الأدوات التكنولوجية
كان النظام الاقتصادي يتجه نحو مزيد من الليبرالية، وبدت الأدوات التكنولوجية لعصر العولمة الأول قادرة على وصل أجزاء هذا النظام. فقد أسهمت خطوط السفن البخارية العابرة للمحيطات في تقليص مدة النقل وتكلفته إلى حد كبير، وأصبحت الرسائل بين وول ستريت ومدينة لندن لا تستغرق سوى دقائق معدودة بعد النجاح في مدّ كابل التلغراف عبر الأطلسي عام 1866. كما غدا العالم أصغر فأصغر مع افتتاح قناة السويس في مصر واكتمال خط السكك الحديدية العابر للقارة في الولايات المتحدة عام 1869. وقد أثارت هذه التطورات خيال دعاة العولمة، ومن بينهم الكاتب "جول فيرن" في روايته حول العالم في ثمانين يوما (1872).
وبينما كان العالم في طور تحوله الصناعي، سُرعان ما أودى به الاعتماد المتبادل غير المسبوق الذي حققته العولمة إلى دائرة غير متوقعة من الانتعاش والكساد الاقتصادي. وأدى انخفاض تكاليف النقل، والتصنيع واسع النطاق، وتحرير التجارة إلى خفض التكاليف على المستهلكين، ولكن الهبوط الحاد في الأسعار أدى كذلك إلى تقليص هوامش الربح أو حتى التسبب في خسائر لكثير من مُصدّري العالم. ودفعت قاعدة الذهب التي قادتها بريطانيا عجلة التجارة الدولية، ولكن آثارها الانكماشية كانت نذير شؤم لكثير من المزارعين والمصنِّعين المُثقلين بالديون.
وهكذا، أصبح عصر العولمة الأول في مواجهة الكساد الكبير الأول (1873-1896)، وكانت الحمائية والاستعمار هي السياسات التي اختارها العالم إبان فترة التحول الصناعي. وتعالت آنذاك أصوات مناهضي العولمة. وكما هو معتاد خلال الأزمات الاقتصادية، طغت دعوات الاكتفاء الذاتي القومي على دعوات التعاون الدولي. وأصبحت التجارة الحرة مبدأ باليا بين الإمبراطوريات المنافسة لبريطانيا، والتي أعادت اكتشاف أفكار لِيست الحمائية، وحوَّلته من شخص منبوذ إلى مصدر إلهام.
مؤامرة اقتصادية
بدأ القوميون الاقتصاديون من ذوي الفكر الإمبريالي حول العالم في تمجيد نظام لِيست القومي بوصفه نبوءة اقتصادية. وكان يُنظَر إلى التجارة الحرة كجزء من مؤامرة بريطانية كبرى لعرقلة مشروعات التصنيع في البلدان المنافسة – أي حيلة لخدمة المصلحة الذاتية عبر تقويض الصناعات الناشئة في بلدان أخرى. وبالنسبة لهؤلاء القوميين الاقتصاديين المستلهمين أفكار لِيست، كانت الجغرافيا السياسية لعبة محصلتها صفر، لا بقاء فيها إلا للأقوى.
وبدت الآن الأدوات التكنولوجية للعولمة، التي بشرَّت منذ فترة ليست ببعيدة بربط العالم في إطار عالمي حميد، أكثر ملاءمة لربط المستعمرات بالعواصم الإمبريالية. وارتفعت الحواجز الجمركية إلى مستويات غير مسبوقة، فتحولت الصناعات الوليدة إلى احتكارات، وتكتلات احتكارية، واندماجات احتكارية. وسُرعان ما دفعت أوجه القصور في الأسواق الداخلية، الناجمة عن هذه الاحتكارات، الإمبراطوريات للبحث عن أسواق جديدة لتصدير الفوائض الرأسمالية وتأمين المواد الخام. وتسارعت وتيرة الحروب التجارية، والتدخلات العسكرية، والتكالب على إقامة المستعمرات في إفريقيا وآسيا.
وبحلول عام 1880، كانت الكلمة العليا للقوميين الاقتصاديين. وازدادت سياساتهم الحمائية الإمبريالية توجها نحو اليمين على نحو غير مسبوق. ففي الولايات المتحدة، أعاد الحزب الجمهوري تقديم نفسه باعتباره حزب الحمائية والصفقات الكبرى، منهيا عقودا من التوجه نحو زيادة حرية التجارة. وجاء قانون ماكينلي للتعريفات الجمركية عام 1890، الذي فرض معدلات قياسية بلغت نحو 50% في المتوسط، ليدفع بالبلاد إلى خوض حروب تجارية مع شركائها الأوروبيين.
ومع ذلك، شجعت إدارة الرئيس بنجامين هاريسون تمرير قانون التعريفة الجمركية، واضعة نصب عينيها مكسبا استعماريا واحدا، ألا وهو كندا. فقد كانت إدارته تأمل في أن تسعى تلك الجارة الشمالية الخاضعة لسيطرة بريطانيا إلى الانضمام إلى الولايات المتحدة بدلا من تحمل أعباء التعريفة الباهظة. غير أن النتيجة جاءت عكسية، إذ عمل حزب المحافظين الكندي على توثيق الروابط الاقتصادية داخل الإمبراطورية البريطانية؛ لتصبح كندا جسرا برّيا يربط بريطانيا بمستعمراتها البعيدة في المحيط الهادئ عقب اكتمال خط السكك الحديدية "كنديان باسيفيك".
