Credit IMF Photo/Johis Alarcón

Credit IMF Photo/Johis Alarcón

الاقتصاد العالمي يجتاز صدمة التعريفات الجمركية في ظل طفرة تقودها التكنولوجيا

لكن المخاطر تتنامى وقد تتراكم مع الوقت، بما في ذلك مخاطر تركّز الاستثمار التكنولوجي والآثار السلبية لاضطرابات التجارة.

لا يزال النمو الاقتصادي العالمي يبدي قدرة ملحوظة على الصمود رغم الاضطرابات التجارية الهائلة الناجمة عن الولايات المتحدة وتصاعد مستويات عدم اليقين. وتشير أحدث توقعاتنا إلى استقرار النمو العالمي، مسجلا 3,3% هذا العام، مما يعكس زيادة قدرها 0,2 نقطة مئوية مقارنة بتقديرات أكتوبر، ويُعزى معظم هذا التحسن إلى الولايات المتحدة والصين. وتجدر الإشارة إلى أن التوقعات الحالية ظلت ثابتة عموما مقارنة بالعام الماضي، في الوقت الذي يجتاز فيه الاقتصاد العالمي الأثر الفوري لصدمة التعريفات الجمركية.

Blog-WEO-update-Jan26-Chart1-ARA

وتعكس هذه القوة المفاجئة تضافر عدة عوامل، من بينها تراجع التوترات التجارية، والمحفزات المالية الأكبر من المتوقع، والأوضاع المالية التيسيرية، وسرعة تحرك القطاع الخاص للتخفيف من اضطرابات التجارة، وتحسن أطر السياسات، ولا سيما في اقتصادات الأسواق الصاعدة.

ويتمثل عامل رئيسي آخر وراء هذه القدرة على الصمود في استمرار الطفرة الاستثمارية في قطاع تكنولوجيا المعلومات، ولا سيما في الذكاء الاصطناعي. وفي حين لا يزال نشاط الصناعة التحويلية متباطئا، ارتفع نصيب استثمارات تكنولوجيا المعلومات من الناتج الاقتصادي للولايات المتحدة إلى أعلى مستوياته منذ عام 2001، مما أتاح دفعة كبيرة لاستثمارات الأعمال والنشاط الاقتصادي بوجه عام. ورغم تركّز هذه الطفرة التكنولوجية في الولايات المتحدة، تمتد آثارها الإيجابية عبر أنحاء العالم، ولا سيما على صادرات التكنولوجيا في آسيا.

Blog-WEO-update-Jan26-Chart1-ARA

الأوضاع المالية تدعم التوسع

تعكس طفرة الاستثمار في تكنولوجيا المعلومات تفاؤل الشركات والأسواق حيال القدرات التحويلية للابتكارات التكنولوجية الحديثة – في الأتمتة والذكاء الاصطناعي – على تحقيق مكاسب إنتاجية كبيرة وزيادة الأرباح. ومنذ أواخر عام 2022، وتزامنا مع طرح أولى أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي واسعة الاستخدام، سجلت أسعار الأسهم ارتفاعا حادا.

وساهمت الأوضاع المالية المواتية والأرباح القوية في ارتفاع أسعار الأسهم وتمويل الإنفاق الرأسمالي الجديد. ولكن مع تسارع وتيرة التوسع، يتزايد الاعتماد على التمويل بالدين، مما يؤدي إلى نمو مستويات الرفع المالي. وتترتب على هذا التحول مخاطر ملحوظة، إذ قد تؤدي زيادة الرفع المالي إلى تضخم الصدمات حال عدم تحقق العائد المرجو، أو حال تشديد الأوضاع المالية الأوسع نطاقا، بما يؤثر سلبا على الشركات ويثير مخاوف بشأن انتقال التداعيات إلى النظام المالي الأوسع.

وعلاوة على ذلك، قد تتأثر مستويات الربحية بالافتراضات حول جداول إهلاك معالِجات البيانات المتقدمة. فالتحديث المتكرر للمعدات يؤدي إلى انكماش هوامش الربح، ويؤثر على الإيرادات، ويتطلب تمويلا إضافيا كبيرا عبر الاقتراض. وتؤكد هذه العوامل على أهمية مراقبة تراكمات الرفع المالي ودورها المحتمل في تضخيم مواطن الضعف.

