وفي الواقع العملي، نجد أن النظام التجاري متعدد الأطراف الذي نشأ أثناء الحرب الباردة لم يضطر قط إلى التعامل مع مسائل عويصة تدور حول ضوابط التصدير، والعداوات المسلحة، والعقوبات الاقتصادية ذات الصلة. وكانت هذه القضايا قد انتهت مع انضمام بلدان مثل الصين (2001) وروسيا (2012) إلى عضوية منظمة التجارة العالمية - حتى وقتنا الحالي.
إذن، كيف يمكن لمنظمة التجارة العالمية القيام بدور أكثر فعالية؟
فالحكومات، خارج نطاق الأمن القومي، تفرض غالبا قيودا جديدة على الصادرات عندما لا تتوفر لديها المعلومات الكافية وتخشى نقص الإمدادات في الأسواق. وهنا يتعين على منظمة التجارة العالمية تشجيع عمليات الرقابة على الأسواق واتخاذ المبادرات المتعلقة بالشفافية، مثل "نظام المعلومات المتعلقة بالأسواق الزراعية"، كلما أمكن للحد من فرض مثل هذه القيود.
غير أن المسألة تتسم بصعوبة أكبر عندما تتعلق بالإجراءات على مستوى السياسات التي تحفزها المخاوف المتعلقة بالأمن. فالأحكام القانونية الصادرة نتيجة اعتراض بلدان على مثل هذه الإجراءات في إطار تسوية المنازعات الرسمية داخل منظمة التجارة العالمية لم تحقق نتيجة تذكر وبدلا من ذلك زادت من الضغوط الواقعة على كاهل النظام التجاري متعدد الأطراف المثقل بالفعل بالضغوط. وكبديل للجوء إلى التقاضي، اقترحت الولايات المتحدة، في بيان لها مؤخرا أمام منظمة التجارة العالمية، أن يقوم الشركاء التجاريون المتضررون بإقامة ما يعرف باسم الدعاوى "غير المختصة بانتهاك القواعد".
وتتمثل الفكرة هنا في أنه بعد لجوء بلد ما للدفاع عن سياسته بحجة اعتبارات الأمن القومي، يمكن أن تنتقل المنازعة مباشرة إلى التحكيم، مع تقديم التنازلات بغية "إعادة توازن" التجارة الخارجية. وتكون النتيجة اتباع مبدأ المعاملة بالمثل في إطار منظمة التجارة العالمية - فإذا قرر بلد ما فرض القيود على صادراته فإن النتيجة المتوقعة ستكون باتباع البلدان الشريكة في التجارة المنهج نفسه. ومثل هذا التصرف الثأري سيحقق الفائدة المنشودة المتمثلة في منع تفاقم الأمور.
وسوف تخلق هذه التكلفة حوافز إضافية تضعف الرغبة في المغالاة في استخدام القيود على الصادرات لأغراض الأمن القومي في المقام الأول. ولا سيما إذا تم الانتقال إلى التحكيم بسرعة - على عكس الانتظار لعدة سنوات حتى تتحقق نتائج عملية التقاضي العادية في منظمة التجارة العالمية.
مواطن ضعف جديدة
من الملاحظ أن العقوبات الاقتصادية وقيود التصدير المختلفة التي نشأت في سياق الغزو الروسي لأوكرانيا لها انعكاسات خطيرة على الاقتصادات النامية "غير المنحازة". فكيف يمكن لمنظمة التجارة العالمية مساعدة البلدان ذات القدرات المحدودة على خوض غمار هذه البيئة الاقتصادية الجديدة؟ من حيث المبدأ، نجد أن بلدانا كثيرة ترغب على الأرجح في البقاء على الحياد. ولكن في الواقع العملي، يتعين اتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنع البلدان من ارتكاب أخطاء عن غير قصد فتتعرض للجزاءات في هيئة عقوبات اقتصادية ثانوية. وهناك ثلاث حالات مختلفة تفسر مدى تعقيد هذه المسألة.
