تقرير آفاق الاقتصاد العالمي

تقديم وملخص واف 

أكتوبر 2017

عودة إلى أعلى

تقديم 

لا يزال الانتعاش الدوري العالمي يكتسب قوة متزايدة منذ بدأ في منتصف 2016. فمنذ فترة لا تتجاوز العام والنصف، كان الاقتصاد العالمي يواجه تباطؤا في النمو واضطرابات في الأسواق المالية. لكن الصورة الراهنة تبدو مختلفة للغاية مع تسارع النمو في أوروبا واليابان والصين والولايات المتحدة. ولا تزال الأوضاع المالية قوية عبر بلدان العالم، كما يبدو أن الأسواق المالية تتوقع القليل من الاضطرابات في الفترة القادمة، بينما يواصل الاحتياطي الفيدرالي استعادة الأوضاع النقدية العادية ويسير البنك المركزي الأوروبي بخطوات وئيدة في نفس الاتجاه.


وتشكل هذه التطورات الإيجابية باعثا جيدا لمزيد من الثقة، ولكن لا ينبغي لصناع السياسات ولا الأسواق أن يركنوا إليها مؤثرين التراخي. ذلك أن النظرة المدققة تشير إلى احتمال أن يكون التعافي العالمي غير قابل للاستمرار – فالبلدان ليست جميعا مشاركة فيه، والتضخم لا يزال في الغالب أدنى من المستوى المستهدف مع ضعف نمو الأجور، والآفاق متوسطة الأجل لا تزال مخيبة للآمال في كثير من أنحاء العالم. ونجد أيضا أن هناك مخاطر كبيرة تهدد التعافي الجاري. ومن ثم فإن الأسواق المالية التي تتجاهلها تتعرض لعمليات إعادة تسعير مربكة، وتبعث برسائل مضللة لصناع السياسات. وصناع السياسات، بدورهم، عليهم الاحتفاظ برؤية أطول أجلا واغتنام الفرصة السانحة لتنفيذ الإصلاحات الهيكلية والمالية اللازمة بغية تعزيز الصلابة ورفع الإنتاجية والاستثمار. ويعتبر احتمال ألا يسلكوا هذا المسلك – إذ أن الحكومات كثيرا ما تنتظر حتى تدفعها الأزمات إلى اتخاذ إجراء حاسم - هو نفسه مصدرا للمخاطر التي تهدد آفاق الاقتصاد، وعائقا أمام تحقيق نمو أكثر احتوائية وقابلية للاستمرار. ويهيئ التقدم الاقتصادي المحقق مؤخرا بيئة عالمية مليئة بالفرص، وعلى صناع السياسات ألا يضيعوا الفرصة السانحة لهم.


ويعتبر التعافي الراهن غير مكتمل من بعض النواحي المهمة: داخل البلدان، وعبر البلدان، وعبر الزمن.


داخل البلدان: في الوقت الذي تنغلق فيه فجوات الناتج السلبي في الاقتصادات المتقدمة، يظل نمو الأجور الاسمية والحقيقية ضعيفا مقارنة بفترات التعافي السابقة. ويشكل ضعف نمو الأجور مصدرا للتضخم الضعيف بدرجة مستغربة والذي يعتبر بدوره باعثا على القلق، ذلك أنه يبقي أسعار الفائدة الاسمية المنخفضة ويزيد احتمالات وصولها إلى الحد الأدنى الفعلي، أي النقطة التي تنتهي عندها قدرة البنوك المركزية على إجراء مزيد من الخفض في أسعار الفائدة. ويدرس الفصل الثاني من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي ذلك البطء المستغرب في نمو الأجور الاسمية مؤخرا، والذي يعزز امتداد ركود الأجور الوسيطة إلى المدى الأطول، وتصاعد عدم المساواة في توزيع الدخل، واستقطاب الوظائف على النحو الذي أحدث ندرة متزايدة في الوظائف المجزية التي تتطلب مهارات متوسطة. وقد تسببت هذه التطورات في رد فعل شعبي كبير مضاد للعولمة – وهو بمثابة خطر كبير يهدد الاقتصاد العالمي – بالرغم من أن التطورات التكنولوجية والسياسات الحكومية قامت معا بدور أكبر في زيادة عدم المساواة في توزيع الدخل، كما أن المخاوف من زيادة سرعة التحول إلى النظم الآلية تمثل باعثا على القلق في الوقت الراهن. وقد تعرضت الأسواق الصاعدة لضغوط مماثلة في مواجهة تحرير التجارة والتغير التكنولوجي، ولكن النمو أدى في كثير من الحالات إلى رفع الشريحة العُشرية في توزيعات الدخل لديها ولا تزال المواقف السائدة تجاه آثار التجارة على أسواق العمل متفائلة في معظمها.  


