تراجعت معدلات الخصوبة طوال مائة عام في البلدان مرتفعة الدخل، باستثناء القليل منها، وبلغت حاليا مستويات متدنية للغاية في مناطق عديدة. فقد سجلت ألمانيا وإيطاليا واليابان وإسبانيا معدلات خصوبة أقل كثيرا من 1,5 لأكثر من عقدين – أي دون المتوسط اللازم للحفاظ على حجم السكان والذي يزيد قليلا على طفلين للمرأة الواحدة. ويعني ذلك أن أي جيل جديد سيكون أقل من ثلاثة أرباع الجيل السابق. ويؤدي هذا الانخفاض الحاد في معدلات الخصوبة إلى زيادة سريعة في عدد السكان الأكبر سنا، كما يفرض تحديات أمام الحكومات والاقتصادات واستدامة نظم الضمان الاجتماعي.
وقد تناولت أبحاث اقتصادية عديدة القرارات الفردية بشأن الخصوبة وركزت عادة على الاتجاهات الشائعة المرتبطة بهذا التحول الديمغرافي – أي الارتباط الأساسي السالب بين الخصوبة والدخل وبين نسبة مشاركة المرأة في القوة العاملة والدخل. وقد اقترح خبراء الاقتصاد تفسيرين رئيسيين.
أولهما، وهو التفسير القائم على "المفاضلة بين العدد والجودة"، يفترض أنه كلما كان الوالدان أكثر ثراء، ازداد حجم الاستثمار في "جودة" الأبناء (كالتعليم على سبيل المثال). وهي استثمارات مكلفة، وبالتالي يختار الوالدان إنجاب عدد أقل من الأبناء كلما ازدادت الدخول. ودائما ما كان هناك رابط سالب قوي بين الخصوبة ونصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي على مر التاريخ، سواء عبر البلدان أو الفترات الزمنية.
ويقر التفسير الثاني بأن تنشئة الأبناء تستغرق وقتا طويلا. ومع زيادة الأجور، يصبح تخصيص جانب من الوقت لرعاية الأبناء – وهو الوقت الذي كان من الممكن قضاؤه في العمل – أعلى تكلفة بالنسبة للوالدين، ولا سيما الأمهات. والنتيجة هي تراجع الخصوبة وزيادة نسبة مشاركة الإناث في القوة العاملة. وفي الواقع، طالما كان هناك ارتباط سالب قوي بين نسبة مشاركة الإناث في القوة العاملة والخصوبة عبر البلدان والفترات الزمنية.
حقائق جديدة عن الخصوبة
تشير البيانات إلى أن هذه العلاقات لم تعد تعبر عن الواقع العالمي. فقد تراجعت العلاقة السالبة بين الدخل والخصوبة إلى حد كبير داخل البلدان مرتفعة الدخل وعبرها، وإن كانت لا تزال حاضرة في البلدان منخفضة الدخل (لا سيما إفريقيا جنوب الصحراء). وينطبق الأمر نفسه على العلاقة بين الخصوبة ونسبة مشاركة الإناث في القوة العاملة. وفي مسح صدر مؤخرا (Doepke and others 2022) ومقال نشر على الموقع الإلكتروني VoxEU (11 يونيو 2022)، نلقي الضوء على هذه الأنماط التجريبية ونناقش أهم العوامل التي تفسر مستويات الخصوبة الفعلية في العقود الأخيرة.
وطالما كان ارتفاع نصيب الفرد من الدخل في بلد ما دليلا على تدني معدلات الخصوبة. ففي عام 1980، كان معدل الخصوبة لا يزال يتجاوز طفلين للمرأة الواحدة في البلدان الأفقر، كالبرتغال وإسبانيا، ولكن بعد مرور 20 عاما فقط، طرأت تغيرات هائلة على معدلات الخصوبة في نفس مجموعة البلدان (الرسم البياني 1). ففي الواقع، سجلت الولايات المتحدة في عام 2000، وهي في المرتبة الثانية بين البلدان الأكثر ثراء في العينة، معدل الخصوبة الأعلى على الإطلاق.

وبالمثل، طرأت تغيرات على أنماط الخصوبة عبر الأسر في البلدان مرتفعة الدخل (مثل فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة). فدائما ما كان هناك ارتباط سالب واضح بين تعليم الإناث والخصوبة، وهو ما يتسق مع فكرة ارتفاع تكلفة الفرصة البديلة لتنشئة الأطفال كلما ازدادت الأجور. غير أن هذه العلاقة السالبة تراجعت بين النساء الأمريكيات اللاتي وُلدن مؤخرا (الرسم البياني 2). فرغم أن النساء من ذوي المؤهلات العليا اللاتي قضين أكثر من 16 عاما في التعليم سجلن معدل الخصوبة الأدنى على الإطلاق في عام 1980، فقد تغير هذا الاتجاه في عام 2019 (راجع أيضا دراسة Hazan and Zoabi 2015).

التوفيق بين العمل والأسرة
تشير الأنماط التجريبية الأخيرة إلى أن سلوك معدلات الخصوبة الذي تشهده البلدان مرتفعة الدخل حاليا ناتج عن عوامل لا ترتبط مباشرة بالمفاضلة بين العدد والجودة أو تكلفة الفرصة البديلة. وكان على الباحثين عبر مختلف المجالات دراسة الآليات البديلة المسؤولة عن أنماط الخصوبة داخل البلدان مرتفعة الدخل وعبرها (راجع دراسة Rindfuss and Brewster 1996 ودراسة Ahn and Mira 2002 للاطلاع على مساهمات سابقة حول هذا الموضوع). وقد خلصت هذه النقاشات العلمية الموسعة إلى فكرة واحدة، وهي التوفيق بين العمل والأسرة.
فقد طرأ تحول اقتصادي جوهري، وأصبحت النساء في العديد من البلدان مرتفعة الدخل تشارك حاليا في القوة العاملة لفترة طويلة من حياتها. وأصبح النمط السابق لدخول النساء في سوق العمل وخروجهن منه بعد الزواج وإنجاب الأطفال هو الاستثناء وليس القاعدة. فمعظم النساء اليوم يرغبن في الجمع بين الأسرة والنجاح المهني. ومن منظور تاريخي، يمكن تفسير هذا التحول بأنه نتيجة للتقارب بين الخطط الحياتية للنساء والرجال عموما بعد فترة طويلة من الانقسامات الحادة في الأدوار المنوطة بالجنسين.