وفي سنغافورة، دخل بنك OCBC Bank مؤخرا في شراكة مع البورصة الرقمية "بورصة ما وراء الكون الخضراء" (MetaVerse Green Exchange) لتقديم منتجات تمويلية خضراء باستخدام تراخيص الكربون المرمزة. ومن شأن ترميز تراخيص الكربون المنتجة من المشروعات الخضراء، مثل إعادة زراعة الغابات، وقيدها في دفتر الحسابات الرقمية الموزعة أن يساعدا على التأكد من سجل أصل ملكيتها ويحدا من مخاطر ازدواجية حساب هذه التراخيص. ويصبح بوسع الشركات شراء هذه التراخيص بثقة للتعويض عن انبعاثاتها من الكربون.
وسوف تكون منظومة الأصول الرقمية بحاجة إلى وسيط تبادل مرمز لتيسير إجراء المعاملات. وهناك ثلاثة وسائط شائعة مرشحة لهذا الدور وهي العملات المشفرة، والعملات المستقرة، وعملات البنوك المركزية الرقمية.
العملات المشفرة
العملات المشفرة الخاصة - وعملة البيتكوين ربما تكون الأكثر شيوعا من بينها - أثبتت فشلها كنقود. فهي ضعيفة الأداء كوسيط للتبادل، ومستودع للقيمة، وكذلك كوحدة حساب. وهناك الكثير من العملات المشفرة المتداولة على نطاق واسع في الوقت الحالي هي في الواقع رموز منفعة تمثل حصة في مشروعات البلوك تشين، لكنها اكتسبت أهمية واستقلت بذاتها خارج سلسلة البلوك تشين. وبينما يتم تداولها بقوة والمضاربة بها بكثافة، بأسعار منفصلة تماما عن أي قيمة اقتصادية أساسية في البلوك تشين، فإنها مستبعدة من أشكال العملة أو الأصول الاستثمارية المشفرة نظرا للتقلبات الحادة في أسعار العملات المشفرة.
ونظرا لأن مستخدمي العملات المشفرة يعملون من خلال عناوين المحافظ الإلكترونية أو أسماء مستعارة فقد يسرت العملات المشفرة إجراء المعاملات غير المشروعة، بما في ذلك غسل الأموال. كذلك ساعدت العملات المشفرة في إعطاء دفعة لهجمات برمجيات الفدية - إحدى أسرع الجرائم نموا في الفضاء السيبراني.
ولطالما حذرت السلطة النقدية الجمهور العام في سنغافورة من مخاطر المتاجرة في العملات المشفرة. وزادت كذلك من صعوبة حصول الأفراد على العملات المشفرة - مستخدمة إجراءات مثل حظر الدعاية والترويج للعملات المشفرة بين الجمهور العام. وتعتزم السلطة النقدية في سنغافورة فرض مزيد من القيود على الحصول على العملات المشفرة لمدفوعات التجزئة.
العملات المستقرة
ترى السلطة النقدية في سنغافورة أن العملات المستقرة تتمتع بإمكانات جيدة، شريطة تنظيمها تنظيما جيدا ودعمها على نحو آمن باحتياطيات ذات جودة عالية.
والعملات المستقرة هي رموز قيمتها مربوطة بأصل آخر – أي عملات الثقة في العادة، كالدولار الأمريكي. وتسعى للجمع بين مزايا الاستقرار والترميز، مما يسمح باستخدامها كأدوات دفع في دفاتر الحسابات الرقمية الموزعة.
وبدأت العملات المستقرة مؤخرا تجد قبولا خارج المنظومة البيئية للعملات المشفرة. فقد قامت بعض شركات التكنولوجيا بدمج العملات المستقرة المعروفة ضمن خدمات مدفوعاتها. وتسمح شركتا فيزا وماستركارد بتسوية المعاملات باستخدام الدولار كوين. وهو ما يمكن أن يمثل تطورا إيجابيا إذا ما تمكنت العملات المستقرة من جعل المدفوعات أرخص وأسرع وأكثر أمانا. ومن شأن تحدي التنافسية الذي تفرضه العملات المستقرة على الشركات المستقرة أن يحفز كذلك من إدخال التحسينات على خدمات المدفوعات التقليدية.