عبر البلدان: يغطي الصعود الاقتصادي الحالي نطاقا أوسع من أي فترة طوال العقد الماضي – إذ يشارك في هذا النشاط المتسارع حوالي 75% من الاقتصاد العالمي، مقيسا بإجمالي الناتج المحلي المحسوب على أساس تعادل القوى الشرائية. ولكن هذا يعني أن 25% من الكوب فارغ، مما يشكل عبئا على النمو العالمي ومصدرا محتملا للصدمات السياسية المزعزعة للاستقرار. فالبلدان الصاعدة ومنخفضة الدخل المصدرة للسلع الأولية، وخاصة المصدرة للطاقة، لا تزال تعاني، ومثلها عدة بلدان تمر بقلاقل أهلية واضطرابات سياسية، معظمها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وإفريقيا جنوب الصحراء وأمريكا اللاتينية. وكثير من هذه البلدان ذاتها هو الأشد تعرضا أيضا للآثار السلبية المترتبة على تغير المناخ – والتي نلمسها بالفعل من خلال زيادة تواتر الأحداث الجوية المتطرفة في بعض المناطق، مثل موجات الحر والأمطار الغزيرة. ويركز الفصل الثالث على التكاليف الاقتصادية لتغير المناخ والحاجة إلى توجه استثمارات لسبل التكيف معه في البلدان منخفضة الدخل. غير أن الاقتصادات المتقدمة لن تكون محصنة من التطورات المناخية القادمة – سواء من خلال الآثار المباشرة في بعض المناطق المتقدمة، مثل المناطق الساحلية في الولايات المتحدة، أو تداعيات الهجرات الجماعية وعدم الاستقرار الجغرافي-السياسي الناشئين في البلدان الأفقر.  


عبر الزمن: وراء تطورات النمو الإيجابية الأخيرة، من المتوقع أن يسجل نصيب الفرد من معدلات النمو الاتجاهي الأطول أجلا في كثير من الاقتصادات مستوى أقل من معدلات النمو الاتجاهي السابقة. وعلى سبيل التحديد، يواجه معظم الاقتصادات المتقدمة معدلات نمو متوسطة الأجل أقل بكثير مما كانت عليه في العقد السابق على الأزمة المالية العالمية التي وقعت في الفترة 2007-2009. وتتفاوت أسباب هذا التباطؤ باختلاف البلدان. فبالنسبة لبعض الاقتصادات، ومن أبرزها الاقتصاد الصيني، يمثل تراجع النمو طويل الأجل نتيجة طبيعية لاستعادة توازن النمو وتحقيق التقارب المستهدف. وبالنسبة للاقتصادات الصاعدة المصدرة للسلع الأولية، التي استفادت من سرعة نمو قطاع التصنيع الصيني في الأعوام السابقة، يتعين استحداث نماذج جديدة للنمو في مواجهة الانخفاض الدائم في أسعار الصادرات. وبالنسبة للاقتصادات المتقدمة، هناك دور كبير يقوم به بطء نمو الإنتاجية المتوقع وشيخوخة القوى العاملة. ويمكن أن يكون انخفاض معدلات النمو الاتجاهي للفرد مشكلة لعدة أسباب؛ فهي تزيد من صعوبة رفع المستويات المعيشية للفقراء ومشقة إعادة توزيع الموارد في مواجهة التغيرات الاقتصادية، كما تردع الاستثمارات المعززة للإنتاجية، وتضر باستمرارية شبكات الأمان الاجتماعي الممولة حكوميا، وتغذي الشعور بالسخط السياسي لكونها تطيح بالآمال في المستقبل وتضعف الإيمان بعدالة النتائج الاقتصادية. وبدورها، يمكن أن تؤدي هذه العوامل إلى الانحراف عن مسار التنبؤات الأساسية.   


