Loading component...
عدم المساواة الشديد يؤدي إلى إشعال أزمة ديون عالمية
Loading component...
الآراء الواردة في هذه المقالات وغيرها من المواد المنشورة تعبر عن وجهة نظر مؤلفيها، ولا تعكس بالضرورة سياسة صندوق النقد الدولي.
أثناء فترة الكساد الكبير، عندما رأى انهيار القوة الشرائية لعامة الناس، حذر رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مارينر إيكلز، من أن الادخار المفرط من جانب الأثرياء يستنزف الطلب ويعمق الهبوط الاقتصادي. وقال إيكلز في شهادته أمام مجلس الشيوخ عام 1993 "لحمايتهم من نتائج حماقتهم، ينبغي أن نأخذ منهم كمية كافية مما لديهم من فائض لتمكين المستهلكين من الاستهلاك وتمكين الشركات من العمل لتحقيق الأرباح".
وكانت مستويات عدم المساواة في الولايات المتحدة بالغة الارتفاع آنذاك، فقد امتلكت شريحة أعلى 1% دخلا ما يقارب 42% من إجمالي الثروة. ولكن في غضون عقد واحد، تغير المشهد جذريا. فقد ساهمت التعبئة العامة ونظام الضرائب التصاعدية خلال الحرب العالمية الثانية في الحد من عدم المساواة واستعادة التوازن بين الإنفاق والإنتاج. وتلاشت المشكلة الأساسية التي أكد وجودها إيكلز من الذاكرة العامة مع دخول الاقتصاد الأمريكي فترة طويلة من النمو المستدام والأكثر إنصافا.
ولكن بدءا من ثمانينات القرن العشرين، ارتفعت مستويات عدم المساواة مجددا، فقد ارتفع نصيب شريحة أعلى 1% دخلا من الثروة من 22% في عام 1980 إلى ما يقارب 35% في عام 2010. ومع زيادة تركز الدخل لدى الشريحة الأعلى دخلا، عادت القوى التي حذر منها إيكلز للظهور مجددا، حيث أدى ارتفاع مدخرات الأثرياء إلى إضعاف القوة الشرائية الكلية. إلا أن القصور المتوقع في الطلب لم يظهر على الفور، فقد تم تمويل الإنفاق من خلال ارتفاع الديون الخاصة للأسر التي تقع تحت الشريحة الأعلى دخلا. ومنذ منتصف ثمانينات القرن العشرين حتى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، استوعب التراكم السريع لدين الأسر فائض مدخرات الأثرياء ودعَّم الطلب الكلي.
وقد أنهت الأزمة المالية العالمية في عام 2008 حقبة إنفاق الأسر الممول بالديون التي طال أمدها. ومع الحد من الرفع المالي في الميزانيات العمومية للقطاع الخاص، عاد الاختلال الأساسي الذي حذر منه إيكلز للظهور بقوة، أي فائض مدخرات لدى الشريحة الأعلى دخلا وعدم كفاية الطلب واسع النطاق لدى الشريحة الأقل دخلا. وقد خفض الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة إلى الصفر، غير أن السياسة النقدية لم تتمكن من سد الفجوة. وتُركت سياسة المالية العامة لتتحمل العبء – إما قبول ركود عميق ومطوَّل أو تحمل عجز أولي كبير لتحقيق الاستقرار في الدخول والتوظيف. وقد اختارت الولايات المتحدة الخيار الثاني.
ومن وجهة النظر الكينزية، يساعد العجز على تعافي الاقتصاد بسرعة أكبر خلال فترات الهبوط الاقتصادي، إلا أن الحاجة إليه مؤقتة. وعندما يكون قصور الطلب هيكليا – مدفوعا باستمرار ارتفاع مدخرات شريحة الأسر الأعلى دخلا التي تستحوذ على نسبة كبيرة من مجموع الدخول – تصبح الحاجة إلى العجز أطول أمدا. وفي دراسة أجريناها مؤخرا، بعنوان "نظرية توازن العجز المالي" (A Goldilocks Theory of Fiscal Deficits)، أوضحنا أنا وأمير صوفي ولودفيغ شتراوب أن تزايد عدم المساواة قد يجبر الحكومات على تحمل عجز أكبر ومستمر. ويجب أن يكون العجز كبيرا بما يكفي لإبقاء الاقتصاد بعيدا عن الحد الأدنى الصفري (عندما تصل أسعار الفائدة الاسمية إلى الصفر وتصبح السياسة النقدية غير فعالة) والحيلولة دون حدوث ركود.
