وقد تم تبرير الأهمية البارزة لسنوات القابلية للتأثر بطرق مختلفة. فبعض العلماء يستندون إلى مفهوم "المواجهة الجديدة" الذي وصفه في أوائل القرن العشرين الفيلسوف كارل مانهايم، إذ أشار إلى أن وجهات النظر تتشكل على نحو دائم عندما يتعرض الأفراد في مرحلة المراهقة المتأخرة، عند مغادرة منزل الأسرة لأول مرة، لأفكار أو أحداث جديدة. ويستشهد آخرون بما ورد في دراسة عالم النفس، إريك إريكسون، التي تشير إلى أن الأفراد في مرحلة المراهقة المتأخرة والشباب يكونون منفتحين على مؤثرات جديدة لأن هذا هو العمر الذي يشكلون فيه إحساسهم بالذات والهوية. ويربط علماء الإدراك استمرار المواقف التي يتم اعتناقها في سنوات القابلية للتأثر بزيادة القدرة الإدراكية بدءا من مرحلة المراهقة المتأخرة. ويشير آخرون إلى دراسة في طب الأعصاب تفيد بأن التغيرات الكيميائية العصبية والتشريحية التي تحدث في الدماغ بين مرحلتي المراهقة والبلوغ مرتبطة بتشكيل المواقف الدائمة. لكن مهما كانت مبررات أهمية سنوات القابلية للتأثر، فإن أهميتها واضحة.
الأوبئة والثقة في الساسة
تقدم دراستنا أول دليل واسع النطاق على آثار الأوبئة على ثقة من هم في سنوات القابلية للتأثر في الساسة. ونستخدم بيانات الثقة والطمأنينة في الحكومات والانتخابات والقادة الوطنيين المستخلصة من استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة غالوب العالمية سنويا في 140 بلدا بين عامي 2006 و2018، إلى جانب البيانات المتعلقة بمعدل حدوث الأوبئة منذ عام 1970، وفقا للتصنيف الوارد في قاعدة بيانات الكوارث الدولية التي تحتفظ بها منظمة EM-DAT غير الحكومية. ونظرا لأن فترة العينة تنتهي في 2018، فهذا يعني أنها سابقة على أزمة كوفيد. لكن هناك عددا من الاختبارات تدعم ثبات نتائجنا إزاء العوامل الخارجية.
ويوضح بحثنا أن التعرض للأوبئة، وتحديدا خلال سنوات القابلية للتأثر، يؤثر بشكل دائم على الثقة في الحكومة والانتخابات والقادة. ويوضح البحث ذلك من خلال السؤال عما إذا كانت مجموعات الأفراد المعرضين لوباء ما خلال سنوات القابلية للتأثر تُظهر تراجع مستوى ثقتهم في الساسة بدرجة أكبر مقارنة بالمجموعات الأخرى التي شملها المسح في نفس البلد ونفس السنة، مع تحييد أثر مجموعة متنوعة من الخصائص الاجتماعية والاقتصادية والشخصية الأخرى.
إن تأثير التعرض للوباء كبير: فالشخص المعرض بشدة لوباء ما طوال سنوات القابلية للتأثر، مقارنةً بشخص غير معرض لمثل هذا الوباء، يكون احتمال ثقته في الحكومة أقل بمقدار 5,1 نقطة مئوية، واحتمال ثقته في نزاهة الانتخابات أقل بمقدار 7,2 نقطة مئوية، واحتمال قبوله لأداء القائد الوطني أقل بمقدار 6,2 نقطة مئوية (حيث يكون متوسط نتائج هذه المتغيرات 50% و51% و51%، على الترتيب).
والمدهش هو عدم وجود تأثير مماثل على الأفراد الذين لم يبلغوا سنوات القابلية للتأثر بعد أو الذين تجاوزوها عند تفشي الوباء. ولا يتراجع هذا التأثير إلا بصورة تدريجية مع تقدم عمر الفرد الذي تعرض له. ويستمر هذا التأثير ما يقرب من عقدين في المتوسط.
أهمية استجابة السياسة الصحية
علاوة على ذلك، فإن التأثير يرتبط بالمؤسسات السياسية والقادة. فنحن لم نتوصل إلى أي تأثير مشابه على المؤسسات الاجتماعية الأخرى مثل الشرطة والجيش والبنوك والمؤسسات المالية. وهناك استثناء مهم وهو العلاقة بين تعرض الأفراد في سنوات القابلية للتأثر للأوبئة وثقتهم في نظام الرعاية الصحية في بلدهم، حيث نخلص مرة أخرى في بحثنا إلى وجود تأثير سلبي واضح. ويشير ذلك إلى أن فقدان الثقة في المؤسسات السياسية يرتبط بمدى ملاءمة استجابات السياسات الحكومية المرتبطة بالرعاية الصحية للخطر الذي يهدد الصحة العامة.