وتفرض فجوات التعافي السابقة تحديا أمام صناع السياسات يدفعهم إلى اتخاذ إجراءات لمواجهته – إجراءات يجب أن تتم الآن والفرصة مواتية. وتختلف الإصلاحات الهيكلية المطلوبة باختلاف البلدان، ولكن كل البلدان أمامها متسع كبير لاتخاذ إجراءات تعزز الصلابة الاقتصادية إلى جانب النمو الممكن. وبالنسبة لبعض البلدان التي أغلقت فجوات الناتج بالفعل، حان الوقت للتفكير في تنفيذ الضبط المالي تدريجيا، لتخفيض مستويات الدين العام المتضخمة وخلق هوامش وقائية يمكن الاستعانة بها في فترة الركود القادمة. ويمكن أن تتمخض عن هذه الإجراءات تداعيات سلبية في الخارج، على النحو الذي نناقشه في الفصل الرابع. ولكن البلدان التي تمتلك حيزا ماليا أكبر يمكن أن تعوِّض انخفاض الطلب العالمي – بأن تقوم، على سبيل المثال، باستثمارات ضرورية في البنية التحتية المنتجة أو الإنفاق من المالية العامة لدعم الإصلاحات الهيكلية. ويمكن أن تساعد هذه الحزمة المالية العالمية أيضا على تخفيض الاختلالات العالمية المفرطة.


ومما يشكل أهمية بالغة للنمو الاحتوائي والقابل للاستمرار توجيه استثمارات لتنمية الموارد البشرية في كل مراحل دورة الحياة، وخاصة مرحلة الشباب. فيمكن أن يؤدي تحسين التعليم والتدريب وإعادة التدريب إلى تيسير تكيف سوق العمل مع التحول الاقتصادي المستمر على المدى الطويل – والذي يأتي من كل المصادر، وليس فقط من التجارة – ورفع الإنتاجية. فعلى المدى القصير، ينبغي توجيه اهتمام عاجل لبطالة الشباب المفرطة التي يعاني منها كثير من البلدان. فمن شأن الاستثمار في رأس المال البشري أن يساعد على رفع نصيب العمالة من الدخل، على عكس الاتجاه العام السائد في العقود الأخيرة – ولكن على الحكومات أن تنظر أيضا في تصحيح التشوهات التي ربما تكون قد أحدثت ضعفا مفرطا في القوة التفاوضية للعمالة. وخلاصة القول إن السياسة ينبغي أن تشجع وجود بيئة مؤدية إلى نمو قابل للاستمرار في الأجور الحقيقية.


وهناك عدة مشكلات عالمية تتطلب تحركا متعدد الأطراف. ومن أولويات التعاون الذي يحقق النفع المتبادل لكل الأطراف تعزيز النظام التجاري العالمي، وتحقيق تقدم أكبر في تحسين التنظيم المالي، وتعزيز شبكة الأمان المالي العالمية، والحد من التحايل الضريبي الدولي، ومكافحة المجاعات والأمراض المعدية، وتخفيف انبعاثات غازات الدفيئة قبل أن تتسبب في ضرر لا يمكن تداركه، ومساعدة البلدان الأفقر - التي لا تدخل في عداد البلدان المتسببة في انبعاثات كبيرة – على التكيف مع تغير المناخ. وإذا كانت قوة الصعود الاقتصادي الحالي تجعل من الفترة الراهنة فرصة مثالية للإصلاحات المحلية، فإن اتساع نطاق هذا الصعود يجعل التعاون متعدد الأطراف عملا في حينه. وينبغي أن يتحرك صناع السياسات بينما لا تزال الفرصة سانحة.