دروس من عصر الدوت كوم

المقارنة بطفرة الدوت كوم خلال الفترة 1995-2000 تحمل دلالات مهمة. فعلى الرغم من أن نصيب استثمارات تكنولوجيا المعلومات من إجمالي الناتج المحلي مقارب عموما لمستوياته في تلك الفترة، كان الارتفاع الأخير أكثر تدرجا، ولم يتسارع بوتيرة ملحوظة إلا في العام الماضي. وعلاوة على ذلك، فبالرغم من أن معدل نمو التقييمات السوقية مقارنة بالناتج الاقتصادي كان مماثلا في الحالتين، تشهد الطفرة الحالية ارتفاعا أكثر تواضعا في نسب السعر إلى الأرباح نظرا لقوة الأرباح.

وبوجه عام، تشير تحليلاتنا إلى أن المبالغة المحتملة في تقييم المؤشر العام للأسهم في الولايات المتحدة لا تتجاوز نصف مستواها خلال عصر شركات الإنترنت. ومع ذلك، قد تكون قابلية النمو الاقتصادي الكلي العالمي للتأثر بإعادة تسعير أسهم التكنولوجيا كبيرة لثلاثة أسباب.

WEO update chart3

أولا، يُعزى تزايد أسعار الأسهم خلال السنوات القليلة الماضية في معظمه إلى قطاع التكنولوجيا، ولا سيما الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وأصبحت هذه المجموعة المحدودة محركا رئيسيا للمؤشر. وثانيا، العديد من الشركات المحورية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي غير مدرجة حاليا في أسواق الأسهم. وقد تنشأ عن ديون تلك الشركات عواقب لم يشهدها عصر الدوت كوم. وثالثا، فإن مستويات رأس المال السوقي أعلى كثيرا في الوقت الحالي مقارنة بالناتج، إذ ارتفعت من 132% في عام 2001 إلى 226% حاليا في الولايات المتحدة. ولذلك، فحتى التصحيحات الأكثر تواضعا قد يكون لها تأثير كبير على الاستهلاك الكلي.

WEO update chart4

المخاطر المحيطة بآفاق الاقتصاد

تقترن الطفرة التكنولوجية الحالية باحتمالات إيجابية وسلبية قد تؤثر مستقبلا على الاقتصاد العالمي. فعلى الجانب الإيجابي، قد يحقق الذكاء الاصطناعي المكاسب المرجوة في مستويات الإنتاجية، مما سيؤدي إلى تحسن النشاط في الولايات المتحدة والعالم بنسبة 0,3% هذا العام مقارنة بالسيناريو الأساسي.

وعلى الجانب السلبي، قد تخفق شركات الذكاء الاصطناعي في تحقيق أرباح تتناسب مع تقييماتها المرتفعة، مما قد يؤدي إلى تراجع معنويات المستثمرين. وللاستدلال، يشير سيناريو في عدد أكتوبر 2025 من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي - تضمن تصحيحا معتدلا في تقييمات أسهم الذكاء الاصطناعي مع تشديد الأوضاع المالية – إلى انخفاض النمو العالمي بنسبة 0,4% مقارنة بالسيناريو الأساسي. وقد تكون لذلك عواقب بعيدة المدى إذا ما صاحبه تراجع أكثر حدة في مستويات الاستثمار الحقيقي في قطاعات التكنولوجيا، حيث تترتب عليه تكلفة باهظة نتيجة إعادة توزيع رأس المال والعمالة. وإذا ما اقترن ذلك بمكاسب أقل من المتوقع في الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج، وتصحيحات أكثر حدة في أسواق الأسهم، قد تتفاقم خسائر الناتج العالمي، وتتركز في المناطق كثيفة التكنولوجيا مثل الولايات المتحدة وآسيا.

ونظرا لزيادة الملكية الأجنبية للأسهم الأمريكية على مدار العقد السابق، قد يؤدي هذا التصحيح الحاد أيضا إلى خسائر كبيرة في الثروة خارج الولايات المتحدة ويشكل عبئا على الاستهلاك، لتتسع حالة الهبوط الاقتصادي على نطاق عالمي أوسع. وحتى الاقتصادات ذات الانكشاف المحدود لمخاطر التكنولوجيا، بما في ذلك الكثير من البلدان مرتفعة الدين ومنخفضة الدخل، ستتأثر بالتداعيات السلبية على الطلب الخارجي وارتفاع تكاليف الاقتراض الخارجي.

