لن تبني أي حكومة عشرات الطرق التي تربط نفس المكانين. إلا أن هذا يحدث في كثير من الأحيان مع الخدمات الرقمية. فالبلدان تخصص مليارات من أموالها للإنفاق على تكنولوجيا المعلومات دون أن تدرك الحاجة إلى التعامل مع هذه الأنظمة باعتبارها بنية تحتية مشتركة. ويؤدي هذا المنهج المنفصل عن الواقع إلى تشتت الأنظمة، مما يزيد من صعوبة تشارك البيانات بين الهيئات العامة ومع القطاع الخاص، أو الاستفادة منها.
فماذا لو تعاملنا مع مجموعة من الأنظمة الرقمية الرئيسية - مثل الهويات الرقمية، والمدفوعات، ومنصات تبادل البيانات، وبيانات الاعتماد، والخدمات المشتركة الأخرى التي تدفع الوظائف الأساسية على مستوى الحكومة والاقتصاد - بالطريقة نفسها التي نتعامل بها مع الطرق أو شبكات الكهرباء؟ أي باعتبارها أنظمة ضرورية وطويلة الأجل ومشتركة مصممة للاستخدام المتكرر.
ويقتضي هذا المنهج تحولين كبيرين في المفاهيم إلى ما هو أبعد من التركيز المعتاد على التكنولوجيا. والتحول الأول هو تحول اقتصادي. فإذا كانت الطرق تربط بين الأماكن، فإن البنية التحتية العامة الرقمية تربط المؤسسات وتؤدي إلى مضاعفة إمكانية تحقيق قيمة. وتحقق الهوية الرقمية — نظام "آدهار" (Aadhaar) للهوية الرقمية في الهند، على سبيل المثال - وفورات الكفاءة المباشرة، مما يحد من الاحتيال والمطالبات بالحصول على منافع. وتزيد قيمتها مع الاستخدام، مثل تحسين مستوى توجيه الخدمات أو إتاحة الحصول الآمن على التعليم والرعاية الصحية. وبمرور الوقت، يمكنها إعادة تشكيل الأسواق أو تنميتها. وبمقدور نظام هوية رقمية للتحقق العام من الهوية أن يحد من تكاليف الامتثال التي تتحملها المؤسسات المالية، وتوسيع نطاق الحصول على الائتمان، وفتح الباب أمام نماذج أعمال جديدة على مستوى الاقتصاد. ففي الهند، أدى نظام "آدهار" (Aadhaar) للهوية الرقمية إلى انخفاض كبير في تكاليف نظام "اعرف عميلك" وزيادة كبيرة في اعتماد استخدام الخدمات عبر الهاتف المحمول.
ولا ينشأ أكبر تأثير اقتصادي للبنية التحتية العامة الرقمية، على غرار تأثير أنواع البنية التحتية الأخرى، من التأثيرات المباشرة بل من الأنشطة الاقتصادية واسعة النطاق التي تتيحها، مثل خط سكك حديدية جديد يحفز النمو على طول مساره. فعلى سبيل المثال، أدخلت مالاوي تحسينات كبيرة على أسواق الائتمان عن طريق تمكين المقرضين من التحقق من هويات المقترضين بمزيد من الدقة حينما استحدثت نظام تحديد الهوية البيومترية. وأطلق هذا الأمر العنان لفرص اقتصادية جديدة عن طريق تقليل مخاطر التعثر في السداد وزيادة إمكانية الحصول على الائتمان، ولا سيما للفئات المهمشة.
وعلى الرغم من هذا، فإن هذه النتائج الإيجابية ليست مضمونة. فكثير من البلدان استثمر في البنية التحتية العامة الرقمية، ولكنها لا تنظمها ولا تمولها باعتبارها بنية تحتية. وتحدد مبادرة وضع خريطة عالمية للبنية التحتية العامة الرقمية العالمية، بقيادة كلية لندن الجامعية، ما يربو على 64 برنامجا للهوية الرقمية الوطنية، و97 نظاما للمدفوعات الرقمية، و103 منصات لتبادل البيانات ذات إمكانات شبيهة بالبنية التحتية. إلا أن القليل منها فقط قيد الاستخدام على نطاق واسع. ويستخدم أكثر من خدمتين عامتين ما لا يزيد على نصف أنظمة الهوية الوطنية تقريبا. ولدى جنوب إفريقيا ثماني منصات وطنية لتبادل البيانات تعمل كل منها بمعزل عن الأخرى.
قدرة الدولة
يتعلق التحول الثاني في المفاهيم بقدرة الدولة. فقد أدى ظهور التكنولوجيات الرقمية إلى زيادة توقعات المواطنين بشأن ما يشكل خدمة جيدة - أي السرعة والفعالية وعدم الاحتكاك. وتعتمد هذه النتائج على مجموعة من القدرات الأساسية، وخاصة القدرة على الربط بين مجموعات البيانات المختلفة والاستفادة منها. وعلى الرغم من هذا، فإن التطور المنعزل للخدمات الرقمية، وعمليات المصادقة على المستخدم، والتطبيقات - الشائعة على مستوى القطاع العام - لا يزيد التكاليف والتعقيد فحسب، ولكن أيضا يكون أكثر تأثيرا على الخدمات الأصغر ويحد من قدرة الدولة على دمج البيانات والاستجابة بفعالية.
ومن منظور جماعي، فبدون رؤية عامة بشأن البنية التحتية، تتضاءل قدرة الدولة. وتتراجع مصداقية الحكومة ومواردها وقدرتها على التكيف السريع والتصدي للمشكلات التي تظهر بالاستعانة ببرامج جديدة واستجابات على مستوى السياسات. وسيؤدي عدم تبني إطار استراتيجي واسع النطاق للبنية التحتية الرقمية إلى تقييد الاقتصاد وكفاءة الحكومة، ولا سيما في عصر يتزايد فيه عدم الاستقرار الجغرافي السياسي والاقتصادي والبيئي.