موريس أوبستفلدالمستشار الاقتصادي

عودة إلى أعلى

ملخص واف

يكتسب انتعاش النشاط الاقتصادي العالمي قوة متزايدة. فبعد أن بلغ النمو العالمي أدنى مستوياته منذ الأزمة المالية العالمية مسجلا 3.2% في عام 2016, يُتوقع أن يرتفع إلى 3.6% في عام 2017 وإلى 3.7% في عام 2018. وتأتي تنبؤات النمو لعامي 2017 و 2018 أعلى مما ورد في عدد إبريل 2017 من تقرير "آفاق الاقتصاد العالمي" بمقدار 0.1 نقطة مئوية. فقد رُفِعت التوقعات على نطاق واسع في منطقة اليورو واليابان وآسيا الصاعدة وأوروبا الصاعدة وروسيا – حيث كانت نتائج النمو في النصف الأول من 2017 أفضل من المتوقع – مما عوَّض وتجاوز حجم التخفيض في التوقعات الموضوعة للولايات المتحدة والمملكة المتحدة.


ولكن التعافي غير مكتمل. فبينما تزداد قوة الآفاق في السيناريو الأساسي، يظل النمو ضعيفا في بلدان عديدة، والتضخم دون مستواه المستهدف في معظم الاقتصادات المتقدمة. ويقع أكبر الضرر على البلدان المصدرة للسلع الأولية بوجه خاص، لا سيما المصدرة للوقود، مع استمرار جهودها للتكيف مع التراجع الحاد في الإيرادات الأجنبية. وتتسم المخاطر بالتوازن إلى حد كبير على المدى القصير، لكن الكفة السلبية لا تزال هي الأرجح على المدى المتوسط. لذلك فإن التحسن الدوري الجدير بالترحيب في النشاط الاقتصادي العالمي يتيح فرصة مثالية لمعالجة التحديات البارزة على مستوى السياسات – وهي زيادة الناتج الممكن مع ضمان توزيع ثماره على نطاق واسع، وبناء الصلابة اللازمة في مواجهة مخاطر التطورات السلبية. وثمة حاجة أيضا إلى تجديد الجهود متعددة الأطراف بغية التصدي للتحديات المشتركة التي يفرضها الاقتصاد العالمي المتكامل.


بدأ تحسن النشاط العالمي في النصف الثاني من عام 2016، واكتسب زخما إضافيا في النصف الأول من عام 2017. ومن المتوقع أن يرتفع النمو على مدار العام الحالي والقادم في اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، مدعوما بتحسن العوامل الخارجية – البيئة المالية العالمية المواتية وتعافي الاقتصادات المتقدمة. ولا يزال النمو قويا في الصين وأجزاء أخرى من آسيا الصاعدة، كما ظهرت بوادر لتحسن الأوضاع التي لا تزال صعبة في عدد من البلدان المصدرة للسلع الأولية في أمريكا اللاتينية وكومنولث الدول المستقلة وإفريقيا جنوب الصحراء. وفي الاقتصادات المتقدمة، يشمل تحسن النمو الملحوظ في عام 2017 عددا كبيرا من البلدان، مع ازدياد قوة النشاط في الولايات المتحدة وكندا، ومنطقة اليورو، واليابان. ولكن آفاق النمو أكثر تواضعا على المدى المتوسط نظرا لتقلص فجوات الناتج السالبة (مما يترك مجالا أقل للتحسن الدوري) وتأثر النمو الممكن بالعوامل الديمغرافية وضعف الإنتاجية.

 

أما التغييرات التي أجريت في تنبؤات النمو الكلي مقارنة بعدد إبريل 2017 من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي فهي إيجابية عموما ولكنها محدودة، مع بعض التغييرات المؤثرة فيما يتعلق بمجموعات بلدان وبلدان منفردة معينة.

