السوابق التاريخية
في حين أنه من غير المرجح أن تجري الولايات المتحدة واقتصادات متقدمة أخرى التصحيح المالي اللازم لتثبيت الدين على المدى المتوسط، فقد تحاول لاحقا. ولتقييم مدى احتمالية ذلك، استعرضنا السوابق التاريخية: عدد المرات التي نجحت فيها البلدان في تحقيق الرصيد الأولي المطلوب، وأطول فترة حافظت فيها على استقرار هذا الرصيد، وعدد المرات التي أتمت فيها التصحيح اللازم خلال سبع سنوات.
وتشير نتائجنا إلى أن تحقيق الرصيد الأولي اللازم لاستقرار الدين في عدد من الاقتصادات المتقدمة عالية المديونية، وإجراء التصحيحات الكبيرة اللازمة للوصول بمركز المالية العامة الحالي إلى هذا الهدف، أمر نادر الحدوث. فعلى سبيل المثال، تحتاج فرنسا إلى تحقيق فائض أولي قدره 1,3% من إجمالي الناتج المحلي لتثبيت مستويات الدين، وهو ما لم يحدث سوى ست مرات خلال خمسة عقود. وهذا لا يعني أن مثل هذه التصحيحات مستحيلة، ولكن التاريخ يشير إلى أنها ستكون صعبة، وستستغرق فترة أطول من السنوات السبع المتوخاة في قواعد المالية العامة للاتحاد الأوروبي.
ويمكن لصناع السياسات في هذه الاقتصادات أن يستلهموا من تحول ما كانت تعتبر في وقت ما أضعف حلقات منطقة اليورو. ففي عام 2024، بلغ الرصيد الأولي المعدل لاستبعاد العوامل الدورية في اليونان 4%، متجاوزا بكثير المستوى اللازم لتحقيق استقرار الدين. وتحتاج البرتغال إلى تصحيح طفيف قدره 0,5% من إجمالي الناتج المحلي فقط. وينطبق الوضع نفسه على أيرلندا التي تحتاج إلى تصحيح متواضع قدره 1,9%، كما سجلت نسبة دين منخفضة للغاية بلغت 39% من إجمالي الناتج المحلي، وهي نسبة أقل بكثير من مثيلتها البالغة 122% في الولايات المتحدة و101% في المملكة المتحدة.
فكيف ببلدان واجهت أزمات مالية حادة قبل 15 سنة أن تصبح اليوم مثالا للانضباط المالي؟ في أعقاب الأزمة المالية العالمية لعام 2008، دفعت الأسواق المالية هذه البلدان إلى حافة الانهيار، مما أجبرها على قبول برامج الإقراض المقدمة من الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي. ورغم العيوب التي شابت تصميم هذه البرامج، فإن إجراءات التشديد المالي والإصلاحات الهيكلية الأساسية التي تضمنتها أعادت هذه الاقتصادات إلى مسار النمو المستدام. وكان التصحيح مؤلما، وفي حالة اليونان، طويلا للغاية، ولكنه كان فعالا في نهاية المطاف.
والنتائج تتحدث عن نفسها. فبمتوسط نمو سنوي تراوح بين 3,1% و4,2% خلال الفترة 2022-2025، تجاوزت البلدان الثلاثة معدل النمو في الولايات المتحدة البالغ 2,6%.
والدرس المستفاد هو أن الانضباط المالي والإصلاح الهيكلي، إلى جانب إعادة هيكلة الدين العام والخاص حينما يصبح الدين غير قابل للاستمرار، تؤتي ثمارها في نهاية المطاف. ولا غرابة في أن هذه الإصلاحات وعمليات إعادة الهيكلة لم تنبع من زخم سياسي داخلي، ولكن فرضتها ضغوط السوق.
إدراك المخاطر
السؤال هنا هو كيف ستخوض البلدان عملية التصحيح هذه المرة؟ هناك عدة احتمالات.
الحل الأمثل هو الجمع بين الإصلاح الداعم للنمو، بما في ذلك تطبيق أجندة السوق الموحدة في الاتحاد الأوروبي حسبما جاء في تقرير دراغي، والإصلاحات العميقة لنظم الضمان الاجتماعي والمعاشات التقاعدية. ويمكن أن يشمل أيضا إصلاحا شاملا للنظم الضريبية بهدف زيادة الإيرادات دون تثبيط النمو. وينطبق الشق الأخير تحديدا على الولايات المتحدة، فهي البلد الوحيد ضمن منظمة التعاون والتنمية في الميدان الاقتصادي الذي لا يطبق ضريبة القيمة المضافة.
ولسوء الحظ، فإن هذا الحل هو أيضا الأصعب سياسيا. والمسار الأرجح للتصحيح المالي هو تغيير توجهات القيادة السياسية المحلية بحيث تولي الأولوية للانضباط المالي، وليس للإصلاحات العميقة بالضرورة. وإيطاليا مثال على ذلك. فبعد أن كادت تتعرض لكارثة في أوائل العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، نجحت الحكومات الإيطالية، على اختلاف طوائفها السياسية، في السيطرة على ميزانياتها بشكل عام. ولا تزال نسبة الدين في إيطاليا مرتفعة، حيث تبلغ حوالي 135% من إجمالي الناتج المحلي، وإن كان رصيدها الأولي المعدل لاستبعاد العوامل الدورية والبالغ 0,3% من إجمالي الناتج المحلي يبدو أفضل بكثير من نظيره في بلجيكا وفرنسا والمملكة المتحدة.
وقد يؤدي ارتفاع مفاجئ في تكاليف الاقتراض إلى سيناريو هبوط عنيف، وبالتالي وصول الدين إلى مستويات حرجة. ومع ارتفاع الديون، يمكن أن ترتفع أسعار الفائدة أيضا، وقد تصبح الأسواق أكثر حساسية تجاه الأخبار التي تشكك في استدامة المالية العامة. وقد تلجأ الحكومات إلى تطبيق صور متنوعة من الكبح المالي، مثل تشجيع البنوك أو المؤسسات المحلية على استيعاب المزيد من الدين الحكومي، لكن هناك حدودا لهذه التدابير. وقد يخفف التضخم المفاجئ الضغوط المالية مؤقتا، غير أن استمرار ارتفاع التضخم سيؤدي في نهاية المطاف إلى رفع أسعار الفائدة الاسمية.
فلنأمل أن يدرك صناع السياسات هذه المخاطر وأن يتحركوا مبكرا لمنع حدوث هذه النتيجة.