وتتجلى مخاطر هذه التطورات السلبية في بيئة يسودها تصاعد عدم اليقين الجغرافي-السياسي، وتزايد استخدام القيود التجارية وضوابط تصدير المدخلات الحيوية، إلى جانب تآكل الحيز المالي في العديد من البلدان. وقد تتداخل هذه العوامل مع إعادة تقييم نمو الإنتاجية المرتبط بالذكاء الاصطناعي وإعادة تسعير الأصول عالية المخاطر، فتزيد من حدة آثارها المتبادلة.

سياسات من أجل الاستقرار والانضباط والشمول

في ظل ارتفاع تقييمات الأصول ومستويات التمويل بالدين، وتصاعد عدم اليقين، أصبحت الرقابة الاحترازية ضرورية لحماية الاستقرار المالي. وينبغي أن تكفل أجهزة الرقابة والتنظيم تنفيذ معايير قوية لضمان القروض في البنوك والمؤسسات غير المصرفية، ولا سيما المنكشفة لمخاطر قطاع التكنولوجيا. وينبغي الالتزام بالمعايير المتعارف عليها دوليا بشأن مستويات رأس المال والسيولة في البنوك. ويجب على صناع السياسات الاستعداد لتنفيذ خطط طوارئ في مواجهة مختلف أنواع المخاطر.

وعلى السياسة النقدية أن تحقق توازنا دقيقا. فاستمرار طفرة التكنولوجيا قد يدفع أسعار الفائدة الحقيقية المحايدة إلى الارتفاع، كما حدث خلال عصر الدوت كوم، مما سيستدعي تشديد السياسة النقدية. وسيؤدي ذلك إلى انكماش الحيز المالي، ولا سيما في البلدان غير المستفيدة من زيادة النمو الناتجة عن الذكاء الاصطناعي.

أما إذا تحقق سيناريو التطورات السلبية، فسيقتضي الانخفاض السريع في الطلب الكلي خفضا سريعا لأسعار الفائدة الأساسية.

والتشخيص السليم والمعايرة الملائمة للسياسة النقدية لتحقيق استقرار الأسعار يتطلبان التزام البنوك المركزية بنطاق صلاحياتها. وتظل استقلالية البنوك المركزية عاملا أساسيا لتحقيق الاستقرار النقدي والمالي والنمو الاقتصادي، إذ تساهم في حماية مصداقية السياسة النقدية واستقرار التوقعات التضخمية حول الركيزة المستهدفة.

وعلى صعيد المالية العامة، ينبغي للحكومات تجديد الجهود لخفض الدين العام واستعادة الحيز المالي حسب الاقتضاء.

والتأثير غير المتكافئ للذكاء الاصطناعي على العمالة من الاعتبارات المهمة أيضا. ففي حين يساهم الابتكار في دفع النمو، فإنه يهدد باستبدال الوظائف وخفض الأجور في بعض شرائح القوى العاملة. وينبغي أن تركز السياسات على تخفيض الحواجز أمام اعتماد الذكاء الاصطناعي، ومساعدة العمال على الاستثمار في المهارات المناسبة*، ودعم حركية العمالة عبر برامج موجهة، والحفاظ على تنافسية الأسواق لتيسير النفاذ إليها وضمان تقاسم فوائد الابتكار على نطاق واسع.

تحقيق التوازن

أثبت النمو العالمي قدرة لافتة على الصمود في ظل الاضطرابات التجارية، وإن كان ذلك يحجب أوجه هشاشة أساسية مرتبطة بترّكز الاستثمار في قطاع التكنولوجيا. ومن المرجح أن تتراكم الآثار السلبية لاضطرابات التجارة على النمو مع الوقت.

ويتيح الاستثمار القائم على الذكاء الاصطناعي إمكانات تحويلية هائلة – ولكنه يفرض أيضا مخاطر مالية وهيكلية تقتضي توخي اليقظة. ويتمثل التحدي أمام صناع السياسات والمستثمرين على حد سواء في الموازنة بين التفاؤل والحذر، لضمان تحول الطفرة التكنولوجية الحالية إلى نمو مستدام واحتوائي، لا إلى دورة أخرى من الانتعاش والكساد. ويكتسب هذا التوازن أهمية خاصة في بيئة يسودها تفاقم التوترات الجغرافية-السياسية وتصاعد المخاطر المهددة للأطر المؤسسية، بما يزيد من صعوبة تنفيذ السياسات السليمة.