  • فتمشيا مع الزخم الأقوى من المتوقع في النصف الأول من عام 2017، تشير التنبؤات إلى تعافٍ أقوى في الاقتصادات المتقدمة في عام 2017 (حيث يرتفع النمو إلى 2.2% مقابل 2% في تنبؤات إبريل)، مدفوعا بزيادة قوة النمو في منطقة اليورو واليابان وكندا. وفي المقابل، تم تخفيض توقعات النمو لعام 2017 للمملكة المتحدة ولعامي 2017 و2018 للولايات المتحدة عما كانت عليه في عدد إبريل 2017 من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي، مما يعني تخفيض توقعات النمو الكلي للاقتصادات المتقدمة في عام 2018 بمقدار 0.1 نقطة مئوية. فقد تباطأ النشاط في المملكة المتحدة بدرجة أكبر من المتوقع في النصف الأول من عام 2017. أما في الولايات المتحدة، فنظرا لعدم اليقين الكبير بشأن السياسات، يرتكز التنبؤ الحالي على عدم تغير السياسات كافتراض أساسي، بعد أن كان يرتكز في إبريل على افتراض حدوث تنشيط مالي مدفوع بالتخفيضات الضريبية التي كانت متوقعة آنذاك.
  •  

  • وقد رُفعت توقعات النمو لاقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية بنسبة 0.1 نقطة مئوية لعامي 2017 و2018 مقارنة بإبريل، وهو ما يرجع في الأساس إلى رفع توقعات النمو للصين. وتعكس تنبؤات 2017 للصين (6.8% مقابل 6.6% في شهر إبريل) تحقيق النمو نتائج أقوى في النصف الأول من 2017 وزيادة تحسن الطلب الخارجي. وبالنسبة لعام 2018، ترجع التعديلات في الأساس إلى توقع استمرار السلطات في تطبيق مزيج من السياسات التوسعية يكفي لتحقيق هدف مضاعفة إجمالي الناتج المحلي الحقيقي بين عامي 2010 و 2020. كذلك رُفعت تنبؤات النمو لأوروبا الصاعدة لعام 2017 – فيما يرجع لاكتساب النمو قوة أكبر في تركيا وبلدان أخرى في المنطقة - وروسيا لعامي 2017 و2018 والبرازيل لعام 2017.
  •  

    ويسود الأسواق المالية شعورا عاما إيجابيا نتيجة استمرار مكاسب أسواق الأسهم في كل من الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة. ونظرا لما تشير إليه التوقعات الحالية من عودة السياسة النقدية العادية بوتيرة أكثر تدرجا مقارنة بشهر مارس، تراجعت أسعار الفائدة الأمريكية طويلة الأجل بحوالي 25 نقطة أساس منذ ذلك الحين، وانخفضت القيمة الفعلية الحقيقية للدولار بأكثر من 5%، بينما ارتفعت القيمة الحقيقية لليورو بمقدار مماثل. ورغم توقعات ارتفاع الطلب العالمي في المستقبل، فقد ظلت أسعار السلع الأولية ضعيفة، مع إشارة أسعار النفط إلى زيادة المعروض عن المستوى المتوقع.

     

    ويُلاحَظ تراجُع التضخم الكلي في أسعار المستهلكين منذ فصل الربيع، حيث انحسرت الدفعة الرافعة للأسعار نتيجة تعافي أسعار النفط في عام 2016 وبدأ انخفاض أسعار النفط خلال الشهور الأخيرة يفرض ضغوطا خافضة. وبالرغم من ارتفاع نمو الطلب المحلي، فقد ظل التضخم الأساسي في الاقتصادات المتقدمة ضعيفا بوجه عام، وهو ما يعكس استمرار ضعف نمو الأجور (الفصل الثاني). ومن المرجح ألا يرتفع التضخم إلا بالتدريج نحو المستويات التي تستهدفها البنوك المركزية. وفي اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، ساعد على انخفاض معدلات التضخم الأساسي تراجع الآثار الناجمة عن الانخفاضات السابقة في قيم العملات مقابل الدولار الأمريكي وارتفاع قيم بعض العملات في الآونة الأخيرة.   

