ومن العقبات ذات الصلة أمام التعويضيات الافتقار إلى المصداقية. فبوسع الحكومات أن تعد بوضع الأمور في نصابها لأولئك الذين قد يتضررون من زيادة تحرير التجارة أو السياسات المناخية على سبيل المثال. ولكن الحكومات تتغير على الأقل في البلدان الديمقراطية. والمسؤولون المنتخبون حديثا، الذين غالبا ما يصلون إلى مناصبهم من خلال انتقاد أسلافهم، لا يحرصون دائما على الحفاظ على سياسات أسلافهم. وكثير من الإدارات لا تفي حتى بالوعود التي قطعتها على نفسها، ناهيك عن وعود الآخرين. وفي عالم يمكن أن تختلف فيه كل من النتائج والسياسات الحكومية، هناك كثير من الأسباب التي تدعو أولئك الذين يعتقدون أن ذلك قد يؤثر عليهم إلى توخي الحذر.
وقد تكون أكثر التحفظات الجادة بشأن بالتعويضات غير اقتصادية. ويركز التحليل الاقتصادي على التأثير المادي أو المالي البحت للسياسات والاتجاهات العامة، وعلى تأثير التعويضات في نهاية المطاف. ومع ذلك، قد يشعر الناس بالقلق إزاء التأثيرات المادية الأقل وضوحا والتي يصعب تحديد سعر لها.
على سبيل المثال، ساهم تحرير التجارة في تراجع الصناعة التحويلية التقليدية في حزام المصانع الأمريكي – وكذلك في شمال إنجلترا وشمال فرنسا وشرق ألمانيا وغيرها من المناطق الصناعية السابقة. وعندما يحدث فقدان للوظائف، تترتب على ذلك تكلفة اقتصادية واضحة تتجلى في الوظائف التي فُقِدَت والأجور والإيرادات الضريبية والنشاط الاقتصادي العام.
مناطق متعثرة
لكن المناطق المتعثرة قد تفقد شيئا مماثلا للحقيقة، وإن كانت ملموسة بدرجة أقل، مثل الوظائف ذات الأجور المجزية. فالمدينة أو البلدة الصغيرة التي تغلق مصانعها يمكن أن تدخل في دوامة اجتماعية واقتصادية من الهبوط المتعاقب، فتشهد تراجعا في مستويات الدخل، وهبوطا في قيم العقارات والضرائب العقارية، بينما تعاني خدماتها المحلية، ويتفكك النسيج الاجتماعي لمجتمعها. وكانت هذه مقدمات وباء "حالات الموت يأسا" بسبب إدمان الكحول وتعاطي المخدرات والانتحار (دراسة Case and Deaton 2020). حتى عندما لا يكون التأثير حادا للغاية، عندما يصبح مين ستريت مظلما، تصبح نوعية الحياة - لكل شخص في المدينة – في معاناة. فانهيار قاعدة اقتصادية مستقرة يقوض أسس المجتمع (دراسة Broz, Frieden, and Weymouth 2021).
ومن العلاجات الشائعة تشجيع أولئك الذين تُرِكوا بدون عمل على الانتقال إلى الأماكن التي توجد فيها وظائف. قد يكون ذلك صعبا أو مستحيلا لأسباب اقتصادية لأن أولئك الذين يرغبون في الانتقال من المناطق المتعثرة غالبا ما يكونون مثقلين بالأعباء نتيجة انخفاض قيم المنازل. وقد يحجم المقيمون في مكان ما عن الانتقال لأسباب غير مالية أيضا. فربما كانت لديهم عائلة وعائلة ممتدة في المنطقة، وأصدقاء وجيران لعقود، وارتباط بالتقاليد المحلية. سواء كانت الأوضاع متعثرة أم لا، فهذا هو ما يعرفونه، إنه وطنهم.
وتدهور مناطق تعدين الفحم مثال واضح على هذه المشكلة. لقد تراجعت صناعة الفحم لسنوات بسبب المخاوف البيئية والتغير التكنولوجي على حد سواء – وتراجعت مؤخرا بطبيعة الحال نتيجة لسياسات المناخ. وأدى تراجعها إلى تدمير مناطق بأكملها – ولم يقتصر على عمال مناجم الفحم وحدهم (دراسة Blonz, Tran, and Troland 2023). كان كثير من مجتمعات تعدين الفحم معزولا، وكان القليل منها متنوعا اقتصاديا، لذلك بمجرد تراجع هذا النشاط، لم يتبق شيء يُذكر يخفف من وطأة سقوطها. وتوصلت دراسة أجراها البنك الدولي إلى أنه من بين 222 مقاطعة فحم في بقاع الأبالاش، لم تتمكن سوى أربع مقاطعات من "البقاء من المنظور الاقتصادي" (دراسة Lobao and others 2021). وقد يكون ساكنو مدن الساحل الشرقي والغربي بالكاد يعلمون بوجودها، ومع ذلك فقد عاش ملايين الناس في مقاطعات الفحم، غالبا في مدن ذات مجتمعات متماسكة حيث عاشت العائلات لأجيال تربطها أواصر اجتماعية وثقافية ودينية.