وعادة ما تكون الحكومات التي تعاني من محدودية القوة التشريعية والوحدة والدعم الشعبي هي الأقل قدرة على إصدار استجابات فعالة من السياسات لمواجهة الأوبئة. ونحن نوثق هذه الحقيقة من خلال مقارنة الاستجابات الوطنية لجائحة كوفيد-19. وتؤكد الأدلة في عام 2020 أن الحكومات الأضعف احتاجت وقتا أطول للاستجابة لحالة الطوارئ بتدخلها غير الدوائي الأول. فإذا كانت بالفعل تميل لأن تكون مخيبة لآمال ناخبيها، فمن المتوقع أن تبلغ الآثار السلبية على الثقة أشد درجاتها عندما تكون الحكومة القائمة في وقت الوباء ضعيفة وغير مستقرة، بافتراض تساوي كل العوامل الأخرى. ويخلص بحثنا في واقع الأمر إلى أن تأثير التعرض للوباء على الثقة يكون مضاعفا عندما يتم التعرض لذلك الوباء في ظل حكومة ضعيفة.
وأخيرا، يمكن إيضاح أن التأثير الأقوى على ثقة الشباب في الحكومة يُعزى إلى الأشخاص الذين يعيشون في نظم ديمقراطية. وهذه النتيجة ثابتة إزاء استبعاد أثر الخصائص القُطْرية، مثل مستوى الدخل، ومجموعة واسعة من السمات الشخصية والعائلية. وأحد التفسيرات هو أن الشباب يتوقعون استجابة الحكومات المنتخبة ديمقراطيا لاحتياجاتهم ويصابون بخيبة أمل عندما لا تستجيب هذه الحكومات للحيلولة دون انتشار وباء ما أو احتوائه. وبالإضافة إلى ذلك، قد تواجه النظم الديمقراطية صعوبة أكبر في نشر رسائل متسقة. ونظرا لأن هذه الأنظمة مفتوحة، فقد تسمح بتضارب الآراء الرسمية، مما يؤدي إلى مزيد من التآكل في الطمأنينة والثقة.
الثقة في العلماء
ونستخدم في البحث نفس المنهج المقارن ومسح مؤسسة "Wellcome Trust" لعام 2018 لحوالي 75 ألف فرد في 138 بلدا لاستكشاف مدى تأثير التعرض للوباء على الثقة في العلم والعلماء. ومرة أخرى، يشير التحليل إلى ما ينجم عن التعرض للوباء من آثار سلبية مستمرة على الثقة، وتحديدا بين الشباب. فالأشخاص الذين يتعرضون لوباء ما خلال المرحلة العمرية التي تتراوح بين 18 و25 عاما يضعون ثقة أقل بكثير في العلماء وفي مزايا عملهم، مقارنةً بأشخاص مشابهين لم يتعرضوا لذلك الوباء في هذه المرحلة من حياتهم. والأشخاص الأشد تعرضا للأوبئة أثناء سنوات القابلية للتأثر يكون متوسط احتمال ثقتهم في العلماء أقل بمقدار 11 نقطة مئوية مقارنة بأولئك الذين لم يتعرضوا لتلك الأوبئة. أما الأفراد الذين كانت أعمارهم أصغر أو أكبر من ذلك عند تعرضهم للأوبئة فلا يُظهرون هذا التغير في الثقة.
كذلك يمكن التمييز بين المجيبين على المسوح الذين لم يدرسوا العلوم إلا في مرحلة التعليم الابتدائي والمجيبين الذين استمرت دراستهم للعلوم حتى نهاية المرحلة الثانوية على الأقل. ونخلص هنا إلى أن تراجع الثقة يُعزى إلى الأفراد الذين لديهم معلومات دراسية أقل في الموضوعات المرتبطة بالعلوم.
ويُترجم تراجع مستويات الثقة، الناجم عن الوباء، بين الشباب إلى آراء سلبية عن اللقاحات أيضا. ويؤثر ذلك على السلوك الفعلي وعلى المواقف أيضا. وتحديدا، يوضح تحليل الإجابات على المسوح أن التعرض للأوبئة أثناء سنوات القابلية للتأثر يقلل من احتمالات قيام الناس بتطعيم أبنائهم باللقاحات المضادة لأمراض الأطفال.
الانعكاسات
تبعث هذه النتائج على القلق عند مستوى معين. فنحن نعلم أن الثقة في الحكومة والعلماء مهمة للغاية من أجل قبول الجمهور للتوصيات والسياسات. فالتجربة الأخيرة تشير إلى أن قبول النصائح والسياسات غاية في الأهمية للحد من انتشار كوفيد-19 ومن آثاره. ولكن إذا أدى تفشي مرض معد إلى تراجع الثقة في الحكومة والعلماء، فإن ذلك يثير شبح دوامة مفرغة يؤدي فيها تفشي الوباء إلى تراجع الثقة، مما يجعل احتواء الوباء – والآثار اللاحقة له – أكثر صعوبة.