وفي الوقت نفسه، تقول شفيق إنها تشعر بالقلق من أننا كمجتمعات فقدنا بعضا من قدرتنا على الاختلاف بطريقة متحضرة. وتقول أيضا إنه على الجامعات تعليم الناس كيفية إجراء محادثات تتسم بالصعوبة. وتضيف قائلة "من خلال عملية الإنصات التي تتعلمها، يمكنك بناء توافق الآراء، والمضي قدما كمجتمع".
وفي عام 1966، عندما كانت في الرابعة من عمرها، هربت شفيق وأسرتها من مصر في عهد الرئيس جمال عبد الناصر إلى الولايات المتحدة، واستقروا أولا في سافانا بولاية جورجيا في عمق الجنوب الأمريكي. ولم يكن يتحدث الإنجليزية سوى والدها، وهو عالم تعرضت ممتلكاته للتأميم على يد حكومة الجنرال المصري. وكانت أمها تفحص صندوق البريد كل صباح وتبكي، في انتظار أخبار من الوطن.
وسرعان ما تعلمت الأسرة اللغة ووجدت موطئ قدم لها بعد أن نصح أحد الجيران الودودين والدة شفيق باستضافة حفلات أحواض السباحة لأطفال المنطقة كوسيلة لتكوين الصداقات. وغرست التجربة في شفيق الاهتمام الدائم بالحراك الاجتماعي وبالأمور التي تحدد من أين تبدأ وإلى أين ينتهي بك المطاف في الحياة. وتقول "لقد شهدت أسرتي حراكا اجتماعيا سواء إلى أسفل أو إلى أعلى".
اضطرابات كبيرة
عاصرت طفولة شفيق فترة من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية الكبيرة في أمريكا: حرب فييت نام، وحركة الحقوق المدنية، وفضيحة ووترغيت. ولم تعد شفيق تتذكر عدد المدارس التي كانت تذهب إليها بالحافلة في جورجيا ونورث كارولينا وفلوريدا كلما غيرت الأسرة مكان إقامتها وكلما حاولت السلطات تحقيق التوازن بين أعداد الطلاب السود والبيض في الفصول الدراسية.
وهي تقول "كل هذه الأمور شكلت اهتمامي بالاعتبارات السياسية، والسياسات، والعلاقات الدولية، والعدالة. لقد كان لها تأثير كبير على ما اخترت فعله بعد ذلك".
وبعد فترة قصيرة عادت فيها إلى مصر وهي في مرحلة المراهقة، حصلت على درجة البكالوريوس في الاقتصاد والسياسة من جامعة ماساتشوستس في أمهيرست. وحصلت على درجة الماجستير في الاقتصاد من كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية ودرجة الدكتوراه في الاقتصاد من جامعة أكسفورد.
ويقول نيكولاس ستيرن، رئيس معهد غرانثام للبحوث في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية واقتصادي معروف في مجال المناخ، إنه يتذكر مقابلة شفيق عندما كانت طالبة ماجستير في منتصف ثمانينات القرن الماضي. حينها، كان ستيرن وشفيق ضمن وفد من المعلمين والطلاب توجَّه لمقابلة الأميرة آن، مستشار جامعة لندن. وبعد حوالي 35 عاما التقيا بالأميرة مرة أخرى. ويشير ستيرن إلى التناقض المذهل في الحراك: "كانت شفيق طالبة وأصبحت رئيس جامعة، لكنني ما زلت أستاذا جامعيا، ولا تزال صاحبة السمو الملكي أميرة".
وقضت شفيق جانبا كبيرا من حياتها المهنية في لندن وواشنطن. وتزوجت من زوجها، العالم رافائيل جوفين، في عام 2002 في واشنطن، وأنجبت منه توأما، وأصبحت زوجة أب لأبنائه الثلاثة – كل ذلك في عام واحد من الأرق المتواصل. وحتى يومنا هذا، تقوم بزيارات متكررة لمصر، موطن والدتها وأسرة كبيرة ممتدة. ومن مصادر الإحباط لشفيق أن الشرق الأوسط يحقق نجاحا أقل مما يمكنه تحقيقه بسبب الممارسات السياسية السيئة والسياسات الاقتصادية المضللة إلى جانب الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية.
