عندما كان أوغستن كارستنز طفلا، كانت أمه تعطيه كل صباح أجرة ركوب الحافلة بالضبط للذهاب إلى المدرسة والعودة منها. وفي ظهيرة أحد الأيام، اضطر كارستنز إلى قطع عدة كيلومترات مشيا على الأقدام عبر مدينة مكسيكو سيتي للوصول إلى المنزل لأن أجرة الحافلة ارتفعت خلال نهار ذلك اليوم. ويروي هذه الواقعة في إحدى المقابلات الشخصية قائلا "سألت أمي عما حدث فأجابت قائلة "إنه التضخم". وشعرت بالحيرة وقتها، وفكرت أنه سيكون من المثير أن أفهم هذا الأمر على نحو أفضل".
وكانت هذه الواقعة هي النواة الي أنبتت اقتصادي المكسيك الرائد وواحد من أكثر صناع السياسة نجاحا في هذا القرن. وعلى مدار حياة مهنية امتدت لأربعة عقود جمع كارستنز بين الدقة الفكرية والأكاديمية والروح العملية والمقدرة السياسية في سلسلة أدوار رائدة مارسها خلال عمله في صندوق النقد الدولي، والبنك المركزي ووزارة المالية في المكسيك، وبنك التسويات الدولية.
وعن كارستنز، يقول سيدارث تيواري، المدير السابق في صندوق النقد الدولي "إن أوغستن يتمتع بشخصية تجمع بين الفضول الشديد والقوة الفكرية الهائلة وعقلية الشركات البادئة". وقد جمعته بكارستنز صداقة طويلة منذ أيام دراستهما في برنامج الدكتوراه بجامعة شيكاغو في ثمانينات القرن الماضي. وجدير بالذكر أن كارستنز لم يعمل قط في القطاع الخاص وصنع مسيرته المهنية من داخل هيكل البيروقراطية الصارم.
وخلال عمله في صندوق النقد الدولي، تحدى كارستنز العقيدة السائدة في ذلك الوقت بدعمه تقديم القروض لمنع وقوع الأزمات، وليس لمجرد حلها. وكوزير للمالية، قاد دفة المكسيك للخروج من الأزمة المالية العالمية. وكمحافظ البنك المركزي عزز مبدأ العمل متعدد الأطراف. وأثناء توليه منصب المدير العام في بنك التسويات الدولية أطلق مركز ابتكار بنك التسويات الدولية مشجعا نشر ثقافة الشركات البادئة داخل تلك المؤسسة شديدة التحفظ التي يبلغ عمرها 100 عام تقريبا. وفي الوقت نفسه، حفز البنك على التعمق في تفهم تطورات السياسة النقدية الأخيرة.
وفي نهاية شهر يونيو الجاري سينهي كارستنز فترة رئاسته لبنك البنوك المركزية الكائن في مدينة بازل السويسرية، ويمرر الشعلة إلى الإسباني بابلو هيرنانديز دي كوس. وبينما سيكون قد بلغ السابعة والستين من العمر فإنه لم يفصح عن خطوته التالية في الحياة.
من كرة البيسبول إلى الاقتصاد
وُلِد أوغستن غويرمو كارستنز كارستنز في مكسيكو سيتي في أسرة من الطبقة المتوسطة من أصول ألمانية. وفي سنوات شبابه، كان اهتمامه الوليد بعلم الاقتصاد ينافسه شغفه برياضة البيسبول، حيث كان راميا واعدا في دوريات البيسبول للناشئين.
وتفوق علم الاقتصاد في تلك المنافسة. وحصل كارستنز على موافقة بقبوله للدراسة بالمعهد التكنولوجي المستقل في المكسيك، الجامعة التي تقوم منذ زمن طويل بتأهيل صفوة الموظفين المدنيين في المكسيك. وبعد التخرج وقضاء فترة قصيرة من التدريب العملي في بنك المكسيك المركزي، حصل كارستنز على منحة من البنك لإيفاده إلى جامعة شيكاغو للالتحاق ببرنامج الدراسات العليا. واعتزم أن يركز بحثه على سوق سعر صرف البيزو المكسيكي.
وكان ذلك في عام 1982، وهو العام ذاته الذي خفضت فيه المكسيك قيمة البيزو ثلاث مرات وقامت بتأميم النظام المالي. وقبل مغادرته للمكسيك شهد كارستنز بنفسه اضطراب الأسواق المالية. فاحتياطيات المكسيك كانت آخذة في النضوب وكان البلد على وشك فرض ضوابط رأس المال، بمعنى أن لا أحد ولا حتى البنك المركزي كان متيقنا من إمكانية تزويده بالمدفوعات بصفة منتظمة. وقدم له رئيسه في العمل مبلغا نقديا قدره عشرة آلاف دولار كدفعة مقدمة للمنحة الدراسية. وعن ذلك الأمر، يقول كارستنز "استغرق الأمر ستة أشهر لتعود المدفوعات إلى الوضع الطبيعي".
وفي شيكاغو كان وقت كارستنز مشحونا. فقد أتم دراسته للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراه في ثلاث سنوات لا غير. وكان المشرف على رسالته هو مايكل موسى، الذي شغل لاحقا منصب كبير الاقتصاديين في صندوق النقد الدولي. وفي تلك الفترة التقى كارستنز بكاثرين مانزل القادمة من تكساس لدراسة الماجستير وتزوج منها، وقد نشرت لاحقا كتابا عن النظام المالي في المكسيك أصبح من أكثر الكتب مبيعا، ثم كتبت قصة خيالية نُشرت تحت اسم سي. إم. مايو.