أولا، لننظر في منتجات الغذاء والأسمدة، وهي المنتجات التي تعد روسيا من أكبر مورديها في العالم. فمن شأن استبعاد القمح الروسي، على سبيل المثال، من الأسواق العالمية أن يضر بالأمن الغذائي العالمي. ومن البداية، كانت البلدان القائمة على فرض العقوبات تحاول أن توضح مشروعية تداول تلك المنتجات. وسوف تنطوي العقوبات الاقتصادية على إعفاءات بالنسبة لهذه المنتجات وغيرها من السلع الإنسانية.
ثانيا، التجارة في النفط الخام والمنتجات البترولية تتسم بقدر أكبر من التعقيد. فمن شأن سحب إمدادات الطاقة الروسية من الأسواق العالمية أن يرفع الأسعار ويفرض الضغوط على الاقتصاد العالمي، لذلك وضعت اقتصادات مجموعة السبعة خطة تشجع البلدان على شراء تلك المنتجات الروسية شريطة عدم تجاوز المعاملات سقفا معينا للأسعار. ولكن اتباع هذه العملية له طبيعة مخادعة. ويتعين على البلدان المحتمل قيامها بالشراء مواكبة ما يستجد من معلومات. فمستوى سقف الأسعار قد يتغير. ولكن الفرق بين البلدان القادرة على التعامل بذلك السعر - وهو أقل كثيرا من سعر الحصول على منتجات الطاقة من مصادر أخرى - قد يكون ضخما اقتصاديا، ومن ثم سيكون مجديا، من منظور التنمية الاقتصادية فيها.
ثالثا، هناك سلع أخرى ثنائية الاستخدام تخضع التجارة فيها لقيود صارمة. ولنأخذ على سبيل المثال مدخلات الإنتاج عالية التقنية، مثل أشباه الموصلات، وهي غالبا صغيرة جدا ومدمجة في أشياء أخرى ويمكن استخدامها لأغراض ("ثنائية الاستخدام") مدنية وعسكرية على السواء. فعندما تقوم الولايات المتحدة بإرسال منتجات خاضعة لقيود التصدير إلى بلد ثالث، يحظر على هذا البلد غالبا بموجب القانون الأمريكي إعادة تصدير تلك السلعة إلى بلدان أخرى - مثل روسيا أو إلى مستخدم نهائي معين في روسيا، مثل موردي المعدات العسكرية.
غير أن الشركات في البلدان الثالثة تواجه حوافز اقتصادية قوية للدخول في عمليات مراجحة وتيسير هذا التبادل التجاري في نهاية الأمر. ولكن إذا لم تكن حكومتها طرفا في التحالف الذي يفرض العقوبات الاقتصادية، فإنها قد لا تستوعب العواقب الكاملة لمشاركتها في تلك المعاملات.
ويرجح أن تكون تلك البلدان بحاجة للمساعدة في تفهم حقوقها وما تواجهه من مفاضلات على أساس اختياراتها. فقد ترغب حكوماتها، على سبيل المثال، في القيام بإجراءات فحص داخلية لمنع شركاتها من إعادة تصدير مثل تلك المنتجات. ومن جهة أخرى، في غياب المشورة القانونية، فإن هذه البلدان قد تغالي في الامتثال للعقوبات. فمن شأن عدم المتاجرة حيثما تكون مشروعة أن يكون مكلفا أيضا.
رعاية مصالح البلدان الأكثر ضعفا
بإمكان نظام منظمة التجارة العالمية تقديم العون بالاستعانة بما لديه من خبرات.
