فبدلاً من تمويل الاستثمار، وجهت دورة الدين الكبرى الجزء الأكبر من التمويل إلى الأنشطة الاستهلاكية غير المُنتجة للأسر والحكومات. واستخدام الدين في تمويل الاستهلاك أو الاستثمار لا يمثل مشكلة على المدى القصير، فكلاهما يساهم في الطلب الكلي بالقدر نفسه. ومع ذلك، فإن الاستهلاك الممول بالدين، أو "الطلب المدين"، له انعكاسات مختلفة على المدى الطويل عند سداد المستهلكين لديونهم تجاه مقرضيهم. فالمقترضون لا يسعهم سداد ديونهم إلا بخفض الاستهلاك، مما يفرض عبئاً على الطلب الكلي نظرا لأن المدخرين أقل ميلاً إلى إنفاق عوائدهم المالية على الاستهلاك.
خفض أسعار الفائدة
وهكذا يؤدي الطلب المدين إلى انخفاض الطلب الكلي على المدى الطويل. ويحاول الاقتصاد التعويض عن هذه الضغوط الخافضة عن طريق خفض أسعار الفائدة أيضًا، حيث يساعد هذا الانخفاض في تخفيف عبء خدمة الدين عن المقترضين وزيادة الطلب الكلي مرة أخرى. وبالتالي، ينشأ عن دورة الدين الكبرى أيضاً انخفاض مستمر في أسعار الفائدة على المدى الطويل. فعلى سبيل المثال، تراجعت أسعار الفائدة الحقيقية على سندات الخزانة الأمريكية لأجل عشر سنوات من نحو 7% في أوائل ثمانينيات القرن الماضي إلى صفر بل وقيم سالبة أحيانا في السنوات الأخيرة. وأحد الانعكاسات المؤسفة لانخفاض أسعار الفائدة على المدى الطويل هو ارتفاع تقييمات الأصول عادة، وهو ما يؤدي إلى زيادة تفاقم عدم المساواة.
وخلاصة القول إن تصاعد الاختلالات الناجمة عن فاحشي الثراء وبعض البلدان أدى إلى ظهور دورة الدين العالمية الكبرى التي تمول في الأساس الطلب المدين غير المنتج. وهذه السمة المهمة لدورة الدين الكبرى تدفع أسعار الفائدة طويلة الأجل إلى الانخفاض، مما يفاقم انعدام المساواة المتزايد في توزيع الثروة. ومما يثير القلق أيضا إخفاق دورة الدين الكبرى في زيادة الاستثمار الحقيقي رغم الانخفاض الكبير في أسعار الفائدة ووفرة الفوائض المالية. وتعكس دورات الدين الكبرى وجود مشكلات على جانب الطلب، في ظل تزايد عدم المساواة وتخمة مدخرات الأثرياء، ومشكلات على جانب العرض أيضا، في ظل القيود الشديدة على استجابة الاستثمار رغم الانخفاض الحاد في أسعار الفائدة ووفرة التمويل.
مواطن الضعف في الاقتصاد العالمي
ما هي المخاطر التي تفرضها دورة الدين الكبرى على الاقتصاد العالمي؟ دائما ما يكون الاقتصاد القائم على إمدادات مستمرة من الديون الجديدة لتوليد الطلب عُرضة لاضطرابات الأسواق المالية، وهو ما قد يؤدي إلى فترات تباطؤ حادة. وهذا ما حدث في عام 2008 بسبب ديون الأسر. ومنذ ذلك الحين، ازداد اعتماد الاقتصاد على الدين الحكومي لتوليد الطلب. وغالبا ما يتسنى لحكومات الاقتصادات المتقدمة الاقتراض بأسعار فائدة أقل من معدل نموها، مما يسهل عليها تحمل عبء دورة الدين الكبرى والحفاظ على سلامة أوضاع الاقتصاد. غير أن الاعتماد على الاقتراض الحكومي المستمر يشكل خطراً سياسياً لأنه يتوقف بدوره على استمرار استقرار الأسواق المالية. وقد اتضح من الزيادة الأخيرة في أسعار الفائدة عبر العديد من البلدان أن هذا الاعتماد لا يمكن اعتباره أمرا مسلماً به.
وفي نهاية المطاف، يتعين على الاقتصاد إيجاد سبيل إلى إعادة التوازن وعكس مسار دورة الدين الكبرى. ويتطلب ذلك إجراء تغييرات هيكلية بحيث يصبح النمو أكثر إنصافا، مما سيحد تلقائيا من نطاق الاختلالات. وللسياسة الضريبية كذلك دور طبيعي في إعادة التوازن إلى الاقتصاد. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يؤدي فرض ضرائب على الثروات التي تتجاوز حدا معينا إلى تشجيع أصحاب الثروات الكبيرة على إنفاق المزيد. وهذا بدوره سيقلص تخمة مدخرات الأثرياء التي تمول دورة الدين غير المنتجة. وأخيرا، من شأن إصلاحات جانب العرض، مثل إلغاء القيود المفروضة على أنشطة البناء الجديدة، وتشجيع المنافسة، وتعزيز الاستثمار العام، أن تسهم في زيادة فرص الاستثمار حتى يتسنى للدين تمويل الاستثمار المنتج بدلا من الطلب المدين غير المنتج.
وتتصدى الحكومات حول العالم للمشكلات الناجمة عن دورة الدين الكبرى باستخدام أدوات مالية ونقدية تقليدية. ولكن كما هو معلوم، فإن هذه الأدوات مصممة لمعالجة المشكلات الدورية المؤقتة فحسب، وليس المشكلات الهيكلية، كالاختلالات طويلة الأجل. فعلى سبيل المثال، قد يساعد إرخاء السياسة النقدية في تعزيز الطلب على المدى القصير من خلال السماح للمقترضين بالاقتراض أكثر قليلا. غير أن هذا الطلب المدين سيدفع الاقتصاد إلى السقوط مجددا في نهاية المطاف. وهكذا نكون على أفضل تقدير قد أرجأنا اتخاذ القرارات الصعبة، أو أن نكون على أسوأ تقدير قد عرقلنا الحل النهائي لدورة الدين الكبرى.