ولكن لجني ثمار العملات المستقرة، لا بد للجهات التنظيمية من ضمان استقرارها بالفعل. فربطها بإحدى عملات الثقة غير كاف؛ نظرا لأن استقرارها مرهون بجودة أصول الاحتياطيات التي تضمنها. ويتضح من انهيار العملة المستقرة "تيرادولار" مؤخرا مدى الحاجة لمثل هذا الدعم ذي الجودة العالية. فقد سعت عملة التيرادولار لتحقيق الاستقرار بالاعتماد على خوارزميات للسيطرة على العرض من خلال علاقة متشابكة مع عملتها المشفرة الشقيقة غير المدعومة، لونا، بدلا من الدعم بأصول مأمونة.
وإذ تدرك السلطات الوطنية إمكانات العملات المستقرة فإنها تعمل حاليا على إعداد مقترحات لتنظيم إصدارها وتداولها. وظل التركيز منصبا على إدارة الأصول الاحتياطية التي تدعم عملة الربط - أي مخاطر السيولة والائتمان والمخاطر السوقية للأصول، وقابلية تدقيق حسابات الاحتياطيات المحتفظ بها، والقدرة على استرداد العملات المستقرة بالقيمة الاسمية.
ولكن العملات المستقرة لا تخلو من مخاطر محتملة. فكونها مضمونة بأصول مالية يعني أنها أكثر تداخلا مع النظام المالي الأوسع نطاقا مقارنة بالعملات المشفرة غير المدعومة. فإذا تعرضت العملة المستقرة لضغوط السيولة قد تضطر جهة إصدارها الحائزة للأصول المالية في الاحتياطي أن تبيع تلك الأصول بيعا بخسا، مما قد تترتب عليه تداعيات على النظام المالي.
ورغم أن مخاطر انتقال مثل تلك العدوى إلى النظام المالي محدودة في الوقت الراهن، ينظر حاليا في الاستعانة بأدوات تنظيمية ملائمة في حالة ازدياد تلك المخاطر. ويواصل مجلس الاستقرار المالي وغيره من جهات وضع المعايير بذل الجهود الرامية إلى تحديث توجيهاتها في هذا الخصوص. وسوف تقوم السلطة النقدية في سنغافورة قريبا بإصدار مقترحات لتنظيم التعامل بالعملات المستقرة في سنغافورة.
عملات البنوك المركزية الرقمية لمدفوعات الجملة
عملة البنك المركزي الرقمية هي التزام مباشر وأداة دفع من البنك المركزي. وعملات البنوك المركزية الرقمية لمدفوعات الجملة مقصورة على استخدامات جهات الوساطة المالية وهي مشابهة للأرصدة التي تودعها البنوك التجارية حاليا في البنك المركزي. وترى السلطة النقدية في سنغافورة أن هناك مبررات قوية تدعو إلى استخدام عملات البنوك المركزية الرقمية، وخاصة في المدفوعات والتسويات عبر الحدود.
فالمدفوعات عبر الحدود في وقتنا الحالي بطيئة ومكلفة وغير واضحة المعالم، وهي بحاجة للمرور عبر بنوك متعددة قبل الوصول إلى وجهتها النهائية. ومن شأن ربط نظم الدفع الفورية مباشرة عبر البلدان المختلفة - كما هو الحال بين نظام PayNow في سنغافورة ونظام PromptPay في تايلند - أن يحقق أداء المدفوعات في الوقت الحقيقي بتكلفة منخفضة إلى حد كبير. ولكن التسويات ليست فورية حتى الآن. ويتمثل الهدف في إجراء المدفوعات عبر الحدود بتكلفة أقل وفوريا بحيث تتم التسويات على مدار الساعة في الوقت الحقيقي.