استخدام الذكاء الاصطناعي لمحاربة الجوع
وتُعَد تايلند مجرد مثال يوضح كيفية استخدام البلدان للذكاء الاصطناعي في مكافحة تزايد الجوع وانعدام الأمن الغذائي والفقر، مما يؤثر سلبًا على الاقتصادات. ويحتاج الأشخاص الذين يعانون من نقص التغذية إلى المزيد من المساعدات العامة، كما أنهم أقل إنتاجية، مما قد يؤثر على نصيب الفرد من الدخل، وعلى النمو، وأحيانا على الاستقرار السياسي. وفي الوقت نفسه، يهاجر المزارعون الأصغر سنا بحثاً عن وظائف أفضل أجرا في المدن، مما يقلل من العمالة اللازمة لإنتاج كميات متزايدة من الغذاء لعدد متزايد من سكان العالم. وقد تنذر هذه الاتجاهات مجتمعة بوقوع أزمة، لكن المحللين وصناع السياسات يرون أملًا في التقنيات الجديدة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، لمساعدة عدد أقل من المزارعين على إنتاج المزيد من الغذاء.
يقول كريثباكا بونفوينغ، المدير التنفيذي للوكالة الوطنية للابتكار (NIA) إن رعاية المنظومة الرقمية أمر أساسي في تلك الجهود. ففي شهر أكتوبر، أطلقت تايلند النظام التايلندي لرصد الأرض (THEOS-2)، وهو أول قمر صناعي لرصد الأرض يشترك في تصميمه مهندسون تايلنديون وبريطانيون، والذي سيجمع البيانات اللازمة للزراعة الذكية. وتمتلك الوكالة الوطنية للابتكار برامج الحاضنات والمُعَجِّلات التي تساعد في تحديد مصادر استثمارات القطاع الخاص للشركات البادئة في مجال التكنولوجيا الزراعية لتوصيل البيانات إلى الحقول. وتقوم وكالة تعزيز الاقتصاد الرقمي، وهي ذراع تكنولوجية أخرى للحكومة، بإدارة برنامج "مسيَّرة واحدة ومجتمع واحد"، الذي يضم مزارعين في 500 مجتمع محلي يتقاسمون خدمات الطائرات المسيَّرة لإدارة حقولهم. ويقول بريسان راكواتين، نائب الرئيس التنفيذي لوكالة تعزيز الاقتصاد الرقمي، التي تساعد على تحقيق التوافق بين شركات التكنولوجيا والأسواق، إلى جانب تمويل الشركات البادئة "حتى المزارعون يريدون التكنولوجيا، ولكن هذه التكنولوجيا يجب أن تكون بسيطة بالقدر الذي يمكِّنهم من استخدامها".
وبالفعل تساعد إحدى هذه الشركات البادئة، وهي شركة Ricult، المزارعين في باكستان وتايلند وفييت نام. وقد تأسست شركة Ricult في عام 2015 وهي شركة ذات نشاط مزدوج يجمع بين التكنولوجيا المالية والتكنولوجيا الزراعية. ويعمل تطبيقها القائم على الذكاء الاصطناعي، والذي تم تحميله أكثر من 800 ألف مرة في تايلند، على توفير معلومات وأدوات تساعد أصحاب الحيازات الزراعية الصغيرة على اختيار أصناف المحاصيل المناسبة والأساليب الدقيقة لزيادة الإنتاجية والربحية. كذلك تقوم البوابة الإلكترونية لهذه الشركة بمساعدة المزارعين في حل مشكلة دائمة وملحة تتمثل في الحصول على التمويل. وفي الوقت نفسه، دخلت مجموعة "Mitr Phol Group "، وهي أكبر منتج للسكر في آسيا، في شراكة مع شركة آي بي إم لتوفير حلول البيانات القائمة على الذكاء الاصطناعي للمزارعين، وتقوم شركة "Chia Tai"، وهي واحدة من أكبر شركات الأغذية الزراعية في تايلند، باستخدام مسيَّرات ذاتية القيادة تصنعها شركة أكس أيه جي الصينية.
سياسات أكثر ذكاءً
غير أن الزراعة الذكية لا تزال نادرة نسبيا. يقول أوكريت أوناهاليكاكا، أحد مؤسسي شركة Ricult، إن الوكالات الحكومية التي تحاول إدارة التفاصيل في ظل العمل ضمن فرق معزولة تعوق التطبيق. ويقول أيضاً إنها مشكلة في جميع أنحاء المنطقة. وأضاف "ينبغي للحكومات صنع السياسات وتيسير تمويل الشركات البادئة والمبتكرين والمزارعين. فالسماح للسوق بالعمل يعكس كفاءة أكبر بكثير".
وهذا لا يحدث دائما. فهناك تقرير صادر عن المعهد الدولي لبحوث سياسات الأغذية بعنوان "تمكين النظم الغذائية في إفريقيا من أجل المستقبل" يشير إلى أن العديد من الحكومات في إفريقيا، وهي قارة أخرى تعاني الجوع وانعدام الأمن الغذائي، أقرت لوائح مقيِّدة لاستخدام الطائرات المسيَّرة، بحيث يكون من الصعب الحصول على ترخيص لإحداها. ومع ذلك، فإن بلدانا مثل كينيا ورواندا وتنزانيا وغيرها تُخصص الموارد اللازمة لبناء منظومة ومعرفة رقمية للمزارعين حتى يتمكنوا من الوصول عبر شبكة الإنترنت إلى خدمات الإرشاد، وتوقعات الطقس، ومعلومات عن السوق، والتمويل. ومع ذلك، لا تزال هناك عقبات مثل الربط الشبكي والمعرفة الرقمية. ووفقاً للمعهد الدولي لبحوث سياسات الأغذية "رغم أن الثورة الرقمية تحمل وعودا هائلة للنظم الغذائية الإفريقية، فإن التصدي لهذه التحديات ضروري لنجاحها".
ورغم كل هذه الوعود، يحذر بعض الباحثين من المخاطر. فإذا كانت البيانات سيئة، ستكون نتائج الذكاء الاصطناعي سيئة. ومن الممكن برمجة الذكاء الاصطناعي لزيادة المحاصيل وتجاهل تأثيراته السلبية على البيئة. يقول أوناهاليكاكا "من الممكن ضبط الذكاء الاصطناعي ليتناسب مع أهدافك، غير أن هذا ليس بالوضع المثالي". وأضاف أنه لم ير مزارعين يسيئون استخدام الذكاء الاصطناعي حتى الآن. وهو واحد من بين كثيرين يرون أن المنافع تفوق المخاطر وأن النتائج من المرجح أن تكون إيجابية. ويرجع ذلك إلى الدافع الذي يعتقد أنه يحركه هو وآخرين في مجال التكنولوجيا الزراعية: "نريد أن نجعل العالم مكانًا أفضل".