         

    وعلى المدى القصير، تتسم المخاطر بدرجة كبيرة من التوازن. فعلى الجانب الإيجابي، يمكن أن يحقق التعافي قوة أكبر، مدعوما بقوة ثقة المستهلكين والأعمال والأوضاع المالية المواتية. وفي الوقت نفسه، ونظرا للبيئة التي تتسم بقدر كبير من عدم اليقين المحيط بالسياسات والتوترات الجغرافية-السياسية، يمكن أن تتأثر ثقة الأسواق سلبا بأي خطوات غير مدروسة على مستوى السياسات – وهي الخطوات التي يفترض السيناريو الأساسي تجنبها – مما يؤدي إلى تشديد الأوضاع المالية وإضعاف أسعار الأصول.    

     

    ولا تزال الكفة السلبية هي الأرجح في ميزان المخاطر المؤثرة على النمو في المدى المتوسط، وهو ما يعزى إلى عدة مخاطر محتملة:

  • تشديد الأوضاع المالية العالمية بدرجة أسرع وأكبر: قد يأتي ذلك في شكل ارتفاع في أسعار الفائدة طويلة الأجل في الولايات المتحدة وبلدان أخرى بسبب استعادة السياسة النقدية العادية بوتيرة أسرع من المتوقع أو اتساع فروق العائد على الاستثمار طويل الأجل، مما يتسبب في تداعيات سلبية بالنسبة للاقتصادات الضعيفة. وإذا اقتضت الضرورة تشديد السياسة النقدية في منطقة اليورو بينما لا يزال تعافي الأسعار والنمو لا يزال متأخرا في البلدان الأعضاء المثقلة بالديون، فقد تتعرض هذه البلدان للمخاطر ما لم تكن قد نفذت إجراءات التصحيح المالي والإصلاحات الهيكلية اللازمة لزيادة العرض الممكن. وقد يؤدي تشديد الأوضاع المالية العالمية أيضا إلى تراجع حاد في الإقبال العالمي على المخاطرة مقارنة بمستوياته القوية الحالية، مما يمكن أن يؤثر سلبا على النشاط الاقتصادي الكلي من خلال إضعاف الثقة وتخفيض تقييمات الأصول وارتفاع علاوات المخاطر.
  •  

  • الاضطرابات المالية في اقتصادات الأسواق الصاعدة: يرجع رفع تنبؤات النمو في الصين إلى تباطؤ استعادة توازن النشاط في اتجاه الخدمات والاستهلاك، وارتفاع مسار الدين المتوقع، وتقلص الحيز المالي. وما لم تواجه السلطات الصينية المخاطر المصاحبة من خلال تسريع الجهود المشجعة التي بدأتها مؤخرا بغرض الحد من التوسع الائتماني، فقد تؤدي هذه العوامل إلى رفع احتمالات التباطؤ الحاد في نمو الصين، مع ما ينجم عن ذلك من انعكاسات دولية سلبية. وعقب مرحلة العرض الائتماني الوفير، يمكن أن يؤدي التشديد المفاجئ للأوضاع المالية العالمية (مقترنا بارتفاع قيمة الدولار الأمريكي) إلى كشف مواطن الهشاشة المالية في بعض الأسواق الصاعدة، مما يفرض ضغوطا على الاقتصادات التي تربط عملاتها بالدولار الأمريكي ولديها نسب عالية من الرفع المالي وتعاني من عدم الاتساق في ميزانياتها العمومية.
  •  

