وفي القناة الثانية، عادة ما يكمل رأس المال، ولا سيما الآلات والمعدات، مهارات العمالة الماهرة ويحل محل العمالة غير الماهرة - على سبيل المثال، تتطلب الأدوات الآلية مزيدا من المبرمجين، إلا أنها تحل محل العمال الآخرين في المصانع. وتتوسع دراسة (2018) Berg, Buffie, and Zanna في هذا المنهج لتنظر إلى الذكاء الاصطناعي والروبوتات بوصفهما نوعا جديدا من رأس المال - بالإضافة إلى الآلات والهياكل التقليدية - الذي يحل محل بعض فئات العمالة ويكمل مهارات فئات أخرى. وعلى مدار السنوات الثلاثين الماضية، يبدو أن إمكانية الإحلال بين أنواع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات - بديل التكنولوجيات الجديدة، بما فيها أجهزة الكمبيوتر وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي المبكرة - والعمالة غير الماهرة قد زادت (راجع الرسم البياني 2). بمعنى آخر، من الواضح أن رأس المال المتمثل في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات قادر اليوم على نحو أكبر على أداء مهام العمالة غير الماهرة.

إن زيادة إمكانية إحلال الآلات والذكاء الاصطناعي محل العمالة تزيد عدم المساواة في الأجور ونسبة الدخل الإجمالي التي تذهب إلى أصحاب رؤوس الأموال - وهو ما يثير السؤال بشأن الطريقة التي ينبغي أن توزَّع بها فوائد تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي، أو بصيغة مختلفة، من يملك الذكاء الاصطناعي. على المدى الطويل، قد يصبح المجتمع أفضل حالا بفضل زيادة الإنتاجية الكلية التي ستترتب على هذا الأمر، بيد أنه سيوجد الكثير من الخاسرين الذين يتركزون بين الفئات الأقل حظا بالفعل. وفي غضون عملية تحول يمكن أن تستغرق عقودا، قد يشهد الكثيرون انخفاض الأجور الحقيقية.
وتشير دراسة (2020) Acemoglu and Restrepo إلى أن التكنولوجيا قد حلت بشكل متزايد محل العمالة في المهام الروتينية، حتى وإن عززت الإبداع في أدوار العمالة الأخرى. ويؤثر السباق بين هذه المهام الإبداعية الجديدة والتشغيل الآلي للمهام الروتينية على الطلب على أنواع مختلفة من العمالة، ويحدد الأجور والإنتاجية الإجمالية في نهاية المطاف. وتوضح الدراسة أيضا أن تعرض فئات مختلفة من العمالة للتحول إلى التشغيل الآلي يوضح معظم التغيرات في الأجور النسبية - دون وجود دور كبير للتغير التكنولوجي على أساس المهارات أو للتجارة الخارجية واستبدال العمالة المتعلق بالتعاقد من الباطن.
ويمتد بُعد رابع للتغير التكنولوجي إلى ما هو أبعد من سوق العمل ليصل إلى القوة التي تتمتع بها الشركات في الأسواق. فشركات مثل ألفابت ومايكروسوفت تهيمن بوضوح على تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي الرائدة. ويُعد تطوير هذه التكنولوجيات مكلفا، ويعتمد اعتمادا كبيرا على البيانات الكبيرة التي لا يمكن سوى لعدد قليل من الشركات الحصول عليها. وهو يعني أيضا أن هذه الشركات القليلة، بوصفها أصحاب رأس مال الذكاء الاصطناعي، ستحصل على نصيب أوفر من المكاسب. ولأنها تؤجر تكنولوجياتها لشركات تعمل في صناعات أخرى، ستواصل حصة العمالة انخفاضها، في حين سيزداد الدخل المتحقق من تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي.
غير أن انعكاسات القوة السوقية للشركات لا تقتصر على امتلاك الذكاء الاصطناعي. فحتى الآن، ناقشنا التغير التكنولوجي بوصفه عملية تحدث بصورة طبيعية. ولكن في الواقع، تعمل الشركات على الابتكار، وتحدد ابتكاراتها كلا من سرعة نمو التكنولوجيات الجديدة التي تظهر وأنواعها. وبمجرد أن تصبح الشركات كبيرة بما يكفي، يكون بإمكانها شراء المنافسين المحتملين والقضاء عليهم - مما قد يؤدي إلى خنق المنافسة، وتقييد الابتكار، وتفاقم عدم المساواة.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الشركات الكبرى التي لديها القدرة على الحصول على تكنولوجيات الذكاء الاصطناعي الرائدة ربما تتمكن من التأثير على الإطار التنظيمي لجعله متسقا مع مصالحها، وتوجيه الابتكار نحو أهدافها وليس لتحقيق الرفاهية الاجتماعية. على سبيل المثال، تذكر دراسة (2022) Acemoglu and Restrepo أن التشغيل الآلي الذي لوحظ في العقود الأخيرة ربما كان من النوع الذي يحل محل العمالة دونما إنتاج الكثير في طريق تحقيق نمو الإنتاجية الكلية. وهما يوضحان أن الآلات يمكن أن تزيح العمالة دون أن تكون أفضل كثيرا في أداء المهام ذات الصلة. بالإضافة إلى ذلك، قد تكون زيادة عدم المساواة وانخفاض نصيب العمالة من الدخل سمتين دائمتين، ويمكن أن تصبح أي عملية تحول بالغة الصعوبة. ويمكن أن يكون المدى القصير هو مدى الحياة لبعض العمالة (راجع دراسة Berg, Buffie, and Zanna 2018).