وفي ألمانيا، وحّد أوتو فون بسمارك، الذي أُشيع أنه كان يحتفظ بكتاب النظام القومي على طاولته لقراءته قبل النوم، الولايات الألمانية على طريقة لِيست، محيطا إياها بحواجز جمركية، وساعيا في الخارج وراء مستعمرات جديدة. وشرع خليفته فيلهلم الثاني في إنشاء خط السكة الحديدية برلين-بغداد لتعزيز الربط بينهما. وفي روسيا، سار الكونت سيرغي ويت على خطى لِيست بوضوح. فمنذ أوائل تسعينات القرن التاسع عشر، تقلد ويت مناصب مدير شؤون السكك الحديدية ووزير المالية ورئيس الوزراء، مما مكّنه من إطلاق مشروع خط السكك الحديدية العابر لسيبيريا لتيسير تنفيذ المخططات الاستعمارية الروسية في منشوريا. وشهدت الإمبراطوريتان الفرنسية واليابانية أحداثا قومية اقتصادية مشابهة.
ومن جانبهم، لجأ الليبراليون المهمشون المدافعون عن التجارة الحرة إلى تنظيم القواعد الشعبية لوقف المد الحمائي الإمبريالي المتصاعد. ففي الولايات المتحدة، ألّف الصحفي من سان فرانسسكو هنري جورج كتابه بعنوان التقدم والفقر (1879)، الذي أصبح من أكثر الكتب مبيعا عالميا، وطرح فيه خارطة طريق لتفكيك احتكارات الأراضي التي كان يهيمن عليها أباطرة السكك الحديدية والأرستقراطيون والمضاربون، وذلك بفرض ضريبة على القيمة المحتملة للأراضي. وعُرفت فكرته باسم "الجورجية" أو "الضريبة الواحدة"، لأنها وعدت بالقضاء على جميع أشكال الضرائب الأخرى، بما في ذلك التعريفات الجمركية.
وفي الواقع، لقيت فكرة إقامة عالم يتسم بالاعتماد المتبادل وينعم بتجارة حرة مطلقة دون احتكارات الأراضي، والتي روجت لها حركة الضريبة الواحدة، ترحيبا دوليا واسعا. وأصبح الروائي الروسي داعية السلام ليو تولستوي من أشد المؤيدين لهذه الدعوة، انطلاقا من إيمانه بأن الضريبة الواحدة هي الترياق لسم السُخرة. وأثناء إقامتها في إحدى المستعمرات الخاضعة للضريبة الواحدة في الولايات المتحدة، حصلت شابة تُدعى ليزي ماغي، وهي من أنصار "الجورجية" المتشددين، على براءة اختراع لابتكارها لعبة لوحية لتعليم الشباب والكبار مساوئ الإيجار الاستغلالي للأراضي - وهو ما أفضى إلى ظهور ما أصبح اليوم أشهر لعبة لوحية في العالم، وهي لعبة مونوبولي (الاحتكار). وفي عام 1912، تخلى الرئيس المؤقت الجديد لجمهورية الصين "صون يات-صن" عن منصبه ليتفرغ للترويج لتعاليم الضريبة الواحدة التي وضعها "هنري جورج"، وطور بلاده لتصبح "شعبا صناعيا، محبا للسلام، ينعم بالرخاء".
الرأسمالية الاحتكارية
سعى دعاة التجارة الحرة في العصر الإدواردي في بريطانيا إلى استيعاب علاقة المنفعة المتبادلة بين الاحتكارات والحمائية والإمبريالية – أو "الرأسمالية الاحتكارية" – التي غدت السمة المميزة لعصر العولمة الأول. وتحولت "أغنية الأرض" لأنصار الجورجية إلى نشيد حماسي يُردد في اجتماعات الحزب الليبرالي.
وفي الوقت ذاته، وجّه الاقتصادي "جيه. إيه. هوبسون" أحد أشد الانتقادات اللاذعة إلى الرأسمالية الاحتكارية ولهاثها وراء المستعمرات، وذلك في كتابه الإمبريالية: دراسة (1902). وبعد ثماني سنوات، عبر الصحفي "نورمان إنجيل" عن مخاوفه العميقة من اندلاع صراع عالمي وشيك، محذرا من "الوهم العظيم" الذي أشاع أن الحرب مكسب للأمم، إذ إن قوة الاعتماد المتبادل بين الأسواق العالمية تعني أن حتى الفائزين المزعومين يخسرون في حقيقة الأمر. وقد جاء اندلاع الحرب العالمية الأولى بعد أربع سنوات ليثبت صحة تحذيره.
إن أوجه التشابه بين الماضي والحاضر جلية للعيان. فقد شهد ربع القرن بين إلغاء قوانين الذُرة في عام 1846 وبدايات التحول العالمي نحو الحمائية في أوائل سبعينات القرن التاسع عشر موجة غير مسبوقة من التحرير التجاري، على غرار ما حدث خلال السنوات الخمس والعشرين التي أعقبت نهاية الحرب الباردة. وكما قلل أنصار التجارة الحرة الليبراليون في القرن التاسع عشر من شأن الجاذبية السياسية للقومية والاكتفاء الذاتي الاقتصادي، اندفع خلفاؤهم من المفكرين في أواخر القرن العشرين إلى التنبؤ بنهاية الدولة القومية – بل بنهاية التاريخ.
وبما أن التاريخ لم ينته، فإنه يظل مرشدا قيما. وعلى مؤيدي الاعتماد الاقتصادي المتبادل في مختلف أنحاء العالم أن يدركوا كيف ناضل نظراؤهم قبل أكثر من قرن من أجل تحويل حقبة العولمة القومية الاقتصادية التي عاصروها إلى عالم من التجارة الحرة أكثر سلاما وإنصافا. وما حققوه من نجاحات على المدى البعيد إنما يشكل دليلا على قدرة التعاون الدولي على التصدي للصراعات ذات الدوافع القومية.