ووزارات المالية على علم بهذا. فعلى مدار العام الماضي، عقدنا سلسلة من الحلقات التطبيقية مع مسؤولي الخزانة والمالية من أكثر من 50 بلدا، وكثير منها أوضح إمكانات البنية التحتية العامة الرقمية في الحد من الازدواج الضريبي، وخفض التكاليف الإدارية، وتحسين مستوى تحصيل الضرائب، وتعزيز الإشراف. ولكن بصفة عامة، أكد المسؤولون وجود مصدر قلق رئيسي، هو أن القيمة مقابل المال يجب أن تكون مرئية، ومرئية بسرعة.
ويفسر هذا الأمر جزئيا استمرار الجهود المكررة والمشتتة التي يبذلها كثير من وزارات المالية حينما يتعلق الأمر بتمويل الأنظمة الرقمية. وتقر هذه الوزارات بتزايد الأبحاث التي توضح أن طرق التقييم التقليدية، مثل تحليل التكلفة والعائد، لا تحقق النتيجة المرجوة المتمثلة في رصد مجموع قيمة البنية التحتية. وهذه الأدوات لإدارة المشاريع عادة ما تُفرِط في تبسيط روابط النظام المعقدة، وتعطي الأولوية للنتائج على المدى القصير، وتغض الطرف عن آثار التداعيات، وتخفق في رصد الجوانب التوزيعية. وعلى حد قول أحد مسؤولي الشؤون المالية، "لا توجد فئة في الموازنة مخصصة للأنظمة التي تفيد الجميع لكنها ليست ملكا لأحد".
تغيير على مستوى الحكومة ككل
تلخص الحلقات التطبيقية التي عقدناها ودراسة بشأن السياسات مع سوميدا ديشموخ التحدي الحقيقي وهو أن تحويل البرمجيات إلى بنية تحتية يتطلب أكثر من تصميم فني جيد. وغالبا ما تواجه الوزارات المسؤولة عن التكنولوجيا الرقمية وحدها صعوبات في إحداث تغيير على مستوى الحكومة ككل لأنه ليس لديها بطبيعة الحال سلطة على الميزانيات، أو الصلاحيات للتنسيق بين الوزارات، أو التأثير المؤسسي لفرض معايير مشتركة. ويمكن لوزارات المالية سد هذه الثغرات، بفضل ما تتمتع به من سلطات مالية وتنسيقية حاسمة ضرورية لاعتمادها ودعمها المستمر. والقدرة على توجيه اعتماد البنية التحتية - التنسيق بين الوزارات، ووضع المعايير، والتكليف بإعادة توظيف الموارد المتاحة - أمر بالغ الأهمية. وهذه التحولات ليست مباشرة بالطبع، نظرا لوجود ثلاثة أمور أساسية غالبا ما تعترض طريقها.
الأمر الأول هو التنسيق. فوزارات المالية تقر بأن البنية التحتية الرقمية ضرورية لإمكانية التشغيل البيني والكفاءة - ولكن يُتوقع منها أيضا أن تحترم استقلالية الوزارات الأخرى. وفي الممارسة العملية، غالبا ما تضطلع بدور لاحق، حيث تتولى تقييم المقترحات وليس صياغة الاستراتيجيات الرقمية من البداية. وقال أحد المسؤولين: "نحن حراس مرمى، ولسنا مهاجمين". وفي حالات كثيرة، تكمن الخبرة الفنية في موضع آخر. ويجب على الحكومات تنفيذ منهج استراتيجي يسمح لوزارة المالية بأن تدعم مكاسب الكفاءة والابتكارات التي تتيحها المنصات المشتركة.
والأمر الثاني هو التمويل. فالبنية التحتية العامة الرقمية بحاجة إلى استثمارات لبناء الأنظمة وصيانتها وتحديثها. إلا أن الضغوط السياسية وضغوط الموازنة عادة ما تفضِّل المكاسب السريعة. وعبَّر العديد من المسؤولين في حلقاتنا التطبيقية عن قلقهم من أن المشاريع التي يقودها المانحون قد أُطلقت بدون خطط واضحة للتمويل على المدى الطويل. وتشتت الإنفاق على البنية التحتية العامة الرقمية على عدد كبير من بنود الميزانية يزيد صعوبة تخطيط البنية التحتية وإدارتها ككل متماسك.
أما الأمر الثالث فهو التقييم. فمعظم المقترحات الخاصة بالتحول الرقمي تُقيَّم باستخدام أدوات تحليل التكلفة والعائد التي تواجه صعوبة في رصد آثار تداعيات البنية التحتية العامة الرقمية على المدى الطويل بين القطاعات. وأشار المسؤولون إلى التحدي المتمثل في توقع العائدات من المنصات المشتركة، ولا سيما حينما لا تتحقق القيمة من المدخرات المباشرة وإنما من تقديم خدمات أفضل، أو قدر أقل من التسرب، أو القدرات الجديدة كليا. وأكد كثير منهم الحاجة إلى تطبيقات واضحة للبنية التحتية العامة الرقمية والنجاح المبكر في بناء الزخم المطلوب، حتى وإن استغرق تحقق منافع على نطاق أوسع سنوات. وتشير المشكلات المحددة إلى أن الاعتبارات المتعلقة بهذه البنية التحتية ينبغي دمجها في الأطر التي تضعها الحكومات لإدارة الاستثمار العام وخطط إعداد ميزانية متعددة السنوات.