إن تخمة الادخار المتزايدة – فائض المدخرات لدى الأسر ذات الدخل الأعلى – تجبر الاقتصاد على تزايد الاعتماد على الإنفاق الممول بالديون لدعم الطلب الكلي. وقبل عام 2008، كان النظام المالي يقوم بذلك من خلال التوسع في الائتمان المقدم لقطاع الأسر، مما دعم الاستهلاك حتى مع زيادة عدم المساواة. وعند انتهاء التوسع في الائتمان الخاص بصورة مفاجئة أثناء الأزمة المالية، انتقل عبء خلق الائتمان إلى القطاع العام، كما توضح الأدلة المستخلصة من الولايات المتحدة.
ويوضح الرسم البياني 1 حدوث ارتفاع حاد في مجموع الائتمان (العام والخاص) بدءا من أوائل ثمانينات القرن العشرين. ويقسِّم الخطان الأزرق والأحمر المجموع إلى ائتمان خاص وعام، ويفصلان فترة ما قبل الأزمة (1980-2008) عن فترة ما بعد الأزمة (من عام 2008 فصاعدا). وفي الفترة من 1980 إلى 2008، تعكس كل الزيادة في مجموع الائتمان تقريبا طفرة في الاقتراض الخاص، بينما ظل الدين العام مستقرا نسبيا.
وبعد عام 2008، ينعكس مسار هذا النمط. فحتى مع اقتراب سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية من الصفر، لم يتمكن القطاع الخاص من مواصلة زيادة الرفع المالي – أو امتنع عن ذلك – لذا فإن دعم الطلب تطلب نمو الائتمان المقدم للقطاع العام. وهذا هو منطق "مبدأ توازن" العجز المالي، فعندما تواجه الميزانيات العمومية للقطاع الخاص قيودا، يمكن لاقتراض القطاع العام أن يعوض قصور الطلب ويساعد على تجنب ركود مطوَّل. واتساقا مع هذا التوقع، يستمر ارتفاع نسبة مجموع الائتمان إلى إجمالي الناتج المحلي بعد عام 2008 بنفس الوتيرة السابقة تقريبا، ولكن ذلك يرجع بشكل شبه كامل إلى زيادة الدين العام، في حين يظل الائتمان الخاص ثابتا بوجه عام كنسبة من إجمالي الناتج المحلي.
وتؤدي تخمة الادخار في ظل قيد الحد الأدنى الصفري إلى إجبار الحكومة على زيادة الدين والعجز، ولكن الحكومة تواجه أيضا قيدا ديناميكيا على الميزانية. فإذا تجاوز العجز الحد المسموح به، قد ترتفع أسعار الفائدة على الدين العام بمرور الوقت، مما يجعل مسار الدين غير مستدام. إن ارتفاع مستويات عدم المساواة وما ينتج عنه من فائض مدخرات لدى الأثرياء يشكل معضلة "مبدأ التوازن" (غولديلوكس) أمام سياسة المالية العامة، فلا يمكن أن يكون العجز "منخفضا للغاية" (ضئيل إلى حد يتعذر معه تعويض نقص الطلب) أو "مرتفعا للغاية" (كبير جدا لدرجة تزعزع استقرار ديناميكية الدين). وتشير البيانات إلى أن أداء الولايات المتحدة كان قريبا من هذا الحد الأعلى في عام 2019 – وهو ما يقارب أكبر عجز يمكن الاستمرار في تحمله على المدى الطويل.
وقد يؤدي ارتفاع عجز المالية العامة واستمراره منذ ذلك الحين إلى دفع ديناميكية الدين الأمريكي نحو مسار أقل استدامة. ولم تشهد الولايات المتحدة مثل هذه الضغوط على المالية العامة في تاريخها الحديث، فالدين الفيدرالي وصافي تكاليف الفائدة كنسبة من إجمالي الناتج المحلي يقتربان من أعلى مستوياتهما على الإطلاق. ومن المتوقع أن يبلغ عجز المالية العامة حوالي 6% من إجمالي الناتج المحلي، مما سيؤدي إلى استمرار ارتفاع مستويات الدين مقارنة بحجم الاقتصاد ويهدد الاستدامة.

