دور الحكم الشخصي
ما السبب في أن الذكاء الاصطناعي يساعد العمالة الأقل مهارة بدرجة غير متناسبة في إحدى الدراسات والعمالة الأعلى مهارة في دراسة أخرى؟ وما الفرق بين موظفي مراكز الاتصال والعلماء؟ نعتقد أن الأمر مرجعه للحكم، وهو أحد المكونات الرئيسية في صنع القرار، والتنبؤ. فدور كل منهما جوهري في نظرية القرار، وهي فرع من فروع نظرية الاحتمالات التطبيقية التي تضع احتمالات لمختلف النتائج (التنبؤ) وتحدد قيما لتبعاتها (الحكم الشخصي).
ويعزو تونر-رودجرز هذا التباين للفروق في الحكم الشخصي عند تقييمه للتنبؤات التي يولدها الذكاء الاصطناعي. وقد كتب في هذا الصدد أن "التحسينات في تنبؤ الآلة تجعل الحكم البشري وعملية صنع القرار أكبر قيمة". فالعلماء الأعلى مهارة يستعينون بحكمهم الشخصي المتفوق لتحديد اقتراحات الذكاء الاصطناعي الواعدة، أما سواهم فيهدرون الموارد الكبيرة في التحقق من دلالات زائفة.
وكانت المخاطر في هذا السياق عالية لأن الأخطاء أدت إلى إجراء فحوص مخبرية مكلفة. وقد أدى هذا الأمر إلى تركز المكافآت بين العلماء ذوي المهارة العالية وتعظيم التفاوت في توزيع الدخل.
وفي دراسة برينولفسن لموظفي مراكز الاتصال، على سبيل المقارنة، كان الفارق الرئيسي بين العمالة عالية المهارة وقليلة المهارة هي القدرة على التنبؤ باستجابة العميل المثلى. وكان أداء الذكاء الاصطناعي بنفس جودة الموظفين ذوي المهارة العالية في مثل هذا التنبؤ. وكان الحكم الشخصي الذي انطوى عليه تقدير التكلفة النسبية لأنواع الأخطاء المختلفة أقل أهمية لأن هذا النوع من الحكم الشخصي كان محدودا والمخاطر أقل.
ومع التقدم في تنبؤات الذكاء الاصطناعي، سوف تتزايد قدرة توزيع الحكم الشخصي على تحديد توزيع الثروة والسلطة. وحيثما يكون الفرق بين العمالة عالية المهارة وقليلة المهارة مستندا إلى الجزء من الوظيفة المتعلق بالتنبؤ، فإن الذكاء الاصطناعي سيعود بنفع أكبر كثيرا على العمالة الأقل مهارة لأن تنبؤ الذكاء الاصطناعي سيكون بديلا للتنبؤ البشري. وسوف يترتب على ذلك خفض فروق الإنتاجية ومن ثم التفاوت في توزيع الدخل بين العمالة في هذه الصناعة، ويؤدي بمرور الوقت إلى رفع الأجور في القطاعات منخفضة الأجر، حتى إذا كانت المهارات أقل. فقد ترتفع أجور موظفي المكاتب الخلفية ومراكز الاتصال، على سبيل المثال، في الهند مقارنة بالولايات المتحدة.
ولكن حيثما يحدد الحكم الشخصي الفرق بين العمالة عالية المهارة وقليلة المهارة، فإن الذكاء الاصطناعي سيعود بنفع أكبر كثيرا على العمالة الأعلى مهارة. وسيؤدي ذلك إلى توسيع فجوة الفروق في الإنتاجية والتفاوت في توزيع الدخل بين العمالة في تلك الصناعات. وقد تتحول العمالة إلى القطاعات الأعلى أجرا التي كانت أقل جاذبية سابقا لأن العائد على العمالة الأعلى مهارة ليس كافيا لتبرير النفقات. ومن الممكن أن ينتقل المزيد من الأعمال الابتكارية إلى الولايات المتحدة لأن نسبة كبيرة من الطلاب النابهين يدرسون في الجامعات الأمريكية، كما أن العلماء الذين يتخذون الولايات المتحدة مقرا لهم يحتلون الصدارة في تحقيق الانفراجات العلمية، وحصد الجوائز، ونشر المطبوعات، والحصول على براءات الاختراع.
وبينما يمضي الذكاء الاصطناعي حاليا بخطى حثيثة، فإن أمورا مثل ممارسات الإدارة، والبنية التحتية، والتعليم، والقواعد التنظيمية، وطلب المستهلكين تتغير ببطء؛ مما سيحد على الأرجح من التأثير قصير الأجل لاكتشاف تلك الجزيرة التي يقطنها العباقرة. غير أن التأثير على الاقتصاد العالمي على المدى الأطول سيكون هائلا. وسيتوقف الاستقرار الاقتصادي على كيفية معالجتنا لهذا التحول.
