ولو كانت هناك روابط بين الاقتصاد الكلي والاقتصاد العقاري، لربما استطعنا التوصل إلى توقعات أكثر دقة بشأن تطورات الأزمة المالية العالمية خلال 2008-2009. ولربما استطعنا أيضا أن نفهم عن قرب معضلات السياسات في الآونة الأخيرة، كما توضح المقالات التي يعرضها غلاف هذا العدد.
وخلال العام الجاري، واجه خبراء الاقتصاد الكلي تحديين أساسيين. الأول، فهم مصادر ارتفاع التضخم خلال الفترة 2021-2022 ومدته المحتملة. والثاني، النظر في كيفية تحقيق "هبوط هادئ" من خلال إبطاء الاقتصاد لكبح التضخم دون التسبب في حالة من الركود. وكان بمقدور خبراء الاقتصاد الكلي التعامل بشكل أفضل مع هاتين القضيتين الأساسيتين على جانب السياسات لو كانوا على دراية أكبر بتطورات أسواق العقارات.
والارتفاع المزمن في معدلات التضخم في الولايات المتحدة كان انعكاسا لمزيج معقد ومتغير من عوامل العرض والطلب. غير أن دور الإسكان كان مفاجئا، واندفع كبار خبراء الاقتصاد الكلي من فورهم لفهم تأثير أسعار وإيجارات المساكن على مقاييس تكلفة المعيشة عن قرب. وقد ساهم ارتفاع تكلفة قروض الإسكان بالفعل في حالة التشاؤم المربكة التي تتضح في شعور المستهكلين حيال الأوضاع الاقتصادية، وأدى إلى مخاوف عديدة في دوائر الاقتصاديين الذين عزموا على تفسير حالة الانفصال عن مؤشر أسعار المستهلكين.
وقد واجهت البنوك المركزية تحديات في فهم تأثير زيادات أسعار الفائدة التي عكفت على تصميمها لكبح التضخم على قطاع الإسكان والاقتصاد ككل. والمهمة ليست سهلة. فالقنوات التي تؤثر من خلالها أسعار الفائدة على أسواق الإسكان معقدة وتتغير مع الوقت – كما تتطلب دراسة أسواق الإسكان بناء على دراية عميقة يندر توافرها في كتب الاقتصاد الكلي، كما أشار ليمر منذ عشرين عاما تقريبا حينما أبدى أسفه على إخفاقه في العثور على كتاب واحد يولي قطاع العقارات "الأهمية التي يستحقها".
ومن القنوات التي نرى لها دورا في تأثير أسعار الفائدة على قطاع الإسكان هي انتشار القروض العقارية ذات الفائدة الثابتة، حيث تصل نسبتها إلى صفر تقريبا في جنوب إفريقيا وتتجاوز 95% في المكسيك والولايات المتحدة. ومن العوامل الأخرى المؤثرة على فعالية السياسة النقدية حجم ديون أصحاب المساكن، وقيود العرض، ومدى ارتفاع أسعار المساكن والمغالاة المحتملة في التقييم، وجميعها من المؤشرات التي ينطوي قياسها على صعوبة بالغة.
وعلاوة على هذه الأمور التي تجعل الصورة معقدة بالفعل، فإن قوة هذه القنوات تتغير مع الوقت. فعلى سبيل المثال، ارتفع مؤخرا نصيب القروض العقارية ذات الفائدة الثابتة في العديد من البلدان. وتتفاوت كذلك إمكانية إعادة التمويل عبر الاقتصادات ومع الوقت. ومن ثم فإن معايرة السياسة النقدية تتطلب فهما عميقا لخصوصية قطاع الإسكان وأسواق الإسكان في كل بلد على حدة.
ويعد الغذاء والملبس والمسكن من الاحتياجات البشرية الأساسية. وبالفعل، فقد أقر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 وغيره من المعاهدات الدولية المماثلة الحق في الحصول على سكن ملائم. ويعد القضاء على الجوع من أهم ركائز أهداف التنمية المستدامة التي وضعتها الأمم المتحدة (هدف التنمية المستدامة الثاني هو القضاء التام على الجوع). وحينما ترتفع أسعار الغذاء، تسارع وكالات الأمم المتحدة مثل برنامج الأغذية العالمي بالتحرك، كما يطلق صندوق النقد الدولي بدوره برامج إقراضية جديدة لمساعدة الشعوب والبلدان على مواجهة آثار صدمات أسعار الغذاء. أما المأوى فهو الجانب المهمش، فالإسكان يذكر بالكاد ضمن أهداف التنمية المستدامة. وذلك رغم أن القدرة على تحمل تكلفة السكن من المشكلات الشائعة التي تؤثر على العديد من اقتصادات العالم الكبرى، إن لم يكن على معظمها. ولا عجب إذن أن الإسكان برز بوصفه من القضايا الرئيسية في عدد من السباقات الانتخابية القومية والمحلية.