  • التضخم المنخفض بصورة مزمنة في الاقتصادات المتقدمة: إذا ما تعثر الطلب المحلي، قد يفضي ذلك إلى انخفاض توقعات التضخم على المدى المتوسط، مما يزيد من ضعف التضخم ويطيل استمراريته. ويؤدي انخفاض التضخم وأسعار الفائدة الاسمية بدوره إلى الحد من قدرة البنوك المركزية على خفض أسعار الفائدة الحقيقية لاستعادة التوظيف الكامل في فترات الهبوط الاقتصادي.
  •  

  • التراجع واسع النطاق عما أُحرز من تحسينات في تنظيم ومراقبة القطاع المالي منذ الأزمة المالية العالمية: قد يؤدي مثل هذا التراجع إلى انخفاض احتياطيات رأس المال والسيولة أو إضعاف فعالية الرقابة، مع ما يسببه ذلك من انعكاسات سلبية على الاستقرار المالي العالمي. 
  •  

  • التحول إلى السياسات الانغلاقية: فمن شأن التحول إلى الحمائية أن يؤدي إلى تراجع تدفقات التجارة والاستثمارات عبر الحدود، مما يلحق الضرر بالنمو العالمي.
  •  

  • العوامل غير الاقتصادية: تتضمن هذه العوامل التوترات الجغرافية-السياسية، والنزاعات السياسية المحلية، والمخاطر الناجمة عن ضعف الحوكمة والفساد، والأحداث الجوية المتطرفة، ومخاوف الإرهاب والأوضاع الأمنية، وجميعها يمكن أن ينحرف بالنمو عن مساره الصحيح.
  •  

    وهناك ترابط وثيق بين هذه المخاطر ويمكن أن يدعم كل منها الآخر. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يقترن التحول إلى السياسات الانغلاقية بزيادة التوترات الجغرافية-السياسية بالإضافة إلى تزايد العزوف عن المخاطر على مستوى العالم؛ ويمكن أن تفرض الصدمات غير الاقتصادية عبئا مباشرا يعوق النشاط الاقتصادي ويزعزع الثقة والمشاعر السائدة في السوق؛ كما يمكن أن يؤدي تشديد الأوضاع المالية العالمية بسرعة أكبر من المتوقع أو التحول إلى الحمائية في الاقتصادات المتقدمة إلى تفاقم الضغوط الدافعة لخروج التدفقات الرأسمالية من الأسواق الصاعدة.

     

    وفي ظل الانتعاش الدوري الجدير بالترحيب والذي حققه النشاط الاقتصادي العالمي بعد نمو مخيب للآمال على مدار السنوات القليلة الماضية، هناك فرصة مثالية لإجراء الإصلاحات الأساسية الرامية إلى تعزيز الناتج الممكن وضمان توزيع ثماره على نطاق واسع وبناء الصلابة في مواجهة مخاطر التطورات السلبية. ولما كانت البلدان لا تزال تواجه أوضاعا دورية مختلفة، فإن اختلافها يظل ملائما من حيث المواقف التي تتخذها السياسة النقدية وسياسة المالية العامة. ويظل استكمال التعافي الاقتصادي واعتماد استراتيجيات لضمان وضع المالية العامة على مسار قابل للاستمرار هدفين مهمين في العديد من الاقتصادات. 

     

    وفيما يلي بعض مجالات التركيز الاستراتيجي المهمة:

  • رفع الناتج الممكن: هناك حاجة للإصلاحات الهيكلية وسياسات المالية العامة الداعمة للنمو بغرض زيادة الإنتاجية وعرض العمالة، مع وجود تفاوت في الأولويات بين البلدان. وفي الفترة المقبلة، يستلزم التحول الهيكلي الجاري (التغير التكنولوجي الموفر للعمالة والمنافسة عبر الحدود) وضع مجموعة شاملة من مناهج السياسات، بما في ذلك السياسات التي تحد من مشقة الإصلاح وتتيح فرصا للجميع.
  •  