الثروة والسلطة
التوزيع الجغرافي للمهام مرتفعة المخاطر وكثيفة الاعتماد على الحكم الشخصي سيغير نمط توزيع الدخل والسلطة. ومن المرجح أن تحقق المناطق التي لديها عدد أكبر من العمالة الماهرة، ومؤسسات بحثية أقوى، وبنية تحتية تكنولوجية متقدمة نسبة أكبر غير تناسبية من المنافع الاقتصادية.
وفي الصناعات التي تزداد فيها قيمة الحكم الشخصي - مثل البحث العلمي، والتشخيص الطبي، والتخطيط الاستراتيجي - سوف يعظم الذكاء الاصطناعي إنتاجية الخبراء. وسوف يزيد إمكانات الكسب لهذه النوعية من العمالة ويعزز هيمنة مراكز الابتكار. ولكن في صناعات مثل خدمة العملاء، حيث تميز القدرة التنبؤية بين العمالة، فإنها قد تشهد تحولا في الوظائف نحو المناطق ذات الأجور الأقل، مما سيحد من التفاوت في توزيع الدخل.
وإذا تجاوز تأثير الذكاء الاصطناعي على المهام عالية القيمة وكثيفة الاعتماد على الحكم الشخصي التأثير على المهام منخفضة المخاطر وكثيفة الاعتماد على التنبؤ، فسوف تتعمق أبعاد عدم المساواة الاقتصادية في العالم. وقد تكون النتيجة زيادة تركز الثروة والنفوذ في عدد قليل من المدن أو البلدان المختارة التي تجتذب أعلى المواهب.
وقد تشهد المناطق عالية الدخل التي تتمتع بمنظومة ذكاء اصطناعي قوية، بما في ذلك بعض أنحاء الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا، زيادة في العائد على رأس المال البشري الذي يتمتع بمهارات الحكم الشخصي اللازمة. وفي الوقت نفسه فإن المناطق الأخرى معرضة لمخاطر التخلف عن الركب. وقد تتضمن التبعات على المدى الطويل تزايد التفاوت في الريادة التكنولوجية، وتمويل البحوث، والنفوذ الجغرافي-السياسي. وعلاوة على ذلك، نجد أن زيادة تطور الذكاء الاصطناعي قد تعيد تعريف أشكال الحكم الشخصي التي لا تزال ضئيلة، مما يعزز من التحول في توازن القوى، حسب أي المناطق التي تتكيف قوتها العاملة مع الاحتياجات الناشئة.
وفي هذا الشأن، يمكن لصناع السياسات المساعدة بثلاث طرق حيوية.
لصقل الحكم الشخصي، يمكن أن يقوم صناع السياسات بتوسيع فرص الحصول على التعليم والتدريب عالي الجودة الذي يركز على أهمية مهارات صنع القرار المعقدة، مما يضمن زيادة الأفراد في المناطق المختلفة الذين يطورون قدرات الحكم الشخصي اللازمة لتكملة قدرات الذكاء الاصطناعي.
ويمكن لصناع السياسات تشجيع إمكانية تنقل المواهب العالمية وتبادل المعرفة، بما يضمن اتساع نطاق توزيع قدرات الحكم الشخصي اللازمة للاستخدام الأمثل للذكاء الاصطناعي عبر الاقتصادات، بدلا من اقتصارها على عدد قليل من المناطق المهيمنة عليها.
وختاما، يمكن لصناع السياسات خلق الحوافز لنشر القدرة على توليد تنبؤات الذكاء الاصطناعي القيمة على نطاق أوسع من مراكز السلطة التقليدية وذلك من خلال التمويل، والبنية التحتية، وحوافز اعتماد الذكاء الاصطناعي. وسوف يؤدي ذلك إلى تشكيل منافع توزيع الذكاء الاصطناعي ودعم النمو الاقتصادي الأكثر توازنا على المدى الطويل.
وسوف تساهم مثل هذه التدابير في إدارة التحول وتعظيم منافع الذكاء الاصطناعي إلى أقصى حد مع التخفيف من مخاطره. وقد أحرز علماء الكمبيوتر تقدما سريعا في سبيل تطوير هذه التكنولوجيا التي تواصل تقدمها بوتيرة سريعة. والآن على الاقتصاديين مواكبة هذا التقدم. ولا بد للمتخصصين من توفير الإرشادات لصناع السياسات من خلال البحوث عن أفضل الطرق لإدارة تحول الذكاء الاصطناعي. وسيزيد ذلك من فرص توجيه السياسات دفة العالم نحو مستقبل من الاستقرار والرخاء العالميين - وليس البديل.