وفي البنك الدولي في تسعينات القرن الماضي، سافرت شفيق إلى الشرق الأوسط مرارا أثناء عملية أوسلو للسلام بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية برئاسة ياسر عرفات. وألفت كتابا من مجلدين حول فرص التعاون الاقتصادي. وفي العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أصبحت نائب مدير عام صندوق النقد الدولي مع احتجاجات الربيع العربي التي اجتاحت المنطقة.
وتقول شفيق "في المرتين كان هناك تفاؤل كبير في البداية وخيبة أمل في النهاية". فقد انهارت عملية السلام بعد أن قام متطرف يميني باغتيال رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين. وخابت تطلعات الربيع العربي نحو الديمقراطية وسط الثورات المضادة والحروب الأهلية.
ومن الشائع في الشرق الأوسط المطالبة بوجود قادة أفضل. وترى شفيق أن أفضل آمال المنطقة لتحقيق مستقبل أكثر ازدهارا يتمثل في تحويل مسار التراجع المطرد في استقلال البرلمانات والمحاكم والبنوك المركزية والمجتمع المدني والصحافة الحرة. وتقول "ما يهم حقا على المدى الطويل بالنسبة لآفاق المنطقة هو المؤسسات القوية. أي المؤسسات التي تتأكد من أن القيادة التي لديك أيا كان نوعها تعمل لتحقيق الصالح العام".
غير أنها تعرب عن ثقتها في شباب الشرق الأوسط، وتاريخه الاستثنائي، وإمكاناته الهائلة، مشيرة إلى ما شهدته بلدان المنطقة من ازدهار عندما اتبعت سياسات رشيدة. وتقول "إن قوانين الاقتصاد تسري على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تماما مثلما تسري على مختلف أنحاء العالم".
تشريعات مهمة
أمضت شفيق سبع سنوات في وزارة التنمية الدولية بالمملكة المتحدة، والمعروفة اختصارا باللغة الإنجليزية DFID. وفي عام 2008، تولت منصب الأمين العام الدائم، وهو أعلى مناصب الخدمة المدنية في الوزارة، وأشرفت على التشريعات التي رسخت في القانون التزاما بإنفاق ما لا يقل عن 0,7% من إجمالي الدخل القومي على المساعدات الإنمائية الرسمية. وقد بلغت الميزانية السنوية لتلك المساعدات حوالي 20 مليار دولار.
وتقول "لقد شعرنا بفخر كبير في ذلك الوقت، لأن وزارة التنمية الدولية لم تكن توفر موارد ضخمة للتنمية فحسب – مع تركيز قوي على أفقر بلدان العالم، بل كانت توفر أيضا القيادة للنظام الدولي بأكمله وتقوم بتعبئة الموارد من البلدان الأخرى والمنظمات الدولية".
ويرى سوما شاكرابارتي، الذي كان أعلى مسؤول في وزارة التنمية الدولية قبل شفيق، أن السبب في نجاحها في القيادة هو فهمها لما يحفز الناس واستخدام هذا الفهم في إنتاج أفكار للإصلاحات المطلوبة بشدة. ويقول إنها استخدمت هذه المهارات لإحداث التغيير في العالم النامي وفي كل مؤسسة عملت فيها.
وعمل مسعود أحمد، رئيس مركز التنمية العالمية، بجانب شفيق في مناصب مختلفة في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ووزارة التنمية الدولية بالمملكة المتحدة. ويقول أحمد "إن أكثر الأشياء اللافتة للنظر فيها هي إنسانيتها وصدقها". ويضيف قائلا إنها قادرة أيضا على توجيه رسائل شديدة اللهجة بطريقة غير مسيئة. "إن تعاطفها الواضح يمكِّنها من فصل الرسالة عن الشخص بأسلوب فريد للغاية".