لقد عكست الثورة الصناعية الأولى كلا من وجهتي النظر المتفائلة على المدى الطويل والمثيرة للقلق على المدى القصير. فقليل هم من يرغبون في التخلي عن الفوائد التي تحققت من الثورات الصناعية السابقة - من المراحيض الداخلية إلى الهواتف المحمولة - بيد أن عملية الانتقال كانت مؤلمة اقتصاديا وسياسيا على حد سواء. ويقول كارل بينيديكت فراي في كتابه فخ التكنولوجيا The Technology Trap إنه فيما يتعلق بفئات معينة "معرضة للخطر"، تُعد ثلاثة أجيال كاملة أسوأ حالا نتيجة لهذا. ويذكر جوزيف ستيغليتز في عدد 6 ديسمبر 2011 من مجلة فانيتي فير Vanity Fair أن عملية التحول المدفوعة بالتكنولوجيا من الزراعة إلى التصنيع في عشرينات القرن الماضي مهدت الطريق للكساد الكبير. ومؤخرا، يمكن القول إن انعكاسات التغير التكنولوجي على التوزيع تُعد عنصرا مهما في ظهور النزعة الشعبوية والمشاعر المناهضة للعولمة.
إن الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة في اتجاهات غير متوقعة - ربما تجعل من المستحيل عليه أن يستخلص أي دروس من الماضي. فظهور النسخة الرابعة من نموذج الذكاء الاصطناعي ChatGPT - وهو نموذج ذكاء اصطناعي يسعى إلى توليد لغة شبيهة بلغة الإنسان - في أوائل عام 2023 يمثل التسارع الكبير في وتيرة التغير، مما يلقي الضوء على قدرة الذكاء الاصطناعي على الامتداد إلى ما هو أبعد من المهام الروتينية. وتوقع الخبراء في مجال الذكاء الاصطناعي الذين شملهم مسح أجرته مؤسسة ماكنزي في عام 2019 أن تتمكن أجهزة الكمبيوتر من الكتابة بمستوى يضاهي مستوى أعلى 25% من البشر بحلول عام 2050، وأداء مهام إبداعية بمستوى البشر نفسه بحلول عام 2055. إلا أنهم عدّلوا تقديراتهم بعد مراجعتها إلى عامي 2024 و2028 على الترتيب.
ومن السهل التعرف على سبب تغيير التوقعات بهذا الشكل الحاد. فالمحولات التوليدية المدربة مسبقا (GPT) يبدو أن لديها القدرة على إحداث تأثير واسع النطاق في سوق العمل - يوضح أحد التقديرات أنه بمجرد تطبيق هذه التكنولوجيا في بيئة العمل، يمكن أن يرى نحو 20% من العمالة أن نصف مهامهم على الأقل قد تأثر. ويبدو أن هذه التكنولوجيا تزيد الإنتاجية في المهام الأكثر إبداعا، مثل الكتابة والتحليل القانوني والبرمجة. وتقارن هذه الدراسات بين إنتاجية مجموعات تستخدم المحولات التوليدية المدربة مسبقا (GPT) من ناحية ومجموعة ضابطة في مهمة محددة من ناحية أخرى، وتكتشف قفزات كبيرة في الإنتاجية عند استخدام هذه التكنولوجيا. ومع ذلك، فما لا يقل أهمية عن هذا هو ملاحظة أن المشاركين الأقل مهارة يحققون أكبر استفادة، وأن الناتج المعزز بهذه التكنولوجيا يكون أكثر إبداعا على الأقل في بعض الحالات. بالإضافة إلى هذا، توجد دلائل على أن النسخة الرابعة من نموذج الذكاء الاصطناعي ChatGPT وحدها قد تتجاوز مستوى الإنتاج البشري. وتتناقض هذه النتائج مع التأكيد السابق على التشغيل الآلي للمهام الروتينية والاستعاضة عن العمالة غير الماهرة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات. ويبدو أن هذه التحولات في تأثير أنواع التكنولوجيا الجديدة على العمالة الماهرة والعمالة منخفضة المهارة تمثل فرقا رئيسيا بين تكنولوجيا المحولات التوليدية المدربة مسبقا (GPT) والموجات السابقة من التكنولوجيا، مثل التحول الرقمي.
وتشير كل هذه الأمور إلى وجود انعكاسات كبيرة على كل من النمو وعدم المساواة، إلا أنها تشير أيضا إلى أن الماضي لا يصلح توطئة لما سيأتي بعد. فهل سينعكس مسار بعض أوجه عدم المساواة في الأجور مع تحقيق العمالة الأقل مهارة المزيد من الفوائد؟ أم هل ستكتسب الشركات الكبرى - التي لديها أكبر قدرة على الحصول على البيانات وأجهزة الكمبيوتر وأفضل المواهب - مزيدا من القوة الاقتصادية والسياسية؟ والتوقع الذي لا يزال افتراضيا حتى الآن بوجود ذكاء عام اصطناعي يزيد من حالة عدم اليقين. ويُفترض أن هذا النوع من الذكاء سيكون قادرا على محاكاة أي جهد فكري بشري. وسيتوقف ما سيؤول إليه كل هذا بشكل واضح على تطور التكنولوجيا والسياسات والاستجابة المجتمعية الأوسع نطاقا. وتوجد سيناريوهات متفائلة وأخرى متشائمة بشأن الذكاء الاصطناعي، إلا أنه في ظل أي منهما، تبدو الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تنبؤا آمنا. ويجب على صناع السياسات أن يبذلوا قصارى جهدهم لفهم انعكاسات التغيرات السريعة الجارية على التوزيع.