تتزايد تخمة الادخار في جميع بلدان العالم. فقد ارتفعت نسبة الدخل التي تحصل عليها شريحة أعلى 1% دخلا على مستوى العالم. ونظرا لأن الشركات هي وسيلة متمتعة بميزة ضريبية تتيح للأثرياء الادخار، فقد ارتفع ادخار الشركات على مستوى العالم بشكل كبير على مدى العقود القليلة الماضية. وتعمل البلدان الثرية على زيادة المدخرات من خلال البنوك المركزية وصناديق الثروة السيادية. ولكن الاستثمار العالمي لم يواكب ذلك، مما أدى إلى تخمة ادخار تتطلب ائتمانا جديدا غير منتج لدعم الطلب الاستهلاكي. ويواجه كثير من الاقتصادات الكبرى نفس المأزق الذي تواجهه الولايات المتحدة، وهو زيادة الاعتماد على الدين لتوليد الطلب، أولا من خلال دين الأسر الخاص، ثم من خلال الدين الحكومي.
وعلى سبيل المثال، بدأ مجموع الدين في المملكة المتحدة يرتفع بسرعة في ثمانينات القرن العشرين، مدفوعا في الأساس بالاقتراض الخاص حتى عام 2008، ثم بالدين العام. واتبعت اليابان مسارا مماثلا، لكنها بدأت في وقت سابق. وقد انتهى رواج الائتمان الخاص فيها في أوائل تسعينات القرن العشرين، واستوعب الدين العام لاحقا هذا التغيير. وفي منطقة اليورو، تزامن إطلاق اليورو في عام 1999 مع تراكم سريع في الائتمان الخاص بلغ ذروته في أزمة عام 2008؛ ومنذ ذلك الحين، اقترن الحد من الرفع المالي في القطاع الخاص بتحول نحو ارتفاع الدين العام.
ازداد كذلك اعتماد الصين على الدين لدعم الطلب. ولكن على عكس معظم الاقتصادات الكبرى، فقد فعلت ذلك في البداية عن طريق تصدير فائض مدخراتها إلى الخارج – مما أدى إلى تحقيق فوائض كبيرة في الحساب الجاري زادت من صافي ديون بقية العالم للصين. وساعدت هذه الالتزامات الخارجية بدورها في تمويل الإنفاق على السلع الصينية.
وخلال فترة طويلة من العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ارتفع فائض الحساب الجاري في الصين ارتفاعا حادا كنسبة من إجمالي الناتج المحلي، حتى مع نمو إجمالي الناتج المحلي نفسه بوتيرة استثنائية (الرسم البياني 2). وقبيل الأزمة المالية في عام 2008، اقترب الفائض من 10% من إجمالي الناتج المحلي – وهي نسبة بالغة الارتفاع بالنسبة لاقتصاد كبير. وكان من غير المرجح أن يكون هذا الاختلال الخارجي الكبير مستداما.
ومع عجز الاقتصادات المتقدمة عن دعم الطلب من خلال الائتمان الخاص المتزايد باستمرار - لا سيما بعد عام 2008 – هناك قيود واجهت استراتيجية الصين السابقة المتمثلة في تصدير فائض مدخراتها إلى الخارج. وتتزايد صعوبة التوسع المستمر في صافي الإقراض الخارجي القادر على الحفاظ على مستويات الفوائض التجارية الكبيرة جدا. وقد عدَّل الجانبان استراتيجيتهما من خلال تحويل عملية خلق الديون إلى مصادر جديدة، حيث زاد اعتماد الاقتصادات المتقدمة على عجز المالية العامة، ولجأت الصين إلى التوسع في الائتمان المحلي لدعم الطلب في مواجهة تخمة الادخار.
