي من الحفاظ على قوة زخمه. وتعكس هذه القوة تأثير الإصلاحات في ظل رؤية السعودية 2030 — فقد تقلصت فجوات تنويع النشاط الاقتصادي التي تفصلها عن الأسواق الصاعدة في حين أصبحت بيئة الأعمال الآن تضاهي مثيلاتها في الاقتصادات المتقدمة. والأهم من ذلك أن النمو لم يكن مدفوعا بالاستثمار فحسب، وإنما كانت وراءه الموارد البشرية كذلك: فتوفير فرص العمل في القطاع الخاص شهد زيادة كبيرة، ولا سيما للنساء، ومعدلات البطالة بلغت أدنى مستوياتها. ومع هذا، لا يزال الاستمرار في بذل الجهود ضروريا لسد الفجوات المتبقية مقارنة بالاقتصادات المتقدمة واستمرار التحول في المسار الصحيح.

وبالنظر إلى المستقبل، فالمملكة العربية السعودية تواجه اختبارا جديدا: كيف تحافظ على زخم الإصلاح في حقبة من المحتمل أن تشهد انخفاض إيرادات النفط دون الانزلاق مجددا في دورات التباطؤ الاقتصادي كتلك التي أعقبت فترات انتعاش النفط السابقة. والمسار المستقبلي واضح: يجب مواصلة تنويع النشاط الاقتصادي من خلال الإصلاحات المستمرة بصرف النظر عن تطورات أسعار النفط. ولحسن الحظ، تواجه المملكة العربية السعودية هذا التحدي من مركز قوة نسبية. وتظل نسبة الدين العام إلى إجمالي الناتج المحلي منخفضة في حين أن الأصول الأجنبيـة لا تزال وفيرة. ومع هذا، مع زيادة الضغوط التمويلية المرتبطة بالمشروعات الاستثمارية الكبرى، تظل قدرة المملكة العربية السعودية على الارتكاز في قراراتها بشأن الإنفاق على إطار متسق ومتعدد السنوات مطلبا حيويا للمحافظة على الاستدامة في الأجل الطويل.
أولويات السياسات
إن القرار الذي اتُخِذَ مؤخرا بإعادة ترتيب الأولويات فيما يخص بعض مشروعات الاستثمار الكبرى ساعد على تركيز الإنفاق في المجالات الأهم، بينما يساهم كذلك في تخفيف حدة مخاطر فورة النشاط الاقتصادي. ومن الضروري كذلك أن تُعطى الأولوية للمشروعات التي تبشر بتحقيق عائدات مرتفعة والالتزام بالحدود القصوى المحددة للإنفاق. وعلى المدى المتوسط، سيكون لمواصلة تعبئة الإيرادات غير النفطية (التي ازدادت بمقدار الضعف على مدار الخمس سنوات الماضية)، وإصلاح دعم الطاقة، وزيادة كفاءة الإنفاق العام، دور حاسم كذلك في الوصول إلى مسار مستدام للمالية العامة. ومواصلة تحسين مؤسسات المالية العامة — من خلال الاستمرار في الإدارة الحصيفة للدين وانتهاج استراتيجية سليمة في إدارة الأصول والخصوم السيادية — من شأنها المساعدة على المحافظة على قوة المالية العامة والمُضي قُدُما نحو تحقيق أهداف "رؤية السعودية 2030".

ويمكن للإشراف القوي على القطاع المالي أن يساعد على دعم نمو الائتمان بشكل سليم، ولا سيما مع تزايد اعتماد البنوك على التمويل الخارجي قصير الأجل. وسوف يكون لتوخي البنك المركزي السعودي لليقظة المستمرة في مراقبة المخاطر الناشئة دورٌ بالغ الأهمية في الحيلولة دون تراكم مواطن الضعف. وفي ظل الأوضاع المتطورة، ينبغي أن يواصل البنك المركزي العمل على نحو استباقي لاتخاذ تدابير احترازية تهدف إلى المحافظة على قدرة النظام المالي على الصمود. وتعميق السوق المالية بمرور الوقت — لكي تتمكن الشركات من الحصول على مزيد من التمويل عن طريق إصدار السندات والأسهم — سيساعد على تخفيف الضغوط عن البنوك، وتسهيل تقديم الائتمان للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتوفير مزيج متوازن من التمويل للاقتصاد.
والمحافظة على زخم النمو في المملكة العربية السعودية ستعتمد بشكل متزايد على محركين: وجود قوى عاملة ماهرة وقطاع خاص حيوي. ويمكن المساعدة على توفير المهارات التي تحتاج إليها الصناعات الناشئة من خلال التأكد من تمتع العاملين بالمهارات الصحيحة، ولا سيما في القطاعات سريعة النمو مثل التكنولوجيا والضيافة التي تبدو الفجوات فيها أوسع ما يكون. وفي الوقت نفسه، فإن الاستمرار في تعميق الإصلاحات — بما في ذلك الصمود في تنفيذ الأنظمة التي أُقِرَت مؤخرا بهدف تيسير دخول المستثمرين الأجانب إلى السوق — سيساعد على تقوية بيئة الأعمال المواتية للمستثمرين وجذب مزيد من الاستثمار الخاص. ويمكن لصندوق الاستثمارات العامة القيام بدور محفز مكمل في هذا الصدد بالتشجيع على قيام مشروعات وعلاقات شراكة جديدة، مع التأكد من إتاحة حيز كبير يكفي لنجاح المستثمرين من القطاع الخاص المحلي والدولي على حد سواء.

أمين ماطي مدير مساعد ويوان "مونيكا" غاو رولينسون تعمل اقتصاديا، وكلاهما من إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي.