وبعد مرور ما يقرب من عقد على مغادرة شفيق لوزارة التنمية الدولية، قام رئيس الوزراء بوريس جونسون بضمها إلى وزارة الخارجية كما خفَّض الالتزام بالإنفاق على المساعدات. وتقول "إن نجاح وزارة التنمية الدولية ينبع من وضوح هدفها، وهو الحد من الفقر في العالم. وهذا الأمر غير وارد في وزارة الخارجية، بأهدافها الجغرافية-السياسية والتجارية وغيرها. وتقول "إن وجود الصوت والأدوات التي تطرحها وزارة التنمية الدولية أمر نفتقده بشدة في النظام الدولي اليوم".
ومن الإنصاف القول إن النظام الدولي ومؤسساته في وضع صعب. فقد تم تخفيض الميزانيات المخصصة للمساعدات، وتهدد الحرب الروسية في أوكرانيا والتوترات الجغرافية-السياسية بإعاقة المنظمات متعددة الأطراف، كما أن ارتفاع أسعار الفائدة يزيد الضغوط على الاقتصادات النامية المثقلة بالديون.
وتقول شفيق "لم يكن السياق الخارجي للمنظمات الدولية بهذه الصعوبة منذ الحرب الباردة". وتؤكد على أهمية استمرار البلدان في تخصيص مجال للتعاون الدولي، لا سيما فيما يتعلق بالسلع العامة العالمية مثل المناخ، والتأهب للجوائح، والاستقرار المالي. وتقول "تزداد أهمية وجود مكان تُجرى فيه المحادثات حول هذه القضايا العالمية عندما لا يكون أداء القنوات الثنائية جيدا".
الضغائن التي أثارها خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي
تزامنت السنوات الثلاث التي قضتها شفيق في بنك إنجلترا مع تصويت المملكة المتحدة في عام 2016 لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي. وتقول إنها تتذكر دخول غرفة التداول بكامل موظفيها في الساعة الرابعة صباحا لمشاهدة النتائج ورؤية انخفاض قيمة الاسترليني على الشاشات مع فتح الأسواق الآسيوية.
وكانت فترة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي فترة تسودها الضغائن. فالمشورة السديدة التي قدمها بنك إنجلترا حول ما قد يلحق بالاقتصاد من إيذاء للذات نتيجة التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي دفعت مؤيدي الخروج إلى اتهام البنك بأنه جزء من مؤامرة "مشروع الخوف". وتقر شفيق بأن محاولات البنك لإثراء النقاش بتحليل اقتصادي دقيق لم تحقق سوى "نجاح متباين". وفي النهاية، كما تقول، كان التصويت حول أمر يغلب عليه الطابع السياسي.
وهي ترى أن أكبر مساهمة قدمها البنك تمثلت في التخطيط للطوارئ من أجل الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي الكلي والمالي بغض النظر عن النتائج السياسية. وتقول شفيق "مع فتح الأسواق في لندن، تمكنا من القول إن لدينا تسهيلات السيولة التي يمكن تقديمها في حالة احتياج أي مؤسسة لها. ونظرا لأننا كنا جاهزين وكانت لدينا القدرة على طمأنة الأسواق، لم تكن هناك حاجة إلى أي دعم".
وقد غادرت شفيق بنك إنجلترا في عام 2017 من أجل العمل الأكاديمي. وأثناء فترة عملها رئيسا لكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية – في ذروة جائحة كوفيد – ألفت شفيق كتاب ما يدين به كل منا للآخر، الذي تدعو فيه إلى إعادة التفكير في العقد الاجتماعي. فهل كانت ستؤلف الكتاب بشكل مختلف اليوم؟ التغيير الوحيد، على حد قولها، كان سيتمثل في إضافة فصل عن العقد الاجتماعي الدولي وكيفية تقويته.
وقد فوجئ الكثيرون بامرأة قضت فترة طويلة من حياتها في المؤسسات الدولية تؤلف كتابا عن السياسات الاجتماعية الوطنية. ولكن شفيق تقول إنها تعتقد أن الناس لن يدعموا نظاما عالميا أكثر تعاونا إلا إذا كان العقد الاجتماعي الوطني عادلا.
وتقول "يجب أن يرى الناس أنهم في مجتمع يتسم فيه هيكل الفرص بالعدالة، وهذا سيجعلهم أكثر سخاء تجاه مواطني البلدان الأخرى".