ومع تراجع الفائض الخارجي للصين إلى مستويات أكثر اعتدالا بعد عام 2008، ارتفعت نسبة الدين المحلي إلى إجمالي الناتج المحلي ارتفاعا حادا. وكانت الزيادة واسعة النطاق – إذ امتدت إلى ما هو أبعد من اقتراض الشركات والحكومة المحلية لتشمل النمو السريع في دين الأسر – وتمثل واحدة من أسرع عمليات تراكم الرفع المالي المحلية التي شوهدت على مستوى الاقتصادات الكبرى.

لماذا لم توجِّه الأسواق المالية أموالا وفيرة نحو استثمار منتج؟ رغم ارتفاع نسبة مجموع الدين إلى إجمالي الناتج المحلي، ظلت نسبة الاستثمار إلى إجمالي الناتج المحلي في الاقتصادات الكبرى ثابتة بوجه عام، بل وانخفضت بصورة طفيفة في بعض الأحيان. فهل يعود ذلك إلى أن النظام المالي لا يدعم التمويل الصبور طويل الأجل؟ أم أن القيود التنظيمية وغيرها من قيود على جانب العرض تعوق الاستثمار؟
وعندما يوجَّه فائض المدخرات إلى ديون غير منتجة تموِّل الاستهلاك بدلا من الاستثمار، لا يحقق المقترضون دخلا إضافيا يمكنه سداد إجمالي الديون الجديدة. والنتيجة هي ارتفاع مستمر في نسبة الدين إلى إجمالي الناتج المحلي وضغوط خافضة لأسعار الفائدة للحفاظ على استدامة الدين. ونشير في دراسة سابقة إلى هذه الديناميكية بمصطلح "الطلب المدين"، أي النمو المدعوم بالاقتراض لأن قوة الإنفاق الأساسية غير كافية.
يكمن الخطر الأساسي للاعتماد على الطلب المدين في هشاشته المتأصلة. وعندما يصل المقترضون من القطاع الخاص إلى أقصى حدود الديون التي يمكنهم تحملها – كما حدث في عام 2008 – فإن الحفاظ على الطلب يتطلب آلية أكبر وأطول أمدا لترتيب الدعم المالي الحكومي، وهو ما يفسر ارتفاع العجز العام والدين بعد الأزمة. ولهذا السبب فإن الهشاشة المالية العالمية اليوم ليست خيارا منفصلا على مستوى السياسات، بل هي نتيجة لاحقة لفشل نظام اقتصادي في تحويل المدخرات الوفيرة إلى استثمارات منتجة.
والسؤال المطروح اليوم هو ما إذا كانت الحكومة الأمريكية قادرة على كبح الإنفاق من المالية العامة في حال توترت الأسواق. ووجود استقطاب سياسي وجمود تشريعي يعني أن الثقة محدودة. ولكن الدرس الأعمق هو أن الاختلالات الهيكلية – التي تعود جذورها إلى فائض مدخرات الأثرياء – تخلق الظروف ذاتها التي تُعرِّض الاقتصاد لهذه المخاطر. إن توقع قيام صناع السياسات بالإبقاء على العجز في نطاق مبدأ التوازن (غولديلوكس) دائما أمر غير واقعي، فعندما تؤدي عدم المساواة إلى كبح الطلب، قد يقدمون دعما محدودا للغاية، كما كان الحال في عهد إيكلز؛ وفي أوقات أخرى، قد يتركون العجز كبيرا للغاية لفترة طويلة للغاية، وهو ما يعتقد الكثيرون أنه يحدث الآن.
وغالبا ما نصف عدم المساواة بمصطلحات أخلاقية، لكن الدرس المستخلص على المستوى الكلي أكثر وضوحا، فعندما يتركز الدخل على نحو مفرط في أيدي الشريحة الأعلى دخلا، يتراجع الطلب، ويستمر العجز، ويُضعفنا جميعا الاعتماد على الديون. وقد رصد إيكلز هذا المنطق الجماعي في عام 1933. ونصيحته بأخذ جزء من الفائض من أكثر الناس ثراء لتمكين المستهلكين من الاستهلاك وتمكين الشركات من تحقيق الأرباح لا تزال لها اليوم نفس الأهمية التي كانت لها آنذاك. وكما أشار إيكلز: هذا ليس استنزافا للأغنياء، بل إنقاذا لهم".