فتكلفة ترك المجتمع الذي يربطه بعائلتك تاريخ طويل ليست نقدية فحسب – إنما هي تعني التخلي عن كل تلك الروابط الشخصية. وليس من سبب يدعو إلى سؤال الناس عن الأسباب التي قد تدعوهم إلى ترك مجتمعاتهم: فقرار كل شخص يعتمد على قرارات الآخرين. لماذا أبقى إذا كان الجميع يغادرون؟ لماذا أغادر إذا كان الجميع باقون؟ وقد يعتمد مستقبل المجتمع المحلي على بقاء أعضائه معا – والحفاظ على الأقل على الأمل في تشكيل مستقبل واعد أكثر.
وفي هذا السياق، كيف يمكن للمجتمع أن يقيس المنافع التي يجنيها االمستهلك من الملابس أو السيارات الأرخص مقارنة بالتكاليف التي يتكبدها البشر من انهيار المدن والبلدات في أوهايو أو وادي ميوز أو جنوب يوركشاير؟ ومن المؤكد أن بعض هذه التكاليف اقتصادية وقد تكون مناسبة للتعويض النقدي. ولكن بعضها غير اقتصادي، مع استحالة تحديد قيمتها بأي مستوى من الدقة. كيف تحدد سعرا لكونك عضوا في مجتمع متماسك امتد لأجيال متعددة.
السياسة أداة للقياس
بالفعل، إن للمجمتع طريقة يحاول بها ترسيخ الأهمية النسبية لهذه القيم التي يصعُب قياسها وهي السياسة. وعندما نناقش مزايا التجارة الحرة مقارنة بالمصانع المحلية، أو الفحم والنفط مقارنة بالرياح والشمس، فإننا نناقش ضمنا أو صراحة مدى ثقل وزن مصالح المستهلكين والمنتجين، والمتضررين والذين حصلوا على مساعدة، والأجيال الحالية والمستقبلية.
فمعظم الدراسات التي تناولت السياسات التجارية، على سبيل المثال، تبين أن المسؤولين المنتخبين يقومون على الأرجح بحماية الصناعات التي تشغل عمالا ذوي أجر منخفض (من خلال التعريفات الجمركية وغيرها من الحواجز التجارية) مقارنة بالصناعات التي يهيمن عليها العاملون ذوو الأجور المرتفعة. قد تكون هناك أسباب كثيرة وراء هذا الاتجاه؛ أحدها أنه يكاد يكون من المؤكد أن الناس يتعاطفون بشكل أكبر مع العاملين المسرحين ذوي الأجور المنخفضة. وفي سياق آخر، يبدو أن قاطني المدن الذين لم يسبق لهم العيش في مزرعة على استعداد لدفع المزيد مقابل طعامهم من أجل المساعدة في دعم المزارعين الأسريين، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى تعلقهم المحزن بطريقة الحياة الريفية والتعاطف معها.
وقد تكون الحماية التجارية أو الدعم الزراعي منطقيا من الناحية السياسية، إن لم تكن من الناحية الاقتصادية، ومن ثم يمكن الدفاع عنهما تماما. فالعملية السياسية تعطي وزنا لقيم الناس، بما فيها تلك التي يصعب تسعيرها. وفي هذه الموازنة، فإن الاهتمام الشديد بأمر ما يُعطى وزنا أكبر من منح القدر اليسير من الاهتمام – لذلك من المهم ألا يولي المستهلكون سوى اهتماما محدودا لأسعار الألعاب، في حين أن سكان المدينة القائمة على وجود مصنع قد يهتمون كثيرا بتماسك مجتمعهم. وعلى صعيد السياسية، فإن وجهات النظر التي تُعتنق بشدة أهم من تلك التي لا يزيد الأمر عن تصديقها – وربما هكذا ينبغي أن تكون المسألة.
السياسة هي الآلية التي تستخدمها المجتمعات عندما تواجه اختيارات صعبة لأشياء تصعب المقارنة بينها في كثير من الأحيان. ونادرا ما تكون الخيارات تامة، وعادة ما تكون مثيرة للجدل. ولكن هذه هي طريقة المجتمعات الحديثة في تقدير القيمة التي يمنحها المواطنون لقيمهم الخاصة. وعلى صعيد السياسة يتحقق التوازن، مثلا امتلاك بلدة صغيرة مكونات البقاء مقابل المنافع التي تعود على المتسوقين الذين يبتاعون ملابس رخيصة. إن النمو الاقتصادي والتقدم مهمان للغاية، لكن الناس يهتمون بأشياء أخرى أيضا، وتلك الأشياء الأخرى جديرة بالنظر فيها.
وقد كتب أوسكار وايلد عن أولئك الذين يعرفون سعر كل شىء لكنهم لا يعرفون قيمة أي شىء. سيكون كلامنا أكثر إنصافا ودقة – وأكثر فائدة – إذا ذكرنا أن خبراء الاقتصاد قادرون على تحديد أسعار كثير من الأشياء، ولكن ليس لكل شىء ذي قيمة. والسياسة الديمقراطية قد لا تعطينا منطقا مقبولا بوجه عام لقيمة الأشياء التي لا سعر لها – مثل المجتمع والثقافة والأسرة. ولكنها يمكن أن تخبرنا عن شعور أفراد المجتمع تجاه هذه الأشياء وكيف يقيمونها مقابل بعضها بعضا.