كانت بغداد القرن التاسع الميلادي، حاضرة الخلافة العباسية، مصممة على شكل دائرة كاملة تكريما لعالم الهندسة اليوناني إقليدس. وقد أخذت تلك الإمبراطورية، التي أثرتها التجارة في السلع والأفكار، على عاتقها رعاية حركة ترجمة طموحة لجمع المعارف المتراكمة لدى الثقافات الكثيرة التي تفاعلت معها.
وهذه العقلية المنفتحة هي أحد مفاتيح نجاح سبع حضارات عظمى على مدى ألفي وخمسمائة عام. ولا يمكن أن تكون الدروس العملية المستفادة من هذه الثقافات أكثر أهمية مما هي عليه اليوم حيث تختار البلدان مرة أخرى عزل نفسها - فعليا واقتصاديا ورقميا، وأيضا عن الأفكار الجديدة.
والقادة يَعِدُون بتحقيق الأمان والعظمة والعودة إلى عصر ذهبي مُتخيَّل عن طريق توفير الحماية وفرض السيطرة. وهذه قصة مألوفة ومغرية حينما تسود حالة من عدم اليقين بشأن المستقبل. غير أن التاريخ يروي قصة مختلفة.
إن أكثر المجتمعات أمنا ورخاءً لم تكن تتوارى عن أنظار العالم. فقد كان لديها من الثقة ما يكفي لتظل منفتحة على التجارة والأفكار، مفسحة بذلك المجال للجديد ليتحدى المعروف. ويظهر التقدم حينما يجرب الناس الأفكار ويقتبسونها ويجمعون بينها بطرائق لم يكن لأي مُخطِّط التنبؤ بها على الإطلاق، أما التراجع فيحدث حينما يكون للخوف الغلبة على الفضول.
وهذه من بين الدروس الأساسية المستفادة من العصور الذهبية الحقيقية في التاريخ التي أستكشفها في كتابي الجديد، ذروة الإنسان: ما يمكننا تعلمه من صعود العصور الذهبية وانهيارها (Peak Human: What We Can Learn from the Rise and Fall of Golden Ages).
أسرار الحضارات السبع
على الرغم مما بينها من اختلافات كبيرة، لدى الثقافات موضوع الدراسة - من أثينا القديمة إلى البلدان الحديثة الناطقة بالإنجليزية - بعض القواسم المشتركة المذهلة. فقد عملت جميعها على رعاية فترات اتسمت بكثافة الابتكار، والتفوق في الإبداع الثقافي، والاكتشافات العلمية، والتقدم التكنولوجي، والنمو الاقتصادي.
ولكنها بالتأكيد لم تكن عصورا ذهبية للجميع. فقد مارست جميعها العبودية، وحرمت النساء من معظم حقوقهن حتى وقت قريب. ولاحظت ماري بيرد، الباحثة في تاريخ العصور الكلاسيكية، أنه حينما يعرب قراؤها عن حسدهم بشأن الحياة في روما القديمة، يبدو دوما أنهم يعتقدون أنهم كانوا ليصبحوا أعضاءً في مجلس الشيوخ فيها - وهم نخبة ضئيلة لا تتجاوز بضع مئات من الرجال - وليسوا من بين ملايين العبيد.
إلا أن الفقر والقهر كانا القاعدة في تاريخ البشرية. وما جعل هذه الثقافات السبع متفردة هو أنها منحت على الرغم من ذلك مزيدا من الحرية وحققت مزيدا من التقدم ومستويات معيشة أفضل لعدد أكبر من أفراد شعوبها، أكثر مما فعلت حضارات أخرى في عصرها.
ماذا كانت أسرارها؟ لم تكن الجغرافيا، ولا الانتماء العرقي، ولا الدين. فقد انبثقت الثقافات المبدعة والمنفتحة في أكثر الأماكن غير المتوقعة، أحيانا حيث التضاريس الوعرة والتربة الفقيرة والافتقار إلى الموارد الطبيعية. فإحدى المناطق التي بدت هامشية في عصر ما قد تصبح لها القادة في عصر آخر.
عقلية منفتحة
لقد اتخذت الحضارات العظيمة أشكالا مختلفة، من الوثنية أو الإسلام أو الكونفوشيوسية أو المسيحية أو العلمانية. ولم يكن محتوى عقائدها هو الأمر المهم، وإنما أنها لم تبلغ درجة العقيدة الصارمة.
والعظمة تظهر حينما تؤدي المحاكاة إلى الابتكار. وهذه الحضارات لم تخترع كل أوجه التقدم التي جعلتها ناجحة، وإنما اقتبستها من الآخرين، أو سرقتها منهم. فقد تعلمت أثينا من ثقافات بلاد ما بين النهرين والمصريين والفينيقيين المجاورة، ومن ألف دويلة يونانية أخرى. وقد عمِد العباسيون إلى بناء حاضرة خلافتهم، بغداد، فيما وصف بأنه "مفترق طرق العالم" حتى يتسنى لهم الحصول على سلع الآخرين ومهاراتهم واكتشافاتهم.
بالإضافة إلى هذا، أدى الانفتاح على التجارة الدولية إلى تعريف هذه الثقافات بعادات جديدة وهدم فكرة أنه لا توجد سوى طريقة واحدة صحيحة، سواءً في الدين، أو السياسة، أو الفن، أو الإنتاج. وانطلقت القوى البحرية، على وجه الخصوص، في رحلات أبعد ورأت المزيد.