أولا، لا تزال منظمة التجارة العالمية تقدم الدعم للتجارة في الاقتصادات النامية عن طريق خفض الحواجز البيروقراطية من خلال "اتفاق تيسير التجارة". وبإمكانها العمل مع المسؤولين الحدوديين على نحو مقارن لمساعدة بلدانها الأعضاء على الامتثال للعقوبات الاقتصادية المفروضة. لأن الامتثال للعقوبات في نهاية المطاف - وإن كان يعني وقف بعض أشكال التجارة من خلال خلق حاجز تنظيمي - يعني المحافظة على استمرار تدفق بقية أشكال التجارة الخارجية في البلد المعني، حيث إنه لن يتعرض لأي جزاءات من خلال العقوبات الثانوية.
ثانيا، مسألة الحيادية، حيث يستعان بالدروس المستخلصة من تجارب المنظمة الشقيقة لمنظمة التجارة العالمية، ألا وهي المركز الاستشاري المعني بقانون منظمة التجارة العالمية (ACWL). فمن خلال تقديم المساعدة القانونية المدعومة بدرجة كبيرة إلى البلدان الفقيرة، قام المركز الاستشاري بدعم جهود البلدان لاتباع قواعد منظمة التجارة العالمية كما قام بتمثيلها في عشرات الدعاوى لتسوية المنازعات على مدار أكثر من 20 سنة.
كذلك، أرسى المركز قواعد للحوكمة بغية التصدي للمخاوف المحتملة بشأن تضارب المصالح. فالمركز الاستشاري المعني بقانون منظمة التجارة العالمية يقوم على نظام يسمح له بدعم اقتصاد نام بصفته مدعيا في قضية ما ثم يقدم الدعم إلى اقتصاد نام آخر في قضية مختلفة يكون فيها الاقتصاد الأول مدعى عليه. ومن ثم توصل المركز إلى طريقة تسمح له بتقديم المشورة القانونية السليمة وأن ينأى بنفسه عن الدخول في السياسة، بل في بعض الأحيان أن يقدم الدعم للمتقاضين من ذوي المراكز السياسة التي لا تحظى بالشعبية (على غرار ما يجري في السياق المحلي، عندما يقوم المحامون العموميون بتمثيل عملاء متهمين بارتكاب أفعال شنيعة).
ولا شك أن تقديم المساعدة القانونية المدعومة في حالات الامتثال للعقوبات الاقتصادية أو ضوابط التصدير سيكون متسما بالحساسية السياسية. ولكن في حالة البلدان ذات القدرات المحدودة والموارد القليلة، فإن تجاهل المشكلة قد تترتب عليه عواقب اقتصادية حادة. ففي ظل العالم الجغرافي-السياسي الجديد ومع ازدياد العقوبات الاقتصادية وضوابط التصدير فإن المناخ التجاري سيصبح حتما أعلى تكلفة وأكثر التزاما بالقوانين. وحتى تتمكن اقتصادات الأسواق الصاعدة من مواصلة النشاط التجاري لدعم برامجها للتنمية الاقتصادية فإنها ستكون بحاجة إلى قدر أكبر من المشورة القانونية.
سياقات أخرى
وبينما يتسم السياق الروسي بالتعقيد، فإنه ليس إلا سياقا واحدا من المشكلة. وبعيدا عن أعمال الحرب، فإن الأمر يزداد تعقيدا لدى الانتقال مثلا إلى موضوع ضوابط التصدير التي تحفزها محاولات منع الصراعات المستقبلية. لننظر مثلا إلى القضايا المماثلة المتعلقة بقيود التصدير التي تؤثر على المبيعات إلى الصين.
فهذه هي المخاوف التي يواجهها الآن جانب كبير من العالم والجانب الأكبر من البلدان الأعضاء في منظمة التجارة العالمية. فالمنظمة لا يسعها التدخل فيما تقوم البلدان بتنفيذه من سياسات باسم المحافظة على أمنها القومي. غير أنها تستطيع أن تفعل ما هو أكثر من ذلك لمساعدة الأطراف البريئة غير المشاركة في الأحداث لتظل أطرافا بريئة غير مشاركة في الأحداث والحفاظ على المكاسب المتحققة من العولمة وزيادتها.