وبعد الانتهاء من دراسة الدكتوراه، عاد كارستنز مرة أخرى إلى البنك المركزي ليعمل وسيط تداول للعملات الأجنبية. وفي ظل استمرار الأزمة في المكسيك، كانت وظيفته تشمل متابعة أسعار الصرف، وحجم التداول، ومستويات الاحتياطي، وتحديث تلك البيانات على سبورة كل نصف ساعة. ويسترجع كارستنز تلك الفترة في كلمة ألقاها عام 2020، وقال "لكي نضمن اطلاع محافظ البنك على آخر التحديثات، كنا نضع كاميرا أمام السبورة متصلة بجهاز تلفاز في مكتب المحافظ بحيث يمكنه متابعة ما نقوم به من تحديثات في الوقت الحقيقي إلى حد ما".
وسرعان ما ترقى كارستنز إلى منصب مدير الخزانة، ثم رئيس قسم البحوث. وكان يشغل هذا المنصب عندما تكشف مأزق العملة التالي في المكسيك، أي أزمة التكيلا في عام 1994، التي اقتضت إنقاذا ماليا بقيمة 50 مليار دولار نظمته الولايات المتحدة.
وخلّفت هذه الأزمة وراءها كذلك مهمة غير مكتملة اضطلع كارستنز بمعالجتها بعد سبع سنوات. ففي عام 2001، تلقى كارستنز الدعوة من زميله خريج المعهد التكنولوجي المستقل في المكسيك فرانسيسكو جيل دياز، وزير المالية الجديد في حكومة الرئيس فيسينتي فوكس، ليشغل منصب نائب الوزير. ومن خلال هذا المنصب، دفع كارستنز بتطبيق قواعد تنظيمية بالغة الأهمية لتقوية أوضاع البنوك المتضررة من أزمة عام 1994.
إنهاء وصمة
في تلك الأثناء، بدأ كارستنز أولى فترات عمله في صندوق النقد الدولي، عضوا بالمجلس التنفيذي عن المكسيك وإسبانيا وأمريكا الوسطى في 1999. وفي وقت لاحق، بعد أن أمضى ثلاث سنوات نائبا لوزير المالية في المكسيك، عاد مرة أخرى إلى الصندوق بصفته أحد نواب المدير العام الثلاثة. ومن بين جملة إنجازاته، أعطى كارستنز دفعة لعمليات الصندوق لتنمية القدرات. وحول هذا الأمر يقول مستشاره السابق ألفريد كامر، الذي يشغل حاليا منصب مدير الإدارة الأوروبية: "كان لديه قدرة عظيمة على إقامة علاقة مع صناع السياسات بصفته شخصا كان في أغلب الأحيان يمر بنفس المشكلات".
وفي سياق إشرافه على أوضاع أكثر من 70 بلدا، حث كارستنز صندوق النقد الدولي على الخروج من نطاق الراحة الذي لا يتيح تقديم القروض إلا إذا وافقت البلدان المقترضة على شروط مالية واقتصادية. ودعا إلى مبدأ الإقراض الوقائي غير المشروط لمساعدة البلدان التي تتمتع بأساسيات اقتصادية قوية على تجنب أزمات ميزان المدفوعات التي تحفزها العوامل الخارجية.
غير أن كارستنز قال إن ذلك "كان بمثابة قفزة استغرقت فترة طويلة حتى قررت المؤسسة تأييدها". وحتى البلدان كانت تراودها الشكوك، نظرا لأن الاقتراض من الصندوق كان يعتبر إشارة على الضعف الاقتصادي.
وكان لا بد من مرور نصف عقد آخر ووقوع أزمة عالمية لكي يكتمل نضج هذه الفكرة. فقد كان كارستنز، أثناء توليه وظيفته التالية، هو الذي أنهى وصمة الاقتراض. ففي أواخر 2006، عندما أصبح فيليبي كالديرون رئيسا للمكسيك، كان كارستنز هو الاختيار الواضح ليشغل منصب وزير المالية. وبهذه الصفة، باشر تنفيذ عدة إصلاحات على مستوى المالية العامة وفاز بالموافقة على أربع موازنات فيدرالية في ظل حكومة أقلية.
وعن ذلك يقول أليخاندرو ويرنر، نائب وزير المالية في ذلك الوقت وأحد طلاب كارستنز السابقين: "لقد اتضح أنه سياسي بارع. فقد استطاع أن يمضي في تطبيق سياسة مالية متحفظة إلى حد بعيد مع الحفاظ على قدر كبير من التماسك السياسي".
وحث كارستنز على سن تشريعات جديدة لمعاشات التقاعد والعمل المصرفي إلى جانب الطاقة. وكان التحدي الأكبر أمامه هو وقاية المكسيك من آثار الأزمة المالية العالمية لعام 2008. وكان موقفة المالي المتحفظ هو ما حافظ على الوضع المالي الصحي في المكسيك عند وقوع الأزمة.
وقد أثمرت جهوده المبكرة بخصوص الإقراض الوقائي في شهر مارس 2009 عندما عمم صندوق النقد الدولي تطبيق "خط الائتمان المرن". وأصبح بإمكان البلدان التي سبق تأهلها بموجب أساسياتها الاقتصادية القوية - مثل المكسيك - الاستفادة الفورية من موارد الصندوق بدون أي شروط.
ووقعت المكسيك أو اتفاق بموجب خط الائتمان المرن بقيمة قدرها 47 مليار دولار. وفي ذلك الوقت كتب كارستنز في إحدى الصحف المكسيكية قائلا "كان صندوق النقد الدولي في السابق بمثابة طبيب غرفة الطوارئ الذي نادرا ما ينقل للمريض أنباء سارة. وبعد إصرار المكسيك وعدة بلدان ... سوف يضطلع الصندوق بدور أكثر فعالية في منع وقوع أزمات ميزان المدفوعات".