وقد تعرَّف التجار الإيطاليون في عصر النهضة على الأرقام والنصوص العربية في رحلاتهم التجارية. واكتشف التجار البريطانيون المتجهون إلى الشرق الخزف والمنسوجات التي أضحت مصدر إلهام للإنتاج المحلي.
أما الرومان فقد استوعبوا الأساليب وطبائع الشعوب المختلفة من خلال نوع من القبول الاستراتيجي للاختلافات الثقافية الذي رافق فتوحاتهم الوحشية، حيث اكتسبوا باستمرار تقنيات أفضل واكتشفوا مواهب جديدة تفيد قواتهم وحتى مجلس الشيوخ. وعلى غرار الولايات المتحدة اليوم، اجتذبت الجمهورية الهولندية تدفقا مستمرا من الطاقات والمواهب الجديدة بفتح أبوابها أمام المهاجرين إليها من ثقافات أخرى، من الحرفيين الذين طوروا صناعة المنسوجات إلى المنشقين الذين أطلقوا عصر التنوير.

ابتكار متمرد
لا يمكن للتقليد أن يدفع المرء إلى ما هو أبعد من هذا. ولجعل التقدم يستمر بالدفع الذاتي، تعين الجمع بين التأثيرات الواردة من الخارج والأفكار والممارسات المحلية بطرق أنتجت ابتكارات تحويلية - من محاصيل أفضل وأدوات من الحديد إلى فنون وأدوات مالية رائدة.
ولجلب شيء جديد إلى العالم، يجب إعطاء الفرصة للناس لتجربة النظريات والطرق والتقنيات وتبادلها، حتى حينما لا تجعل النخبة أو الأغلبية تشعر بالارتياح. ويرى جويل موكير، المؤرخ الاقتصادي الحائز على جائزة نوبل، أن كل ابتكار كبير هو "نوع من التمرد على الحكمة التقليدية والمصالح الشخصية."
وفي مرحلة معينة، أصبح التقدم معزِّزا لذاته، حيث أعاد صياغة الطريقة التي رأت بها هذه الثقافات أنفسها. وحينما أدت التأثيرات وأشكال الامتزاج الجديدة إلى تحسين مستويات المعيشة وانتشرت على نحو أكثر اتساعا، أحيانا ما أوجدت ثقافة إبداع مستمر ذاتي التجدد - أي ثقافة التفاؤل. وقد ثبت أن ذلك الأمر كان حاسما.
ولكن ما دامت الحكمة التقليدية والمصالح الشخصية لديها سلطة النقض، فلن يحدث الكثير.
وفي هذه الثقافات المبدعة، نادرا ما لجأت إلى استخدام هذا الحق. فقد كان لأثينا ديمقراطيتها المباشرة، حيث كان لكل رجل حر حق إبداء رأيه والتصويت في مجلس الشيوخ. أما الدويلات الإيطالية والجمهورية الهولندية فكانت خاضعة لحكم طبقة الأثرياء، ولكن السلطة كانت متفرقة، وكانت هناك آليات لضبط الحكم التعسفي. وظل وجود شكل من أشكال تقسيم السلطات دائما أمرا بالغ الأهمية لحماية الحرية والابتكار، على نحو ما تعلمه مؤسسو الولايات المتحدة عن طريق دراسة تاريخ القدماء.
وقد تمتع حكام الإمبراطورية الرومانية، والخلافة العباسية، وأسرة سونغ في الصين بسلطة على الحياة والموت. إلا أن حتى هؤلاء الحكام كانوا مقيدين بنظم قانونية وحقوق فردية كان يُتوقع منهم احترامها - على الرغم من أن تذكير الإمبراطور بها كان محفوفا بالمخاطر، ويجب فعله وهو في حالة مزاجية جيدة للغاية.
مناخ مواتٍ
الابتكار أمر صعب، وتحقيق النجاح غير مضمون على الإطلاق. ومن ثم، يعتمد إحراز تقدم على وجود مناخ ثقافي مفعم بالأمل، أي اعتقاد أن تجربة أمر جديد قد تستحق المحاولة، وأنها قد تكلل بالنجاح، وأن المرء قد يُكافأ بسخاء في حالة نجاحه - وهو ما صدق إبَّان عصر النهضة، والثورة الصناعية، واليوم أيضا.
وبالإضافة إلى الرعاة وبراءات الاختراع، يحتاج المرء قدوة يحتذي بها، أي أشخاص يوضحون أنه يمكن تحقيق المستحيل، وأيضا من أجل الإلهام والتعليم والتحدي. ولهذا السبب عادة ما يتجمع الإبداع، من فلاسفة أثينا وفناني إيطاليا في عصر النهضة إلى رواد التكنولوجيا في وادي السيليكون.
وفي فلورنسا في عصر النهضة، سخِر مايكل أنجلو من ليوناردو دافنشي واصفا إياه بأنه شخص مُسَوِّف لم يكمل معظم أعماله قط. ومن جانبه، كان ليوناردو دافنشي يرى أن شخصيات مايكل أنجلو مفتولة العضلات بشكل مفرط أشبه بأجولة الجوز منها بالبشر الحقيقيين. وكان لكل منهما وجهة نظر - ودفعتهما المنافسة إلى إبداع أعمال أكثر إثارة للإعجاب.
أما التشاؤم - وهو الإحساس بأنه ما من شيء يوحي بالأمل وأن الجهد لا طائل من ورائه - فيتحقق بذاته. وهذا هو المفتاح لفهم سبب فقد العصور الذهبية بريقها وتراجعها في نهاية المطاف.