  • تأمين التعافي وبناء الصلابة: ينبغي أن تستمر السياسة النقدية التيسيرية في الاقتصادات المتقدمة إلى أن تظهر بوادر مؤكدة لعودة التضخم إلى مستوياته المستهدفة. وكما يوثق الفصل الثاني، فإن استمرار ضعف ضغوط الأجور يرجع في الأساس إلى التراخي المتبقي الذي لا ترصده بالكامل معدلات البطالة الكلية. وفي نفس الوقت، يتعين مراعاة المتابعة الدقيقة لتقييمات الأصول المبالغ فيها والزيادة المستمرة في الرفع المالي في بعض أجزاء القطاع المالي، مع الرقابة الاحترازية الجزئية والكلية الاستباقية حسب مقتضى الحال. وينبغي تحقيق الاتساق بين موقف سياسة المالية العامة وجهود الإصلاح الهيكلي، بحيث يمكن الاستفادة من الأوضاع الدورية المواتية في وضع الدين العام على مسار قابل للاستمرار مع دعم الطلب حيثما اقتضت الحاجة وتوافرت الإمكانية. وكما يؤكد الفصل الرابع، فإن زيادة الإنفاق العام الموجه إلى رفع مستوى الناتج الممكن يمكن أن تحقق منافع محلية وتداعيات إيجابية ينتقل أثرها إلى بلدان أخرى، لا سيما في الاقتصادات التي تشهد حالة تراخ اقتصادي وأوضاعا نقدية تيسيرية. بل إن اعتماد تلك التوصيات بشأن السياسات من شأنه المساعدة على تقليص الاختلالات الخارجية، لا سيما بالنسبة للاقتصادات المتقدمة ذات الفوائض الزائدة، حيث يساهم ارتفاع الطلب المحلي في موازنة آثار الطلب السلبي الناتج عن جهود استعادة التوازن اللازمة في بلدان العجز. وهناك حيز مالي محدود لدعم الطلب في كثير من اقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية، وخاصة المصدرة للسلع الأولية. ولكن السياسة النقدية يمكن أن تتيح الدعم اللازم عموما، نظرا لأن التضخم قد بلغ ذروته على ما يبدو في بلدان عديدة. وتساعد مرونة أسعار الصرف على التكيف مع صدمات أسعار السلع الأولية. وستساهم جهود تعزيز الحوكمة ومناخ الاستثمار بدورها في تحسين آفاق النمو. وفي البلدان منخفضة الدخل، والتي يتعين على الكثير منها القيام بجهود لإجراء تصحيح دائم في أوضاع المالية العامة والحد من مواطن الضعف المالي، ستساعد الإصلاحات الداعمة للنمو على الاستفادة المثلى من المكاسب الديمغرافية المنتظرة في الفترة القادمة من خلال تشجيع خلق فرص العمل.
  •  

  • تعزيز التعاون الدولي: في كثير من التحديات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، يمكن أن تكون إجراءات البلدان المنفردة لمواجهتها أكثر فعالية إذا كانت مدعومة بتعاون متعدد الأطراف. وسيتطلب الحفاظ على التوسع الاقتصادي العالمي أن يتجنب صناع السياسات الإجراءات الحمائية ويبذلوا مزيدا من الجهود لضمان اقتسام ثمار النمو على نطاق أوسع. وإلى جانب الحفاظ على نظام تجاري مفتوح، تتضمن أهم مجالات العمل المشترك حماية الاستقرار المالي العالمي، ووضع نظم ضريبية عادلة وتجنب السباق نحو القاع، ومواصلة دعم البلدان منخفضة الدخل في سعيها لتحقيق أهدافها الإنمائية، وتخفيف آثار تغير المناخ والتكيف معها. وكما يوضح الفصل الثالث، فإن كثيرا من الاقتصادات التي تعاني أسوأ تداعيات ارتفاع درجات الحرارة وتغير الأنماط الجوية هي تلك التي تمتلك أقل الموارد للتعامل مع هذه التحديات. وسيتزايد شعور البلدان الأغنى بالآثار السلبية المباشرة للتغير المناخي غير المخفف، ولن تكون محصنة من التداعيات التي تنتقل إليها من بقية أنحاء العالم.